ملخص
أدت الهجمات التي شنها المتمردون الحوثيون بدعم من إيران على السفن التجارية إلى تعقيد الخدمات اللوجستية البحرية الدولية بصورة كبيرة، مما رفع تكاليف الشحن وتسبب في تأخيرات.
تنظر روسيا بقلق بالغ إلى تصعيد الموقف في منطقة البحر الأحمر وباب المندب. وترى فيه تهديداً للاستقرار العالمي، الأمر الذي ينطوي على "تصعيد هائل" في جميع أنحاء منطقة الشرق الأوسط، بحسب ما أعلن الكرملين.
ووصف نائب رئيس مجلس الأمن الروسي، الرئيس السابق ديمتري ميدفيديف، مضيق باب المندب بأنه "سلاح نووي حراري" أصبحت إيران تهيمن عليه ويمكنها استخدامه في النزاعات العسكرية، مؤكداً أن إغلاق المضيق سيخلق وضعاً حرجاً، إذ سيعرقل جميع شحنات النفط وغيرها من البضائع.
مبعث قلق روسيا
ورد في بيان للمتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا، أن روسيا قلقة من تزايد التصعيد في الخليج العربي، وأن خطر تعطل الملاحة في مضيق هرمز والبحر الأحمر قد ازداد.
وبدا تصريح المتحدث باسم الرئيس الروسي ديمتري بيسكوف بمثابة جرس إنذار، وهو ما لا يعده الكرملين حادثاً محلياً. فبحسب هذا المسؤول الروسي، خرج الوضع في مضيق باب المندب عن السيطرة.
وقال "العالم بأسره يراقب الوضع. ونحن قلقون، بالطبع، لأن الوضع برمته يزداد زعزعة للاستقرار". وأضاف عبارة نادرة في الخطاب الدبلوماسي "ينطوي هذا كله على تصعيد خطر. في الواقع، يبدو أن الوضع بعيد كل البعد عن السيطرة".
استند هذا التقييم رسمياً إلى أحداث الأيام الأخيرة في اليمن. لا سيما بعد سيطرة المتمردين الحوثيين على جزيرة بريم، وهي شريط ضيق من الأرض عند أضيق نقطة في مضيق باب المندب. ولا تقتصر أهمية جزيرة بريم على موقعها الجغرافي فحسب، بل إنها تتمتع بموقع استراتيجي يُمكنها من السيطرة على مداخل باب المندب من كلا الجانبين. فمن يسيطر على بريم يسيطر فعلياً على شريان حيوي.
يُعد هذا الشريان من أهم شرايين التجارة العالمية. يربط مضيق باب المندب البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي، وينقل النفط والغاز وغيرها من البضائع بين آسيا والشرق الأوسط وأوروبا. وأي خلل فيه يؤثر بصورة مباشر على تكاليف الشحن والتأمين، وبالتالي على أسعار التجزئة من روتردام إلى شنغهاي.
والقلق الروسي نابع من تحول الصراع الذي كان حتى الآن يتركز بصورة أساسية على البر والجو، إلى الممرات البحرية والمضائق التجارية، الأمر الذي من شأنه أن يغير قواعد اللعبة، إذ لا يمكن للطرق البديلة، سواء حول أفريقيا أو عبر خطوط الأنابيب، أن تحل محل هذا الطريق بشكل كامل.
لم يكن بيسكوف يتحدث عن اليمن فحسب، بل كان يتحدث عن تحول المنطقة إلى ساحة تتضارب فيها مصالح عشرات الدول. فهناك إيران التي تدعم الحوثيين، والولايات المتحدة بوجودها العسكري، وإسرائيل التي يمثل البحر الأحمر بوابتها الجنوبية، ومصر التي تخسر عائدات قناة السويس إذا ما تجاوزتها السفن. لذلك قد يتورط أي من هذه الأطراف في الصراع، ومن ثم قد يتحول اشتباك محلي إلى سلسلة من الأحداث.
هذا تحديداً ما يقصده الكرملين عندما يتحدث عن تصعيد هائل. لا يتعلق الأمر بمشاركة روسيا المباشرة في الصراع، بل عدم قدرة الاقتصاد العالمي على تحمل جبهة جديدة، هذه المرة بحرية. فبعد الجائحة، وحروب العقوبات، والأزمة الأوكرانية، وصلت سلاسل التوريد العالمية إلى أقصى حدودها. وقد يؤدي استهداف باب المندب إلى ارتفاع جنوني في أسعار الطاقة والغذاء.
