Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

تحاليل سرية ومرافقة علاجية في مدارس الجزائر لمكافحة المخدرات

لا تقوم هذه المقاربة الجديدة المعتمدة على العقاب بقدر ما تركز على اكتشاف الحالات في مراحلها الأولى والتكفل بها

الجزائر تطلق حملة وقائية في المدارس عبر تحاليل للكشف عن تعاطي المخدرات أو المؤثرات العقلية (أ ف ب)

ملخص

إجراء الكشف عن تعاطي المخدرات والمؤثرات العقلية لن يشمل جميع التلاميذ، إنما يخص الذين يبدون سلوكيات انفعالية أو عنيفة أو متهورة داخل المؤسسات التربوية

مواجهة المخدرات داخل الوسط المدرسي في الجزائر تدخل مرحلة جديدة عنوانها الكشف المبكر بدل انتظار وقوع الكارثة، وذلك من خلال اعتماد تجربة وقائية تستعد السلطات لتنفيذها، وتستهدف تلاميذ المدارس عبر تحاليل للكشف عن تعاطي المخدرات أو المؤثرات العقلية، في مقاربة لا تقوم على العقاب بقدر ما تركز على اكتشاف الحالات في مراحلها الأولى والتكفل بها وعلاجها.

وتطرح هذه المبادرة مقاربة جديدة في مواجهة آفة المخدرات داخل الوسط المدرسي، قوامها الكشف المبكر والتكفل الصحي والنفسي وإنقاذ التلميذ، قبل أن يتحول التعاطي إلى إدمان، مع تأكيد أن من تثبت التحاليل تعاطيه لن يكون هدفاً لعقوبة، وإنما لحماية وعلاج قد يغيران مسار حياته.

كشف مبكر

وأعلنت وزارة التربية الجزائرية دخول النظام الداخلي الموحد حيز التطبيق ابتداء من الدخول المدرسي الجديد 2026/2027، مع التشديد على أهمية الالتزام به مع تنفيذ بنوده بحذافيرها، حتى تحقيق الاستقرار للمدرسة الجزائرية.

وفي تعليمة صادرة عنه بتاريخ السابع من سبتمبر (أيلول) الماضي، حاملة رقم 460، طلب المدير العام للتعليم من مديريه التنفيذيين أهمية اعتماد النظام الداخلي الموحد لمؤسسات التربية والتعليم وتطبيقه، ابتداء من الـ21 من سبتمبر.

وفرضت الوزارة ضوابط صارمة ألزمت المديرين باتباعها عند اتخاذ قرار يقضي بإجراء تحاليل الكشف عن المخدرات أو المؤثرات العقلية وسط التلاميذ، مع المحافظة على السرية التامة للعملية، حماية لكرامة وخصوصية المعنيين وتجنب الوصم الاجتماعي داخل الوسط المدرسي.

وحدد النظام الداخلي بدقة في الفصل الخامس "الوقاية والصحة والنظافة والأمن والضوابط الواجب احترامها قبل القيام بإجراء تحاليل الكشف عن المخدرات"، مع شرط الاستناد إلى ثلاثة مؤشرات مهمة، وهي إما إدراج التحاليل ضمن الفحوص الدورية المبرمجة أو ملاحظة اختلال في السلوك أو الوقوف على وجود "اشتباه معقول"، وذلك حتى لا تنتهك حقوقهم ولا تمس حرياتهم، وبالتالي المحافظة على خصوصياتهم.

ونصت المادة 35 على منع في المؤسسة التعليمية كل السلوكيات المنافية للآداب، لا سيما حيازة أو إدخال أو استعمال الأسلحة البيضاء والقوارير والأنابيب الزجاجية والمفرقعات والألعاب النارية، أو أية أدوات أو مواد تشكل خطراً على سلامة أعضاء الجماعة التربوية وأمن المؤسسة التعليمية، وحيازة أو استهلاك أو ترويج أنواع التبغ كافة والسجائر الإلكترونية والمؤثرات العقلية ومشروبات الطاقة في الوسط المدرسي، فضلاً عن الترويج أو المشاركة في التحديات الرقمية الخطرة.

وقضت المادة 36 بأنه يخضع تلاميذ مؤسسات التربية والتعليم، باستثناء تلاميذ مرحلة التعليم الابتدائي، ما لم تقتض ذلك مصلحتهم إلى تحاليل الكشف عن تعاطي المخدرات أو المؤثرات العقلية.

وبخصوص شروط الكشف عن المخدرات، رخصت المادة 37 لمدير المؤسسة التعليمية طلب إجراء تحاليل الكشف عن تعاطي المخدرات أو المؤثرات العقلية، من طرف أطباء وحدات الكشف والمتابعة، وفقاً للمرسوم التنفيذي رقم 26-77 المؤرخ في الـ14 من يناير (كانون الثاني) 2026، الذي يحدد شروط وكيفيات الكشف عن تعاطي المخدرات أو المؤثرات العقلية بالمؤسسات التربوية والتعليمية والتكوينية، التي يجب أن تجرى في ثلاث حالات: وهي إدراج التحاليل ضمن الفحوص الدورية المبرمجة بالتنسيق مع وحدات الكشف والمتابعة، وظهور اختلال في السلوك أو سلوك عدواني لدى التلميذ تجاه زملائه أو الأساتذة أو الطاقم الإداري، أو وجود "اشتباه معقول" على تعاطيه المخدرات أو المؤثرات العقلية، وفقاً لملاحظات الأساتذة أو الطاقم الإداري وأطباء وحدات الكشف والمتابعة أثناء الفحوص الصحية الدورية.

ضوابط وإجراءات

تخضع تحاليل الكشف عن تعاطي المخدرات والمؤثرات العقلية في الوسط المدرسي، وفق المادة 38، لجملة من الضوابط والإجراءات، فبالنسبة إلى التلميذ القاصر يتولى مدير المؤسسة استدعاء الولي أو الوصي الشرعي والتشاور معه في شأن الحالة، مع اشتراط الحصول على موافقته الكتابية والصريحة لإجراء التحليل، وفي حال رفضه، يمكن للمدير، مباشرة أو عبر مديرية التربية، طلب موافقة قاضي الأحداث المعني إقليمياً، مع إشعار الممثل الشرعي بذلك.

أما التلميذ البالغ سن الرشد المدني، فتطلب موافقته الشخصية على إجراء التحليل بحضور وليه أو وصيه الشرعي. وفي حال امتناعه عن الموافقة ضمن الآجال المحددة، يجري إعلامه بأن هذا الامتناع يترتب عليه إحالته وجوباً على المجلس التأديبي.

وفي حال كشفت نتائج التحاليل عن وجود تعاطي للمخدرات أو المؤثرات العقلية، تنص المادة 39 على إبلاغ الولي أو الوصي الشرعي بالنسبة إلى التلميذ القاصر، وإبلاغ قاضي الأحداث عند الاقتضاء، في ما يجري إعلام التلميذ البالغ بالنتيجة، كذلك تلزم المادة 40 المعنيين بالخضوع للتدابير العلاجية المنصوص عليها في قانون الوقاية من المخدرات والمؤثرات العقلية ومكافحة استعمالها والاتجار غير المشروع بها.

وفي المقابل، تضع المادة 41 حماية التلميذ وخصوصيته في صلب العملية، إذ تحظر معاقبته أو إقصاءه أو تهميشه بيداغوجياً بسبب إيجابية نتائج التحليل، كذلك تفرض السرية المهنية على إجراءات التحاليل ونتائجها، مع إخضاع كل من يفشي المعلومات المتعلقة بها أو يمس بالحياة الخاصة للتلميذ للعقوبات المنصوص عليها في التشريع والتنظيم المعمول بهما.

