ملخص
لا يقتصر الأثر في غزة على مقدار ما دمر من الحقول، بل يمتد إلى طبيعة ما يجري محوه، فحين تجرف حقول السمسم وتقتلع أشجار اللوز والجميز، لا يتراجع الإنتاج الزراعي فقط، بل تتعرض الذاكرة الزراعية الفلسطينية نفسها للتآكل.
قبل أن تختفي معالم الأرض، كان الوصول إلى كثير من الحقول في قطاع غزة يجري بالذاكرة لا بالإحداثيات، في المواصي كانت أشجار الجميز المعمرة تؤدي دور علامات الطريق الطبيعية بين المزارع.
فيما كان ازدهار اللوز يكسو الأفق في أواخر الشتاء بأزهار بيضاء ووردية في الأراضي الزراعية شمال بيت لاهيا، ليعلن اقتراب الربيع قبل أن تنطق به التقويمات.
وعلى امتداد الحقول الزراعية في جنوب القطاع، كانت مواسم السمسم تتكرر عاماً بعد عام كجزء من دورة زراعية متوارثة، تحفظها ذاكرة المزارعين أكثر مما تحفظها السجلات الرسمية.
لكن بسبب العمليات العسكرية تبدو تلك المساحات كما لو أنها خرجت من عملية محو واسعة، أرض مستوية بلا أشجار مرجعية، وبلا حدود طبيعية، وبلا ملامح تروي ما كان قائماً قبل الحرب.
يقف المزارع محمد الحلبي أمام أرضه التي فقدت أشجار الجميز المعمرة في شمال غزة متأملاً فراغاً لم يعرفه من قبل، ويختصر المشهد بجملة موجعة "كنت أرى هذه الأشجار كل صباح، اليوم لا يوجد ما يدل على أن البستان كان هنا".
لا يتحدث الرجل عن محصول ضاع أو موسم تبخر فحسب، بل عن جزء من حياته الشخصية اختفى مع اختفاء الأشجار التي رافقته لعقود.
تعرض المشهد الزراعي في غزة لعملية تفكيك أعمق طاولت الذاكرة المكانية نفسها، فما يختفي مع اقتلاع شجرة جميز أو تدمير بستان لوز ليس مجرد أصل اقتصادي، وإنما شاهد جغرافي وثقافي ظل حاضراً في حياة السكان جيلاً بعد جيل.
تظهر تقييمات منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو) ومركز الأمم المتحدة للأقمار الاصطناعية (يونوسات) أن الأضرار الناتجة من الحرب أصابت نحو 85 في المئة من الأراضي الزراعية في القطاع.
لكن ما لا تستطيع صور الأقمار الاصطناعية قياسه هو حجم الخسارة غير المرئية، مثل اختفاء الأشجار التي كانت علامات للمكان، وتراجع المحاصيل المحلية التي حملت تاريخاً زراعياً طويلاً، وانقطاع العلاقة اليومية بين الإنسان والأرض.
لا يقتصر الأثر في غزة على مقدار ما دمر من الحقول، بل يمتد إلى طبيعة ما يجري محوه، فحين تجرف حقول السمسم وتقتلع أشجار اللوز والجميز، لا يتراجع الإنتاج الزراعي فقط، بل تتعرض الذاكرة الزراعية الفلسطينية نفسها للتآكل.
غزة التي كانت خضراء
قبل الحرب كانت غزة ساحلاً يعانق حقولاً ممتدة نسجت عبر قرون، وكانت الزراعة بالنسبة إلى الغزيين أسلوب حياة يتنفس من خلاله المجتمع، وليست مجرد قطاع إنتاجي يحسب في الدفاتر الاقتصادية، كما كانت الأراضي الزراعية تغطي نحو 170 كيلومتراً مربعاً، مما يعادل 46 في المئة من مساحة القطاع الإجمالية، متركزة في الشريط الشرقي والشمالي وفي المواصي جنوباً.
تشير بيانات وزارة الزراعة إلى أن القطاع الزراعي كان يسهم بنسبة تقارب 11 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، ويوفر فرص عمل حيوية لأكثر من 33 ألف مزارع بصورة مباشرة، فضلاً عن آلاف العائلات التي تعتاش على سلاسل التوريد والصناعات التراثية المرتبطة به.
منذ عقود، اشتهرت مناطق مثل بيت لاهيا في الشمال ببساتين اللوز، بينما تميزت خان يونس والقرارة بحقول السمسم، وشكلت المواصي البيئة المثالية لأشجار الجميز المعمرة بفضل مياهها الجوفية العذبة وتربتها الرملية.