وبينما يبحث الدبلوماسيون عن الكلمات المناسبة، ويبحث العسكريون عن ردود محتملة، يبقى المضيق نقطة يتوقف فيها التوازن الهش على تطور الأحداث مستقبلا. وانطلاقاً من تصريح بيسكوف، يبدو أن خطورة هذا التطور لم تعد خافية على أحد.
دعوة إلى منع التصعيد!
من جانبه، صرح نائب وزير الخارجية الروسي جورجي بوريسينكو، بأن روسيا تدعو الدول المعنية بالوضع في الشرق الأوسط إلى منع مزيد من التصعيد في البحر الأحمر لتجنب أخطار جديدة على الاقتصاد العالمي. ووفقاً له، فإن روسيا تدعو أطراف النزاع في إيران إلى استئناف عملية التفاوض لأن تصعيد الصراع بصورة أكبر قد يؤثر سلباً على التجارة الدولية والاقتصاد العالمي.
وأشار بوريسينكو إلى أن "روسيا تحاول حث جميع الدول المعنية بهذا الوضع على توخي الحذر والنظر في ضرورة حل أي قضايا خلافية على طاولة المفاوضات". وأكد الدبلوماسي "أن التصعيد الذي نشهده في الشرق الأوسط عموماً، وفي البحر الأحمر خصوصاً، يهدد بإلحاق ضرر كبير بالتجارة العالمية، ومن ثم بالاقتصاد العالمي".
ويرجح خبير الصحة والسلامة المهنية جورجي أساتريان، أن يكون الهدوء الحالي مستغلاً من كلا الجانبين كفترة توقف لإعادة ملء مخزونات الذخيرة قبل جولة جديدة من الضربات، لذا من السابق لأوانه الحديث عن وقف إطلاق نار حقيقي. ويضيف المحلل أن "البنتاغون" أوصى الرئيس دونالد ترمب بشن حرب استنزاف لإضعاف إيران اقتصادياً وإثارة انقسام داخلي بين نخبها.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ويعد الخبير أن الهدف من هذه الاستراتيجية إجبار طهران على تقديم تنازلات وفتح مضيق هرمز وعدم استخدام مضيق باب المندب كورقة ضغط. إلا أن ترمب لم يتمكن من إتمام الخطة بسبب نقص الموارد العسكرية، لا سيما الدفاعات الصاروخية.
يتبنى كونستانتين بلوخين موقفاً مماثلاً، مشيراً إلى أن الولايات المتحدة تتبع استراتيجية ذات مرحلتين. فهي تمارس حالياً ضغوطاً على إيران بالمعلومات، موهمة إياها بوقوع هجوم وشيك، لإجبارها على الجلوس إلى طاولة المفاوضات. وإذا فشلت هذه المرحلة، فسيستأنف القصف، إذ تحتاج واشنطن إلى اتفاق سلام يفوق الاتفاق النووي لعام 2015 (خطة العمل الشاملة المشتركة).
وأكدت الخارجية الروسية أن التسوية الدبلوماسية لا تزال الطريقة الأكثر فعالية لمنع مزيد من تصعيد النزاع.
من هم المتضررون من تصعيد الحوثيين؟
يهدد تصعيد الحوثيين والحصار البحري الذي يمكن أن يفرضوه على مضيق باب المندب، بإغلاق ممر لوجستي حيوي آخر في الشرق الأوسط، ألا وهو البحر الأحمر. ويعد هذا المضيق نقطة الدخول الرئيسة، وهو المضيق الذي تسيطر عليه فعلياً حركة "أنصار الله" اليمنية.
قبل الأزمة، كان هذا المسار يمثل ما بين 12 و15 في المئة من الشحن العالمي (أكثر من 22 ألف سفينة سنوياً)، بما في ذلك ما يصل إلى 10 في المئة من تجارة النفط والغاز الطبيعي المسال بحراً.
أما الآن، فقد انخفضت أحجام شحن الحاويات بنحو 80 في المئة، وفقاً لما صرحت به أخصائية العلاقات الدولية أناستاسيا غافريلوفا. وأوضحت أن الالتفاف عبر رأس الرجاء الصالح يُضيف ما بين 10 و14 يوماً إلى مدة الشحن، ويرفع التكاليف بنسبة تتراوح بين 30 و40 في المئة بسبب تكاليف الوقود والتأمين الإضافي.
ونتيجة لذلك، يتكبد القطاع الصناعي خسائر، وتعاني سوق المواد الغذائية التلف السريع للسلع والتأخير والتضخم، كما أكدت الخبيرة.
أوروبا تستورد النفط من منتجي الشرق الأوسط عبر قناة السويس منذ أن فرض الاتحاد الأوروبي عقوبات على روسيا على خلفية الصراع في أوكرانيا. ووفقاً لشركة بيانات الشحن "فورتيكسا"، فإن الاضطرابات في البحر الأحمر قد تزيد من الوقت الذي تستغرقه ناقلات النفط عادة لنقل النفط على طول الطرق العالمية الرئيسة، بما في ذلك طرق الهند، أوروبا والشرق الأوسط، أوروبا، بنسبة تتراوح بين 58 و129 في المئة.
ولا يمكن أن يكون التوقيت أسوأ من ذلك، وبخاصة مع حلول فصل الشتاء في أوروبا واحتمالية أن تؤثر انقطاعات التيار الكهربائي بصورة مباشرة على الأسر.
ويُعد هذا الطريق حيوياً لإيصال الغذاء والمساعدات الإنسانية إلى الشرق الأوسط وأفريقيا. ويعتمد السودان وإريتريا والصومال بصورة خاصة اعتماداً كبيراً على شحنات الحبوب المنقولة بحراً.
وفي هذا الجزء من القارة، تتوقع الأمم المتحدة بالفعل تفاقم المجاعة. كما يواجه الأردن، الذي يقع ميناؤه الرئيس الوحيد، العقبة، على البحر الأحمر، مشكلات مماثلة. وتضطر هذه البلدان حالياً إلى استخدام طرق برية معقدة لاستيراد البضائع من آسيا، مما يؤدي إلى ارتفاع حاد في أسعار الغذاء والسلع الأساسية.
علاوة على ذلك، يُعد مضيق باب المندب الشريان الرئيس لنقل البضائع المصنعة والمواد الغذائية والمواد الخام بين آسيا وأوروبا. وسيؤثر انخفاض استخدامه بصورة أساسية على موانئ إيطاليا واليونان (ترييستي، جنوة، بيرايوس)، التي تُهدد بفقدان مكانتها كمراكز أوروبية رئيسة للبضائع المقبلة من آسيا.
هل تستفيد روسيا من إغلاق المضيق؟
تأثر الوضع في البحر الأحمر بشدة جراء استئناف الحوثيين للحرب في منتصف يوليو (تموز) الماضي بحجج واهية، لكن بدعم قوي من إيران، فواجهت التجارة العالمية تحدياً جديداً وخطراً يتعلق بتصاعد الوضع السياسي في البحر الأحمر.
وأدت الهجمات التي شنها المتمردون الحوثيون بدعم من إيران على السفن التجارية إلى تعقيد الخدمات اللوجستية البحرية الدولية بصورة كبيرة، مما رفع تكاليف الشحن وتسبب في تأخيرات.
ويجري التركيز بصورة خاصة على استكشاف خيارات لتجاوز البحر الأحمر، الذي يُعد شرياناً حيوياً للتجارة العالمية. وتشمل الخيارات قيد الدراسة مسارات عبر رأس الرجاء الصالح، وزيادة دور شحنات الترانزيت عبر روسيا. ولا تؤثر هذه التغييرات على هيكل الخدمات اللوجستية العالمية فحسب، بل تفتح أيضاً آفاقاً جديدة لتطوير ممرات نقل دولية بديلة، وتحسين وتنويع التدفقات التجارية.
واستجابة لأزمة البحر الأحمر والحاجة إلى إيجاد طرق آمنة وفعالة للشحن الدولي، من المحتمل أن يزداد عبور الحاويات عبر روسيا بصورة ملحوظة. وقد يصبح هذا خياراً مربحاً لشركات الشحن التي تسعى إلى تقليل الأخطار وتقليص الوقت الضائع نتيجة تجنب المناطق الخطرة. كون روسيا تتيح توصيل البضائع بشكل أسرع من آسيا إلى أوروبا وبالعكس، مع ضمان مستوى عالٍ من سلامة النقل.
لا تقتصر مزايا طريق النقل الروسي على الموقع الجغرافي المتميز للبلاد، الذي يُسهل الرحلات القصيرة بين المراكز الاقتصادية الرئيسة في أوروبا وآسيا، بل تشمل أيضاً بنيتها التحتية المتطورة للسكك الحديدية.
تمتلك روسيا واحدة من أطول شبكات السكك الحديدية في العالم، مما يضمن حركة البضائع بكفاءة ومن دون انقطاع في جميع أنحاء البلاد. علاوة على ذلك، يُسهم التطوير المكثف لممرات النقل وتحديث البنية التحتية للموانئ في زيادة الطاقة الاستيعابية وتحسين جودة الخدمات اللوجستية.
ومن المرجح أن يؤدي التعاون مع الصين في إطار مبادرة الحزام والطريق، والتحسين المستقبلي المحتمل للعلاقات التجارية مع أوروبا، إلى زيادة الاهتمام بإمكانيات النقل البحري بصورة ملحوظة. وهذا لا يسمح فقط بتنويع التدفقات التجارية، بل أيضاً بتعزيز الروابط الاقتصادية بين المناطق، بما في ذلك النقل البحري من الصين إلى روسيا، أو عبر روسيا إلى الدول الأوروبية.
ويُشكل هذا الاضطراب ضغطاً على اقتصادات عديد من الدول، بما فيها فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة، مما يُجبر الشركات على البحث عن مسارات بديلة لضمان استمرارية سلاسل التوريد.
تحييد روسيا والصين
وصرح الحوثيون بأن أفعالهم ليست موجهة ضد روسيا والصين، لأنهم يعدون هاتين الدولتين صديقتين، ومع ذلك، فإن الوضع العام في المنطقة يُقيم في موسكو على أنه حرج وخطر على الاقتصاد العالمي.
وقال "نعد روسيا والصين دولتين صديقتين. ونسعى جاهدين إلى تطوير العلاقات معهما، لذا لا داعي إلى أن يخشى أحد على سفنه من التعرض للهجوم في منطقة البحر الأحمر". وأشار إلى أنه منذ التصعيد في البحر الأحمر في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023، وسط الحرب في قطاع غزة، لم يقم الحوثيون إلا بعمليات ضد سفن مرتبطة بإسرائيل والولايات المتحدة والمملكة المتحدة.
وفي الوقت ذاته، أقر ممثل الحركة بأن وقف إطلاق النار مع الولايات المتحدة، الذي تم التوصل إليه في مايو 2025 بوساطة عمان، سينهار إذا دخلت واشنطن الصراع. وأضاف "إذا تدخلت الولايات المتحدة في الصراع ضد اليمن، فسيكون ذلك بمثابة انتهاك لوقف إطلاق النار بيننا وبين واشنطن".
إغلاق باب المندب؟
سيجد مستوردو النفط الآسيويون أنفسهم في قلب الأزمة. فهم المشترون الرئيسون للنفط الخام السعودي، الذي كان يُنقل تقليدياً عبر باب المندب. في عام 2024، صدرت المملكة العربية السعودية نفطاً خاماً بقيمة 187 مليار دولار، وكان أكبر مستورديها الصين (25.6 في المئة من الصادرات)، وكوريا الجنوبية (15.8 في المئة)، واليابان (15.4 في المئة)، والهند (10.5 في المئة)
وبحسب حسابات شركة "كيبلر"، يمر ما يقارب 6 ملايين برميل من النفط الخام يومياً عبر مضيق باب المندب إلى آسيا، ثلثاها من السعودية، والباقي نفط روسي، يُنقل معظمه بحراً. وتُعد الهند الدولة الأكثر عرضة للخطر، إذ يمر أكثر من نصف وارداتها من النفط الخام عبر المضيق، كما يمر ما يقارب نصف شحناتها من دول الخليج العربي عبر مضيق هرمز. وهكذا، تواجه الهند خطراً مزدوجاً.
تشمل الدول الأخرى التي تستورد كميات كبيرة عبر مضيق باب المندب باكستان والفيلبين وكوريا الجنوبية واليابان وتايوان والصين. بالنسبة لهذه الدول، لا يعني إغلاق المضيق ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين فحسب، بل يعني أيضاً نقصاً محتملاً في النفط الخام اللازم للتكرير، مما يؤدي إلى ارتفاع أسعار الوقود والسلع الصناعية محلياً.