خطوة استباقية

حول الموضوع، يقول الخبير التربوي أحمد جعدي إن الإجراء الجديد يعد خطوة استباقية واستشرافية للحد والتصدي لظاهرة تعاطي المخدرات، بأخذها في الحسبان المرحلة العمرية الحساسة والبيئة الحاضنة المتباينة، ولحماية الجيل من مختلف الآفات.

وأوضح جعدي في تصريح خاص أن الأمر يتعلق بلمسات علاجية تربوية تسهم في الكشف المبكر عن الحالات ويمنع انتشار المخدرات في الوسط المدرسي، وتساعد في الكشف الدوري أو عند ملاحظة تغيرات مفاجئة في سلوك التلميذ على التدخل في الوقت المناسب وبالطرق المناسبة قبل تفاقم المشكلة.

وأضاف "إذا تكلمنا عن سعي الوزارة إلى الحفاظ على الحرم المدرسي فتفعيل دور الأسرة له من الأهمية بمكان، بحيث يكون التكامل عنواناً يطبع المشهد العلاجي، وجرى من خلاله إشراك الأولياء فوراً بإبلاغهم وطرح المشكلة واقتراح سبل تنفيذ الحلول، وهذا التكامل يعزز الرقابة المشتركة بين البيت والمدرسة".

وتابع "مما يجب التذكير به في خضم هذه الإجراءات اعتماد الخصوصية، وفرض ضوابط السرية التامة حفاظاً على كرامة التلميذ وعلى مستقبله اجتماعياً، وهذه المرافقة الواعية والمعلومة الخطوات والمخرجات تسهل عملية التكفل النفسي العلاجي، بعيداً من العقاب العشوائي والتوبيخ الذي يبقى أثره المعنوي طول العمر".

ولدى حديثه عن الأدوار الموزعة بين الأسرة والمدرسة، أشار جعدي إلى أن "دور القائمين على المؤسسات التربوية يبقى كبيراً والتحدي أكبر، تعززه اليقظة والمراقبة ومنع كل أداة أو مواد محظورة تسهم في تفاقم مختلف الآفات، منها الأدوات الحادة والتبغ ومشروبات الطاقة، وملاحظة أية حركات مشبوهة أمام بوابات المدارس أو في الساحة أو الأقسام".

ومن أهم الإجراءات العملية التنظيمية المساعدة في بسط الاستقرار في الحرم المدرسي ومحيطه، أكد المتحدث ضرورة "التنفيذ بسرية واحترافية وبنوع من الذكاء الذي يحمل في طياته الرسائل التربوية العلاجية التي تزرع الإيجابية وتؤسس للمدى الطويل، والتدخل يكون تحت إشراف متخصصين في التربية وعلم النفس بمخرجات غير عقابية، بل مساعدة في عبور أخطار الآفة ومتابعة الإحاطة بحالات المعنيين ومرافقتهم، وسد الفراغ لمنع عودة كل السلبيات السابقة".

آثار صحية ونفسية

من جهته، يقول المتخصص في الصحة العامة محمد كواش إن إجراء الكشف عن تعاطي المخدرات والمؤثرات العقلية لن يشمل جميع التلاميذ، إنما يخص الذين يبدون سلوكيات انفعالية أو عنيفة أو متهورة داخل المؤسسات التربوية.

وأوضح كواش أنه حين ملاحظة سلوكيات غريبة أو عنيفة لدى التلميذ سواء مع زملائه أم مع الأساتذة، سيجري اتخاذ قرار بالتنسيق مع الأجهزة الأمنية ومجلس الأساتذة، من أجل إخضاعه للفحوص المتعلقة بتعاطي المخدرات أو الأقراص المهلوسة، وعلاجه قبل الوصول إلى مرحلة الإدمان.

