ملخص
الأسلحة الرئيسة المتبعة في هذا الحصار هي تقييد الصادرات عبر منع الدولة من بيع صادراتها الأكثر قيمة، والحصار المالي كتجميد احتياطات البنك المركزي والأصول السيادية وحسابات الحكومة وحسابات البنوك التجارية، وكذلك القيود المصرفية كمنع البنوك من إرسال المدفوعات الدولية وتسلم العملات الأجنبية وتمويل الواردات وصولاً إلى البنوك المراسلة الدولية، مع الحصار التكنولوجي الذي يمنع الوصول إلى التقنيات المتقدمة كأشباه الموصلات وتكنولوجيا الفضاء والآلات الصناعية ومعدات الطاقة والاتصالات.
العقوبات الاقتصادية صورة من صور الحرب الدبلوماسية القسرية، وتتلخص فكرتها الاستراتيجية في أنه بدلاً من مهاجمة جيش العدو بصورة مباشرة، تُستهدف الموارد الاقتصادية التي تمكن الدولة من العمل. وبذلك، يمكن لأي حكومة أو للمجتمع الدولي محاولة فرض كلف على حكومات أخرى من دون شن غزو عسكري تقليدي.
والأسلحة الرئيسة المتبعة في هذا الحصار هي تقييد الصادرات عبر منع الدولة من بيع صادراتها الأكثر قيمة، والحصار المالي كتجميد احتياطات البنك المركزي والأصول السيادية وحسابات الحكومة وحسابات البنوك التجارية، وكذلك القيود المصرفية كمنع البنوك من إرسال المدفوعات الدولية وتسلم العملات الأجنبية وتمويل الواردات وصولاً إلى البنوك المراسلة الدولية، مع الحصار التكنولوجي الذي يمنع الوصول إلى التقنيات المتقدمة كأشباه الموصلات وتكنولوجيا الفضاء والآلات الصناعية ومعدات الطاقة والاتصالات.
وثمة ما هو أخطر من ذلك وكثر الحديث عنه أخيراً بعد العقوبات الجديدة التي فرضتها الولايات المتحدة على إيران، ألا وهي العقوبات الثانوية، وهي عقوبات بالغة التأثير تُخير فيها الدولة المعاقبة شركات من دول ثالثة بين سوقين، وكل ذلك يعني أن الحصار الاقتصادي له تبعات مدمرة شهدناها بالفعل في العصر الحديث، فما الدول التي تضررت بشدة من الحصار الاقتصادي؟ ولماذا هناك دول تصمد أكثر من غيرها أمام العقوبات؟
دول تسبب فيها الحصار الاقتصادي بأضرار جسيمة
تظهر عدد من الحالات التاريخية مدى قوة العزلة الاقتصادية، فبعد غزو العراق للكويت عام 1990 فرض مجلس الأمن الدولي عقوبات شاملة بموجب القرار 661، قطعت هذه القيود العراق فعلياً عن التجارة الدولية الطبيعية، ولا سيما صادراته النفطية.
وتشير إحدى التقديرات إلى أن الناتج المحلي الإجمالي للعراق بلغ نحو 64.4 مليار دولار عام 1988، مقارنة بنحو 15.4 مليار دولار عام 1997، بينما كانت العواقب الإنسانية وخيمة أيضاً، إذ وجدت الدراسات التي تناولت العراق عام 1991 مستويات مرتفعة للغاية من الفقر والوفيات وسوء التغذية، والتي ارتبطت بانهيار النشاط الاقتصادي في أعقاب الحرب والعقوبات.
وتشكل هايتي حالة أخرى واضحة، ففي أعقاب الانقلاب العسكري عام 1991 فُرضت العقوبات الدولية والحظر التجاري عليها، مما أدى إلى انخفاض الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنحو من 28 إلى 30 في المئة، وارتفاع التضخم بصورة كبيرة، وانهيار الصادرات والواردات وانخفاض الاستثمار من نحو 11 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي إلى نحو اثنين في المئة فحسب.
وتعرضت جمهورية يوغوسلافيا الاتحادية السابقة، وتحديداً صربيا والجبل الأسود، لعقوبات واسعة النطاق من الأمم المتحدة بدءاً من عام 1992، قيدت التجارة والمعاملات المالية والنشاط الاقتصادي الدولي، وأفادت وثائق الأمم المتحدة بانخفاض الناتج الاجتماعي ليوغوسلافيا من نحو 26.6 مليار دولار عام 1990 إلى نحو 10 مليارات دولار بحلول عام 1994.
وتقدم إيران نموذجاً آخر للدول التي تعاني أضراراً اقتصادية جسيمة، إذ اشتدت العقوبات بصورة كبيرة عليها عام 2012، وأفاد صندوق النقد الدولي حينها بانخفاض إنتاج النفط إلى أدنى مستوى له في 20 عاماً، وخسارة العملة نحو 80 في المئة من قيمتها في السوق الموازية، ثم أفاد البنك الدولي لاحقاً بأن العقوبات الأميركية التي أُعيد فرضها عام 2018 أسهمت في ركود اقتصادي كبير آخر، إذ انكمش الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 7.6 في المئة خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2020، بينما انخفض إنتاج قطاع النفط بصورة حادة.
وربما تكون فنزويلا الحالة الأكثر تعقيداً في العصر الحديث، فقد تفاقمت الأزمة الاقتصادية بشدة فيها قبل فرض عقوبات النفط عام 2019، وانخفض إنتاج النفط بصورة حادة بسبب نقص الاستثمار وتدهور البنية التحتية وسوء الإدارة وفقدان الكوادر الماهرة. وتشير بعض الدراسات إلى أن العقوبات المالية أسهمت بصورة كبيرة في تسريع انخفاض إنتاج النفط، وقدرت وجود علاقة بين العقوبات المالية وفقدان ما يقارب 797 ألف برميل يومياً من الإنتاج، على رغم أن حجم هذا الانخفاض وتفسيره السببي لا يزالان محل نقاش.
من جهتها، واجهت كوبا الحصار الأميركي لعقود، وخلص تقييم أجرته موسوعة "أكسفورد" للبحوث هذا العام إلى أن الحصار أضر بمستويات المعيشة في كوبا مقارنة بالبدائل المتاحة، ولكنه وجد أيضاً أن المؤسسات الاقتصادية الداخلية في كوبا كانت مسؤولة عن جزء كبير من أدائها المتدني على المدى الطويل.
لماذا تنجو بعض الدول من الحصار بينما تنهار أخرى؟
هناك عوامل عدة تعطي بعض الدول القدرة على الصمود أكثر من غيرها في مواجهة الحصار الاقتصادي، وأهمها الموارد الطبيعية، إذ تمتلك الدول المنتجة للنفط والغاز والمعادن والغذاء وغيرها من السلع الأساس موارد قيمة للتبادل، وحتى في ظل العقوبات يمكن لصادرات الموارد أن تدر أحياناً عملات أجنبية، كما يعد الاكتفاء الذاتي الغذائي أحد أهم العوامل، إذ يصعب على الدولة القادرة على إنتاج معظم غذائها أن تصاب بالمجاعة الاقتصادية، بينما يؤدي الاعتماد الكبير على استيراد القمح والرز واللحوم والوقود والأسمدة إلى زيادة الهشاشة.
ويمكن للنفط والغاز والفحم والطاقة الكهرومائية والطاقة النووية المحلية أن تعزز القدرة على الصمود بصورة كبيرة، أما الدولة التي تستورد معظم طاقتها فهي أكثر عرضة للخطر، فيما يكون الحصار أقل فاعلية إذا استمرت الدول الأخرى في التجارة مع الدولة المستهدفة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وقد تكون الدول غير الساحلية شديدة التأثر إذا تعاونت الدول المجاورة مع الحصار، بينما تتمتع الدول ذات السواحل الطويلة بفرص أكبر للتجارة البحرية البديلة، لكن الحصار البحري قد يغير هذا الوضع جذرياً، من ناحية ثانية، يمكن للحلفاء الأقوياء توفير الغذاء والوقود والائتمان والتكنولوجيا والحماية العسكرية أو طرق تجارية بديلة، وهذا من شأنه أن يحول الحصار المدمر إلى وضع يمكن الصمود فيه.
إلى ذلك تمنح الاحتياطات الكبيرة من النقد الأجنبي والذهب أو غيرهما من الأصول السائلة الحكومات الوقت الكافي لاستيعاب الصدمة وشراء الواردات الأساس، هذا وتتمتع الدول القادرة على تصنيع الآلات والأدوية وقطع الغيار والإلكترونيات والمدخلات الصناعية محلياً بمرونة أكبر عموماً.
وغالباً ما تنشئ الدول الخاضعة لعقوبات طويلة الأمد شبكات تجارية غير رسمية وسلاسل إمداد بديلة، ويمكن لهذه الشبكات أن تخفف من آثار العقوبات، لكنها نادراً ما تقضي عليها تماماً، وتستطيع الحكومات التي تتمتع بسيطرة قوية على قطاعات البنوك وتوزيع الغذاء والطاقة والصناعات الاستراتيجية، ترشيد الموارد الشحيحة وإعطاء الأولوية للقطاعات الأساس، وهذا من شأنه أن يزيد من القدرة على البقاء مع احتمال فرض كلف باهظة على السكان.
ولا بد لنا أن نذكر عامل الشرعية السياسية والتماسك الاجتماعي، إذ قد يتحمل السكان صعوبات اقتصادية شديدة إذا اعتقدوا أن البلاد تتعرض لهجوم خارجي، وعلى العكس من ذلك، إذا كان الناس لا يثقون بالحكومة بالفعل فمن الممكن أن تتحول الأزمة الاقتصادية بسرعة إلى أزمة سياسية.
لماذا تفشل الحصارات أحياناً في إسقاط الأنظمة؟
قد تصبح بعض الأنظمة أكثر استبداداً تحت وطأة الضغوط الاقتصادية الشديدة، فتقوم بالسيطرة على توزيع الغذاء والوقود، وتقييد حركة رؤوس الأموال، وقمع المعارضة، وإلقاء اللوم على قوى أجنبية محددة، واستغلال النزعة القومية لحشد الدعم، وتوجيه الموارد الشحيحة نحو الجيش والأجهزة الأمنية، وتعزيز سيطرة الدولة على الصناعات الاستراتيجية.
في مثل هذه الظروف، قد يعاني المواطنون العاديون معاناة شديدة بينما تبقى القيادة السياسية في السلطة، ولهذا السبب، قد تنتج العقوبات الاقتصادية أحياناً مفارقة تتلخص بالآتي "سيضعف الاقتصاد بينما يزداد النظام رسوخاً سياسياً".
ما الذي يحدد مصير النظام؟
أخيراً إن كنا نريد أن نعرف مدى اقتراب سقوط نظام معين فقد لا يكون الناتج المحلي الإجمالي هو العامل الأهم، بل مدى وصول الأزمة الاقتصادية إلى النخبة السياسية والأجهزة الأمنية، إذ يكون النظام عرضة للخطر بصورة خاصة عندما تتزامن الأزمة الاقتصادية مع السخط الشعبي وتشرذم النخبة وفقدان ولاء قوات الأمن.
وإذا عانى الشعب، وظل الجيش وأجهزة الاستخبارات والنخب السياسية والفئات الثرية موالين لنظام معين فقد يطول أمد حكمه. في المقابل، إذا تسببت العقوبات في فقدان النفوذ والثروة للمقربين من النظام فقد يبدأون بالبحث عن بديل سياسي.
وهذا ما يدفعنا إلى القول إن الحصار الاقتصادي هو سلاح استنزاف، وليس سلاحاً مضموناً لتغيير الأنظمة، وتعتمد فعاليته على الفرق بين قدرة الدولة على استيعاب الصدمة الاقتصادية وقدرة التحالف المحاصر على مواصلة الضغط لفترة أطول من قدرة الدولة المستهدفة على التكيف، وهذا يفسر أيضاً سبب اختلاف نتائج دولتين خاضعتين لعقوبات متشابهة ظاهرياً، فقد تعاني إحداهما ركوداً ونقصاً في السلع لكنها تتكيف، بينما قد تعاني الأخرى انهيار العملة وشللاً صناعياً وعدم استقرار سياسي.