لم تكن هذه المحاصيل الثلاثة اختياراً عشوائياً، بل شكلت جوهر السيادة الغذائية المستقلة للقطاع، فالجميز الشجرة الكنعانية المعمرة واللوزيات والسمسم، محاصيل امتازت بقدرتها العالية على التكيف مع البيئة الساحلية وتدني حاجتها للسماد الكيماوي أو تقنيات الري المعقدة.
كانت هذه الأشجار تمثل توازناً فطرياً بين جغرافيا غزة وسكانها، فالسمسم يدعم صناعات العصر التراثية كالطحينية، واللوز يؤمن دخلاً موسمياً ويحدد ملامح الشتاء، والجميز يوفر الظل والرطب المجاني للفقراء ويحفظ حدود الأراضي.
يقول مدير دائرة الضغط والمناصرة في اتحاد لجان العمل الزراعي سعد الدين زيادة إن "استهداف الأرض الزراعية في غزة يتجاوز ضرب الأمن الغذائي المباشر، إنه تجريف لمنظومة السيادة الوطنية على الغذاء، وتفكيك لنمط إنتاجي مستدام اعتمدت عليه الأسر لسنوات في مواجهة الحصار".
ارتبطت العائلات الغزية بأرضها عبر طقوس ومواسم تتوارثها الأجيال، إذ كانت الأرض تقسم بناء على الأشجار المعمرة، وتنتقل ملكيتها ورعايتها كأمانة تاريخية.
في شهادة ميدانية، يقول المزارع عبداللطيف أبو دقة (72 سنة) متذكراً مواسم حصاده السابقة، "كنا نعرف مواعيد الفصول من الأشجار أكثر مما نعرفها من التقويم، إذا أزهر اللوز عرفنا أن الشتاء يطوي أوراقه، وإذا نضج الجميز الأشهب عرفنا أن ذروة الصيف قد حلت، لم نكن نقرأ الساعات، بل كنا نقرأ وجه الأرض".
الحرب وأثرها في الأرض
لم تكن مشاهد الدمار في الحقول الزراعية مجرد هامش جانبي للعمليات العسكرية، إذ تظهر التفاصيل الميدانية أن استهداف البساتين تم عبر استخدام الجرافات العسكرية الثقيلة من طراز (D9)، التي تعمدت اقتلاع جذور الأشجار المعمرة من العمق وليس مجرد قطع جذوعها، لضمان عدم قدرتها على النمو مجدداً.
توازى ذلك مع تجريف الطبقة الخصبة الفوقية للتربة وتدمير شبكات الري والآبار الارتوازية التي غطت الحقول لعقود، وفي تقييم تقني لمستوى التدمير، يقول الباحث الزراعي نزار الوحيدي "الضرر المباشر لم يقتصر على قطع المحاصيل القائمة أو خسران الموسم الحالي، بل طاول البنية الحيوية للتربة وشبكات الري والأشجار المعمرة التي يحتاج إعادة بنائها إلى عقود، ما جرى هو تدمير شامل للمورد الطبيعي الأول للغذاء".
وفقاً لبيانات منظمة "الفاو"، فإن أكثر من 80 في المئة من الأراضي الزراعية في القطاع جرفت أو تضررت بالكامل، وبلغت نسبة التدمير في أشجار الفاكهة والبساتين المعمرة مستويات قياسية، خصوصاً في الشريط الشرقي والشمالي الذي يمثل السلة الغذائية لغزة.
ويضاف إلى التجريف المباشر تعذر وصول المزارعين إلى أراضيهم الواقعة ضمن نطاقات التماس والمناطق العازلة، وهي المساحات التي كانت تضم أكبر بساتين اللوز الممتدة وحقول السمسم التراثية.
يقف المزارع حسن أبو طعيمة مشدوهاً أمام ما حل بأرضه التي كانت تزهر لوزاً وسمسماً، فيلخص الفاجعة قائلاً "في ساعات قليلة من مرور الجرافات والدبابات، اختفى بستان احتجنا عشرات السنين لبنائه ورعايته شجرة بشجرة، لم يتركوا شجرة ولا عرق سمسم، أصبحت الأرض زقاقاً من التراب والحجارة وكأننا لم نزرع فيها يوماً".
اللوز... ذاكرة المواسم والتقويم الحي
في السردية الزراعية لقطاع غزة، كانت بساتين اللوز الممتدة في المناطق الشمالية والشرقية تشكل التقويم الطبيعي، الذي يعلن للناس قدوم الربيع وتبدل الفصول قبل أن تنطق به التقويمات الرسمية.
تاريخياً، يعد اللوز الأخضر أولى بشائر الفاكهة التي تنزل إلى الأسواق الغزية مع أواخر فبراير (شباط) ومطلع مارس (آذار) اختفاؤه لم يكن مجرد خسارة لسلعة غذائية، بل طاول طقساً اجتماعياً وشعبياً متجذراً، إذ اعتادت العائلات والأطفال شراءه طازجاً وتنقيعه أو رشه بالملح من باعة البسطات على أطراف الطرقات، كإعلان رمزي بانقضاء قسوة الشتاء واستقبال الدفء.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
شكل اللوز عكازاً اقتصادياً لمئات المزارعين الذين ينتظرون قطافه المبكر لتأمين سيولة مالية سريعة بعد أشهر الشتاء الراكدة، ومع اختفاء أشجار اللوز، تختفي أيضاً إشارات موسمية اعتاد الغزيون قراءتها في الطبيعة منذ أجيال.
يوضح الباحث في التراث الفلسطيني حمزة العقرباوي أن اللوز في الذاكرة الريفية الفلسطينية ليس مجرد شجرة مثمرة، بل هو علامة زمنية ومجتمعية مرتبطة بدورة الحياة الزراعية، وارتبطت به الأمثال الشعبية والأغاني التراثية التي تؤرخ للربيع والمواسم، غيابه أحدث قطيعة بين الناس وبين الإيقاع الزمني الطبيعي لبيئتهم".
في بيت لاهيا شمالي القطاع، إذ كانت بساتين اللوز تغطي مئات الدونمات وتكسو الأفق في نهاية الشتاء بردائها الأبيض والوردي، أتت الآليات العسكرية والقصف على غالب هذه البساتين المعمرة، لتستحيل تلك المساحات الملونة إلى أراض مستوية يجثم عليها التراب والرماد.
يقول يوسف العطار، وهو مزارع وبائع للمحاصيل الموسمية، "كنا ننتظر تفتح زهر اللوز لنعرف أن الأرض أورقت من جديد، غياب اللوز الأخضر من الأسواق والبساتين جعل الفصول تبدو وكأنها فصل واحد ممتد بلا ملامح ولا بشائر".
ويكمل المزارع المسن إبراهيم الشاعر "حين كانت أزهار اللوز تظهر في بستاننا، كنا نعرف أن الشتاء قد انتهى وأن فرج الربيع قريب، لم نكن بحاجة إلى النظر في التقويم، فزهور اللوز كانت ساعتنا ونشرتنا الجوية".
السمسم... ذاكرة المائدة والتراث الغذائي
كانت حقول السمسم الممتدة في جنوب القطاع والمناطق الشرقية هي الوقود الأساس لصناعة عريقة شكلت ملامح المطبخ الغزي، إذ تعد غزة معقلاً تاريخياً لصناعة الطحينة الحمراء، وهي المنتج التراثي الذي يصنع حصراً من بذور السمسم البلدي المحمص بطرق تقليدية في المعاصر القديمة.
توارثت عائلات المزارعين بذرة السمسم، وعمل الفلاحين على تطوير السلالة الوراثية حتى جاء تجريف الحقول وتدمير مخازن البذور التراثية جراء القصف، وهذا لا يعني تفويت موسم واحد فحسب، بل يهدد بانقراض هذه السلالة الوراثية نهائياً.
يوضح الباحث في التراث الغذائي الشعبي حمزة الشوبكي "كثير من الأطعمة التقليدية الغزاوية تحمل في داخلها تاريخ الزراعة المحلية وعبق الأرض، السمسم البلدي ليس مجرد مكون في المطبخ، بل هو الركيز المعرفية والحرفية التي أثثت مائدتنا الشعبية وأعطتها هويتها، اختفاء السمسم من التربة يعني خسران جزء أصيل من تاريخ الطعام والشفاهية الغذائية في غزة".
في حارة الزيتون، إذ تفوح عادة رائحة السمسم المحمص من المعاصر العتيقة، يقف أصحاب الحرفة أمام توقف شريان الإمداد البلدي نتيجة تجريف المساحات الزراعية في الفخاري والقرارة وشرف شرق غزة.
ويقول المزارع وصاحب إحدى المعاصر التقليدية إبراهيم الأغا "الطحينة الحمراء الغزاوية لها سر وراثي يبدأ من بذر السمسم البلدي في الأرض وينتهي بجمر المحمص التراثي، حين نحرم من بذرنا المحلي وتجرف حقولنا، فإننا لا نفقد محصولاً زراعياً فحسب، بل نفقد طعم غزة التاريخي الذي يميزنا عن العالم".
ويضيف المزارع صبحي أبو طعيمة "اختفاء السمسم لا يعني خسارة محصول فقط، بل خسارة سلسلة كاملة من المنتجات والعادات التي نشأنا عليها، كنا ننتظر الحصاد لنوزع البذور على المعاصر ونخزن بذرة العام القادم، اليوم أصبحت الأرض جرداء، وضاعت معها البذرة التي حفظها أجدادنا".
الجميز... ذاكرة المكان وبوصلة الناس
في جغرافية قطاع غزة، كانت أشجار الجميز المعمرة التي يمتد حضورها الضارب في التاريخ الكنعاني لآلاف السنين تشكل الأرشيف الحي لغزة، حين تقتلع شجرة جميز معمرة، فإن ما يسقط ليس جذعاً وإنما معلم لغزة.
تعرف الجميزة محلياً بأنها شجرة الفقراء فثمارها كانت متاحة مجاناً لكل عابر طريق، وعناقيدها المتدلية وفرت مظلة أمان غذائي واجتماعي عبر عقود.
منذ نكبة عام 1948، لعبت ظلال الجميز الشاهقة في مخيمات الشاطئ وجباليا دور الديوان المفتوح والملجأ الأول للاجئين، إذ كانت تعقد تحتها اجتماعات العائلات، وتحكى في ظلها الحكايات الشفهية وتحل النزاعات العشائرية.
إلى جانب قيمتها الاجتماعية، مثلت الجميزة معلماً جغرافياً ثابتاً يستدل به في رسم العناوين وتوصيف الطرقات، وتكمن المعضلة البيئية والهندسية الأكبر في أن تعويض شجرة جميز معمرة يعد أمراً مستحيلاً على المدى القريب، فهذه الأشجار تحتاج إلى ما بين 50 إلى 100 عام لتصل إلى حجمها التاجي الضخم.
يوضح الباحث في التراث الفلسطيني ناصر اللوح "بعض الأشجار المعمرة تقوم بوظيفة الأرشيف الحي للمكان والهوية، فالجميزة في الذاكرة الشعبية الغزية ليست جذعاً وأوراقاً، هي نقطة ارتكاز للذاكرة المكانية والشواهد التاريخية، اقتلاعها هو محو متعمد للعلامات البصرية التي تربط الإنسان بأرضه وتاريخه".
يتذكر المزارع المسن إبراهيم العبادلة شجرة الجميز الضخمة التي كانت تتوسط أرضهم وشهدت على ثلاثة أجيال متتالية من عائلته، يقول "الجميع في المنطقة كان يعرف هذا المكان ويستدل على أرضنا من شجرة الجميز قبل أن يعرفه من اسم العائلة أو الإحداثيات، تحت ظلها استراح أبناء المنطقة، وعلى جذعها حفرنا ذكرياتنا، بعد أن جرفتها الدبابات أقف في مكانها فلا أجد سوى التراب المستوى".
قتل الشجرة مرتين
قتل السمسم واللوز والجميز مرتين في غزة، كانت الثانية بعد الحصار وانقطاع غاز الطهي والموقد، إذ وجد الأهالي والنازحون أنفسهم مجبورين على قطع ما تبقى من أغصان اللوز والجميز الجافة والميتة لاستخدامها كحطب لطهي الطعام والبقاء على قيد الحياة.
في هذه اللحظة جرى تجريد الشجرة من رمزيتها العظيمة، يقول الباحث الزراعي عصام عدوان "اللوز الذي كان ذاكرة موسم الربيع والبشارة تحول جذعه الميت إلى شعلة نار موقتة لغلي الماء، والسمسم الذي كان ذاكرة المائدة والطحينة البلدي اختفت بذوره وصارت أخشاب حقوله وقوداً للصاج، والجميز الذي كان ذاكرة المكان صرعت أغصانه الشاهقة لتبطين أفران الطين في المخيمات".
ويضيف عدوان "اقتلاع الأشجار لا يدمر البيئة الطبيعية ولا يضرب الاقتصاد فحسب، بل يقطع الصلة المباشرة بين المجتمع ومخزونه الرمزي والجامع، الشجرة في التراث الفلسطيني هي حارس الذاكرة الشفهية ومعلم الهوية، وحين تتحول من شاهد تاريخي إلى وقود للاحتراق، فإن الذاكرة الجماعية تفقد إحدى أهم ركائزها المادية".
وفي المقابل، يجيب متحدث الجيش الإسرائيلي إيفي ديفرن على سبب تجريف الأراضي الزراعية والتغييرات الجغرافية بالتأكيد على أن أعمال التجريف العسكري تأتي لمقتضيات أمنية، ولمنع استخدام البساتين والحقول كغطاء للعمليات أو البنية التحتية العسكرية.