وأشار إلى أن هذا الإجراء كفيل بردع التلاميذ الذين يقبلون على استهلاك المخدرات، وتجنيب المؤسسات التربوية مظاهر العنف اللفظي والجسدي الممارس على التلاميذ أو على الأساتذة، وأيضاً القضاء على مروجي المخدرات، لأنه في بعض الأحيان يكون المروج تلميذاً، وبذلك يجري تنظيف محيط المؤسسة التربوية من هذه السلوكيات والمظاهر.

وتابع يقول "الأمر مهم كذلك بالنسبة إلى الأجهزة الأمنية لمحاصرة الأشخاص المتعاطين والتعرف على شبكات التوزيع التي قد تنشط داخل المؤسسات التربوية وخارجها"، واصفاً مدمن المخدرات بـ"الشخص المنهار عصبياً ونفسياً والمهدد بالأمراض المختلفة وضعيف المناعة والإرادة".

بخصوص أخطار المخدرات، ذكر كواش أنها تعد بوابة لتدمير الأشخاص والأسر من طرف بعض المنظمات الإجرامية، التي تعمل على نشر المخدرات مجاناً حتى يسهل الحصول عليها، ويترتب عن ذلك مباشرة انتشار الجريمة والسرقة والاعتداءات بأنواعها كافة.

وأكد المتحدث ضرورة منع الوصول المخدر إلى التلاميذ في مختلف الأطوار الدراسية، عبر مرافقة الأبناء والتواصل المستمر معهم، وتعزيز الجانب النفساني وتفادي القلق والتوتر، وتفعيل دور المساجد والإعلام والمرافقة الاجتماعية للمدمنين وإدماجهم في سوق الشغل والعمل التطوعي.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

مقاربة شاملة

وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، شكلت الحكومة لجنة متعددة القطاعات تتولى إعداد خريطة طريق شاملة لتطبيق أحكام المرسوم التنفيذي المتعلق بالكشف عن تعاطي المخدرات والمؤثرات العقلية داخل المؤسسات التربوية والتعليمية والتكوينية.

وبالتوازي مع ذلك، تقرر وضع الرقم الأخضر 1111 تحت تصرف الأسرة والجماعة التربوية للإبلاغ عن حالات أو مظاهر مرتبطة بالمخدرات داخل الوسط التربوي، في إطار تعزيز آليات الرصد والوقاية والتدخل المبكر.

وفي أغسطس (آب) الماضي، ضبطت الشرطة الجزائرية أكثر من 10 ملايين كبسولة من مادة بريغابالين التي تؤثر في العقل، وأكثر من 33 كيلوغراماً من الكوكايين، واعتقلت 25 مشتبهاً بهم على صلة "بشبكة دولية منظمة".

وبحسب الشرطة، نفذت العمليات الأمنية في كل من محافظات وهران وتيزي وزو والجزائر العاصمة والبليدة وتيبازة، بعد تعقب شحنات آتية من جنوب البلاد.

وقالت الشرطة الجزائرية في بيان إن هذه العملية هي الأكبر من نوعها، موضحة أنها كشفت عن "نشاط إجرامي خطر، لشبكة دولية منظمة على مستوى الجهة الغربية للوطن".

في الـ23 من مارس (آذار) الماضي، شدد الرئيس الجزائري عبدالمجيد تبون في اجتماع مجلس الوزراء على ضرورة اعتماد مقاربة شاملة لمحاربة ظاهرة المخدرات، تبدأ بآليات ميدانية لمحاصرة الظاهرة بالتوعية والمتابعة والعلاج، وتنتهي بالردع وتسليط أقصى العقوبات على تجار ومستهلكي المخدرات لحماية الشباب من هذه "الآفة الغريبة".

وقال الرئيس تبون وقتها إن "الجزائر تتعرض إلى حرب غير معلنة ضدها، سلاحها المخدرات بكل أنواعها، تشنها قوى الشر لإضعاف أجيال من الشباب، وكسر سلم القيم الاجتماعية الجزائرية الذي لا تزال بلادنا تقاوم للحفاظ عليه وتتشبث به".

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير