Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الأنفاق العسكرية: نقل المعارك إلى أعماق الأرض

يعد مجمع "جبل شايان" في الولايات المتحدة واحداً من أشهر المجمعات العسكرية المحصنة في العالم

مجمع "جبل شايان" (الصورة تخضع لحقوق الملكية الفكرية - مواقع التواصل الاجتماعي)

ملخص

استخدمت الجيوش منذ القدم أساليب الحفر وتقويض التربة لزعزعة استقرار التحصينات، وكان بإمكان المهاجمين الحفر باتجاه الجدار وإضعاف أساساته والتسبب في انهيار جزء من القلعة. واستخدمت الجيوش الرومانية والفارسية والبيزنطية وجيوش العصور الوسطى أساليب متنوعة للعمليات تحت الأرض وتقنيات مضادة للألغام والأنفاق.

تعد الأنفاق العسكرية من أكثر أشكال الهندسة العسكرية ديمومة، إذ تطور الغرض منها من مجرد وسيلة للاقتراب سراً من حصون العدو، إلى حماية مراكز القيادة والطائرات والصواريخ والجنود والأسلحة الاستراتيجية من أنظمة المراقبة الحديثة والضربات الدقيقة.

وعبر الزمن، لجأت الجيوش والقوات غير الحكومية لبناء الأنفاق بهدف مواجهة التفوق الجوي للعدو وأسلحته المتطورة، فما أهميتها، ومتى ظهر مفهومها في الحروب، ومن يمتلك أكثر الأنفاق العسكرية تحصيناً في العالم؟

ما أهميتها؟

تكمن الميزة الأساس للأنفاق العسكرية في أنها تحول الأرض نفسها إلى درع واقٍ، وبذلك يمكنها أن توفر الحماية من الغارات الجوية والقصف المدفعي، وإخفاء المداخل وحجب الأنشطة عن عمليات الاستطلاع الجوي، وضمان استمرارية هياكل القيادة، إذ يمكن لمراكز الاتصالات والقيادة مواصلة عملها حتى بعد تعرض المنشآت السطحية للهجوم.

وشَيدت بعض الدول أنفاقاً ضخمة تحت الأرض لإيواء الطائرات ومنشآت لتخزين الصواريخ، وكذلك توفير الدعم اللوجيستي، إذ يمكن للأنفاق الربط بين مستودعات الذخيرة وورش العمل وثكنات الجنود، ومراكز القيادة وطرق النقل.

وهناك طبعاً الحرب غير المتكافئة، إذ يمكن للقوة الأضعف استخدام الأنفاق لتعويض تفوق الخصم في مجالات الطائرات والمدفعية وأنظمة المراقبة والطائرات المسيرة. وعليه، فقد تطورت حرب الأنفاق الحديثة لتشمل فئتين مختلفتين تماماً، وهما المنشآت العسكرية الحكومية الضخمة والمحصنة، وشبكات الأنفاق التكتيكية الواسعة التي تستخدم في حروب العصابات.

تاريخ الأنفاق العسكرية

استخدمت الجيوش منذ القدم أساليب الحفر وتقويض التربة لزعزعة استقرار التحصينات، وكان بإمكان المهاجمين الحفر باتجاه الجدار وإضعاف أساساته والتسبب في انهيار جزء من القلعة. واستخدمت الجيوش الرومانية والفارسية والبيزنطية وجيوش العصور الوسطى أساليب متنوعة للعمليات تحت الأرض وتقنيات مضادة للألغام والأنفاق.

وأحدثت الأنظمة الدفاعية الضخمة في الحرب العالمية الأولى تحولاً جذرياً في طبيعة الحرب تحت الأرض، ففي معركة "تلة ميسينز" ببلجيكا عام 1917، حفرت القوات البريطانية أنفاقاً بلغ طولها الإجمالي نحو 8 كيلومترات تحت المواقع الألمانية، وزرعت كميات هائلة من المتفجرات تحت الأرض، وكانت الانفجارات الناجمة عن ذلك من بين أكبر الانفجارات التقليدية التي شهدتها الحرب.

واكتسبت المنشآت تحت الأرض في الحرب العالمية الثانية أهمية متزايدة، نظراً إلى أن الطائرات جعلت البنية التحتية العسكرية السطحية عرضة بشدة للتدمير، فعلى سبيل المثال نقلت ألمانيا أجزاء من عمليات إنتاج صواريخ "فاو-2" إلى منشآت تحت الأرض قرب مدينة نوردهاوزن. وكانت فرنسا طورت بالفعل نظاماً دفاعياً استثنائياً تحت الأرض تمثل في "خط ماجينو"، الذي شُيد معظمه في الفترة ما بين عامي 1929 و1939، وشملت تحصيناته ثكنات تحت الأرض ومخازن للذخيرة وأنفاقاً، وسككاً حديدية ضيقة المسار.

 

وقدمت فيتنام المثال الأشهر لحرب الأنفاق في سياق حرب العصابات، وبدأت هذه الشبكة خلال الصراع ضد القوات الاستعمارية الفرنسية، وتوسعت بصورة هائلة أثناء حرب فيتنام بين عامي 1955 و1975. وفي ذروتها، امتدت شبكة "كو تشي" الأوسع نطاقاً لمسافة تقارب 250 كيلومتراً، واحتوت على مناطق للمعيشة ومستشفيات وورش عمل ومناطق تخزين، ومرافق للقيادة.

وقد غيَّر العصر النووي الغرض من استخدام الأنفاق، وأصبح السؤال المطروح هو كيف يمكن الحفاظ على استمرارية الحكومة، أو هيكل القيادة العسكرية، أو القدرات الاستراتيجية للأسلحة بعد وقوع هجوم نووي. ونتيجة لذلك، قامت الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي والصين ودول أخرى بإنشاء منشآت قيادة ومراكز اتصالات ومرافق صواريخ وحظائر طائرات محصنة تحت الأرض.

وأصبحت حرب الأنفاق الحديثة متطورة بصورة متزايدة، إذ استثمرت كل من إيران وكوريا الشمالية والصين ودول أخرى بكثافة في البنية التحتية العسكرية تحت الأرض، في حين طورت منظمات غير حكومية شبكات واسعة من الأنفاق.

أكثر الأنفاق تحصيناً في العالم

يعد مجمع "جبل شايان" داخل الولايات المتحدة واحداً من أشهر المجمعات العسكرية المحصنة في العالم، حيث حُفر المجمع داخل كتلة صخرية من الغرانيت بسماكة تبلغ نحو 2000 قدم، ويضم شبكة من الغرف والأنفاق تحت الأرض، وصُمم للحفاظ على قدرات القيادة والسيطرة الحيوية أثناء سيناريوهات الهجوم القصوى.

وتميز "خط ماجينو" في فرنسا بأنه كان نظاماً دفاعياً ضخماً ومترابطاً، شملت أقسامه الموجودة تحت الأرض أماكن لإيواء القوات ومخازن للذخيرة ومرافق للقيادة، وأنظمة للطاقة ومواقع للمدفعية وشبكة سكك حديد تحت الأرض وأنظمة اتصالات، ومثل الخط واحدة من أكثر المحاولات تطوراً في الحقبة التي سبقت العصر النووي لنقل نظام دفاعي كامل إلى باطن الأرض.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويمكن القول إن كوريا الشمالية واحدة من أهم الدول عند مناقشة البنية التحتية العسكرية تحت الأرض كاستراتيجية وطنية، وتعد تضاريسها الجبلية ملائمة بصورة خاصة لعمليات البناء تحت الأرض، فيما تمتلك أيضاً عدداً من المنشآت الجوية تحت الأرض.

من جهتها، طورت الصين واحدة من أكثر البنى التحتية العسكرية تحت الأرض اتساعاً في العالم، ومن الأمثلة التاريخية على ذلك "المشروع 816"، وهو مجمع ضخم تحت الأرض شُيد في مدينة تشونغتشينغ، وقد بلغت مساحة الكهف الاصطناعي الناتج من هذا المشروع نحو 104 آلاف متر مربع، ووُصف بأنه أكبر كهف من صنع الإنسان في العالم. وطورت الصين بنية تحتية واسعة النطاق تحت الأرض مرتبطة بقوات الصواريخ الاستراتيجية.

بدورها، جعلت إيران من الحماية تحت الأرض ركيزة أساس في استراتيجيتها العسكرية، وتشمل منشآتها الموجودة تحت الأرض مرافق لتخزين الصواريخ، وبنية تحتية لإطلاقها، ومرافق للقيادة والسيطرة وأخرى لإنتاج الأسلحة، وبنية تحتية مرتبطة بالبرنامج النووي. وتعد منشأة "فوردو" نموذجاً يجسد مبدأ وضع البنية التحتية ذات الأهمية الاستراتيجية في أعماق الجبال.

ما الذي يجعل النفق العسكري حصيناً؟

لا يوجد عامل واحد يحدد قدرة النفق العسكري على الصمود، إذ قد يجمع المجمع العسكري الجوفي المتطور بين عناصر عدة، ومنها العمق، إذ توفر زيادة كمية الصخور التي تعلو المنشأة حماية أكبر، وإن كانت الطبيعة الجيولوجية تلعب دوراً بالغ الأهمية، إذ يمكن للغرانيت والتكوينات الصخرية الصلبة والمتماسكة أن توفر حماية طبيعية ممتازة، إضافة إلى الهياكل المدعمة، فيمكن استخدام الخرسانة والفولاذ لتدعيم الغرف والممرات الحيوية.

ولا بد للنفق أن يكون بمداخل متعددة، وينبغي ألا تؤدي الأضرار التي تلحق بقسم معين بالضرورة إلى تدمير المنشأة بأكملها، فيما تكمن القيمة العسكرية للنفق في قدرته على البقاء متصلاً بشبكات القيادة، وتعد التهوية عنصراً أساساً للحفاظ على حياة الأفراد وضمان عمل المعدات.

وقد يظل النفق العميق جداً عرضة للخطر الاستراتيجي، إذا كان يحوي مداخل واضحة وتهوية سيئة وطاقة غير كافية، وبنية داخلية ضعيفة وأنظمة احتياطة محدودة. وفي المقابل، قد يكون المرفق الأقل عمقاً داخل صخور شديدة الصلابة والمزود بأنظمة احتياطة متعددة، أكثر قدرة على الصمود.

ساحة المعركة تتجه نحو العالم السفلي

تتزايد أهمية الأنفاق العسكرية بصورة ملحوظة، وحالياً تسهل الأقمار الاصطناعية والطائرات المسيرة وأجهزة الاستشعار الحراري والرادار والذكاء الاصطناعي والأسلحة الدقيقة اكتشاف البنية التحتية العسكرية السطحية ومهاجمتها، بينما توفر المنشآت تحت الأرض وسيلة لكسر سلسلة "الكشف والتحديد والاستهداف والتدمير".

لهذا السبب، تبدي القوى العسكرية الحديثة اهتماماً متزايداً بالحروب تحت الأرض، بينما تستثمر جيوش مثل الولايات المتحدة وإسرائيل بكثافة في تقنيات الكشف عن الشبكات تحت الأرض ورسم خرائطها وتدميرها. وأظهرت الصراعات الأخيرة أن الأنفاق قادرة على تأخير القوات المتفوقة تقنياً وتعقيد بعض جوانب العمليات العسكرية.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير