Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل يكون عام 2028 موعد التغيير بوصول سيدة إلى البيت الأبيض؟

يتساءل المهتمون بالشأن الأميركي هل يمكن أن تفوز واحدة من اللواتي تتردد أسماؤهن أخيراً بالرئاسة؟

يتفق أكثر من نصف الأميركيين على أن النساء يضطررن إلى بذل جهد أكبر من الرجال لإثبات أنفسهن (أ ف ب)

ملخص

لا يعني سقوط هاريس أن أميركا رفضت المرأة، وبالقدر نفسه لا يعني فوز سيدة في انتخابات الرئاسة 2028 أن التحيز الجندري ضد النساء اختفى من الداخل الأميركي.

وفي كل الأحوال، يمكن القول إن طريق سيدة أميركية إلى مقام الرئاسة لا يزال طويلاً ووعراً، لكن بالنظر إلى التقدم التاريخي وزيادة التمثيل والتغيرات الديموغرافية، يبقى احتمال انتخاب رئيسة للولايات المتحدة قائماً.

على عتبات انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، يبرز في الأفق الأميركي تساؤل جديد عن انتخابات الرئاسة المقبلة، بخاصة عن مدى إمكان إقبال الأميركيين على انتخاب امرأة رئيسة للولايات المتحدة.

قبل 10 أعوام، تحديداً في انتخابات الرئاسة 2016، كاد كثر يجزمون بأن هيلاري كلينتون ستصبح أول من يدخل البيت الأبيض رئيسة منتخبة، بعد ثماني سنوات بصفتها زوجة للرئيس الديمقراطي بيل كلينتون، وأربع سنوات وزيرة للخارجية خلال إدارة باراك أوباما الأولى.

خسرت هيلاري، على نحو غير متوقع، أمام رجل الأعمال دونالد ترمب، الآتي من خارج عالم السياسة.

لاحقاً، عام 2024، تكرر الأمر، إذ فضّلت الجماهير الأميركية ترمب مرة جديدة على نائبة الرئيس السابقة الديمقراطية كامالا هاريس، لتضيع فرصة وصول سيدة إلى البيت الأبيض مرتين خلال 10 سنوات.

هل أميركا دولة ذكورية؟ أم أن سياقات القوة والحزم، بما في ذلك الهيمنة والسيطرة، تقتضي قيادة فاعلة من الرجال لا النساء؟

تبدو هناك معضلة بالفعل في الداخل الأميركي. والسؤال كيف تنجح المرأة في دول كثيرة، حتى تلك التي توصف بالنامية، فيما تعجز أميركا عن تحقيق ذلك؟

نظرة سريعة إلى دول آسيوية صاعدة مثل الهند وباكستان وبنغلاديش، تظهر أن نساء وصلن إلى أعلى مراتب الحكم منذ أكثر من نصف قرن، فأسماء مثل أنديرا غاندي وبراتيبها باتيل وبناظير بوتو وخالدة ضياء والشيخة حسينة تُعد أمثلة لنساء لم يقتصر دورهن على تولي المناصب، بل قدمن أيضاً قيادة حاسمة في بلدانهن.

وهنا تتصاعد الأسئلة، لماذا منعت دولة تفتخر بأنها الأكثر تطوراً وقوة نصف سكانها من الوصول إلى قمة السلطة السياسية؟ ولماذا لم تنتخب أية امرأة رئيسة في بلد من أوائل الدول التي منحت المرأة حق الاقتراع؟

وهل السبب الثنائية الأميركية التقليدية؟ أم أن النظام السياسي الأميركي الداخلي يفرض قيوداً غير مباشرة على انتخاب رئيسة للبلاد؟

الدستور الأميركي وحقوق المرأة

الحديث عن وصول المرأة الأميركية إلى سدة الرئاسة يستدعي الغوص في نصوص الدستور الأميركي الذي يحدد ملامح الحكم في الولايات المتحدة.

في الرابع من يونيو (حزيران) عام 1919 أقرّ الكونغرس الأميركي التعديل الـ19، وهو النص القانوني الذي يحظر حرمان المواطنين من حق التصويت بناء على الجنس. وفي الـ26 من أغسطس (آب) 1920 دخل حيز التنفيذ رسمياً بعد إعلانه.

منح التعديل الـ19 نحو 20 مليون سيدة أميركية حق التصويت في كل أنواع الانتخابات، من أصغر منصب محلي إلى مقام الرئاسة الأميركية.

وبحلول عام 1934 وصل الجدل حول إمكان تولي امرأة منصب الرئاسة إلى نقطة شبيهة بما يبدو سائداً اليوم، بحسب الكاتبة الأميركية المستقلة آنا ماري كوكس التي تعيش في تكساس.

كان الحديث يدور حول النساء اللواتي انتُخبن آنذاك لمناصب أخرى. وكما أشارت وكالة "أسوشيتد برس" ضمن تقرير في ذلك العام، فإن منصبي الرئاسة ونائب الرئيس هما المنصبان التنفيذيان الحكوميان الرفيعان الوحيدان اللذان لم تمنحهما الدولة للنساء بعد.

وعام 1945، رأى أحد كتّاب الأعمدة أن هناك فتاة في مكان ما في البلاد "قد تنجح في أن يجري انتخابها رئيسة للولايات المتحدة".

لاحقاً، عام 1949، أظهر استطلاع رأي أجرته مؤسسة "غالوب" حول استعداد النساء للتصويت لامرأة انقساماً في الآراء، إذ أيد 48 في المئة ذلك وعارضه 48 في المئة. ولخص تقرير الاستطلاع الوضع قائلاً إن "انتخاب رئيسة للولايات المتحدة أمر لا مفر منه، تماماً كعودة التنانير القصيرة". وفي العام نفسه قال الرئيس هاري ترومان لمندوبة حركة "فتيات الأمة" إنه بحلول الوقت الذي "نبتعد نحن كبار السن من الساحة... قد تجدن أنفسكن في هذه الوظيفة الشاقة التي أشغلها".

تالياً، عام 1959 كتب جون أف كينيدي أن امرأة ستتولى الرئاسة "خلال هذا الجيل". وعام 1976 رجحت بيتي فورد، السيدة الأميركية الأولى زوجة الرئيس جيرالد فورد، أن يحدث ذلك بحلول عام 1996، أي بعد عقدين. أما لورا بوش، زوجة جورج بوش الابن، فرأت أن مسألة اختيار رئيسة للولايات المتحدة أمر وشيك.

وعلى رغم شيوع كلمة تكاد تكون قرينة لفكرة انتخاب سيدة رئيسة للولايات المتحدة، وهي "قريباً"، فإن هذا القريب لا يأتي، لتظل أميركا بانتظار "غودو" في طبعته النسائية. ويبقى السؤال ما الذي أعاق وصول سيدة إلى المكتب البيضاوي؟

عوائق هيكلية في الأحزاب السياسية

تظهر دراسات اختيار المرشحين أن النساء يواجهن عوائق هيكلية في الأحزاب السياسية الأميركية التي صممت لترشيح فئات معينة من الرجال.

وفي نظام الحزبين الكبيرين، الديمقراطي والجمهوري، الذي يعتمد على مبدأ "الفائز يحصل على كل شيء"، هناك تحيز واضح في الاختيار لمصلحة المرشحين النمطيين الذين يكونون عادة من الرجال.

وفي الولايات المتحدة يهيمن على نظام الانتخابات التمهيدية، المكلف والمستهلك للوقت، منظمون يستفيدون من انخفاض نسبة المشاركة وصغر حجم لجان الاختيار، بخاصة في الانتخابات المبكرة. وفي هذا السياق، تفضل الانتخابات التمهيدية الرجال الذين يتمتعون بميزة تاريخية تتمثل في مظهرهم الذي يشبه الرؤساء، والذين يرجح أن يكونوا قادرين على جمع التبرعات وأن يحظوا بدعم قادة الحزب وأن يكونوا أقل عرضة لازدواجية المعايير في التدقيق، ويعتقد بأن لديهم جاذبية أكبر لدى الناخبين.

وعلى رغم التقدم المحرز في زيادة عدد النساء اللواتي يشغلن مناصب منتخبة، لا يزال الطريق أمام مرشحة محتملة لمنصب الرئيس أصعب مما كان عليه في فترات سابقة.

وفي الطريق إلى البيت الأبيض تواجه المرشحات تاريخياً تدقيقاً أكبر في فرص فوزهن، ويتعرضن لتغطية إعلامية أكثر تدخلاً في ما يتعلق بمظهرهن وشخصياتهن، ويواجهن معايير أعلى للكفاءة والمؤهلات مقارنة بمنافسيهن من الرجال. وفي الوقت نفسه عليهن تقديم صورة نمطية للأنوثة مقبولة اجتماعياً، متوازنة مع القيادة والسلطة.

أمر آخر رصد عام 2016 مع هيلاري كلينتون، وفي 2024 مع كامالا هاريس، إذ بدت اتجاهات الفجوة بين الجنسين غير مشجعة على اختيار مرشحات رئاسيات.

ولم يقدم الحزب الجمهوري حتى الآن أية امرأة لانتخابات الرئاسة، لكن الحزب الديمقراطي فعل ذلك.

وتظهر استطلاعات الرأي أن اتجاهات الفجوة بين الجنسين لا تشجع على اختيار مرشحات رئاسية، وعلى رغم استخدام النوع الاجتماعي كأداة في الحملات الانتخابية، فإن ترشيح امرأة ديمقراطية لم يمنح الحزب دفعة كافية بين الناخبات للفوز بالمنصب.

في المقابل، تقيّد التصورات السائدة حول مكانة المرأة وقدراتها الفردية من توليها مناصب قيادية، فكثيراً ما ينظر إلى المرأة على أنها غير مؤهلة لتولي أعلى منصب في دولة تفتخر بمكانتها كقوة عظمى، ولا سيما استناداً إلى قوتها العسكرية. واستغل دونالد ترمب هذه النقطة لمهاجمة هيلاري كلينتون، مشككاً في قدرتها على التحمل. ولاقى أسلوبه الذكوري خلال الحملة الانتخابية صدى لدى أميركيين يرون أنها تفتقر إلى القوة اللازمة لتكون القائد الأعلى للقوات المسلحة الأميركية. وكما ساد تاريخياً تسليم بسيادة الرجال في الشؤون العسكرية والدبلوماسية، ينظر إلى منصب رئيس الولايات المتحدة بالمثل على أنه مركز للرجولة.

نساء أميركا والحاجز الزجاجي الأكبر

تبدو مسألة الحاجز الزجاجي الأكبر الذي يعوّق المرأة الأميركية من الوصول إلى البيت الأبيض مرتبطة تاريخياً بكثير من الحقائق العميقة لنشأة الجمهورية الأميركية.

ويذكر المؤرخ الأميركي هوارد زين في موسوعته "التاريخ الشعبي للولايات المتحدة الأميركية" أن دور المرأة تأثر في الجمهورية الفتية بالقيم التقليدية والدينية، وكان دورها منزلياً على نحو ملحوظ. كذلك جرى استبعاد النساء بصورة منهجية من المهن الرئيسة والتخصصات الأكاديمية مثل القانون والسياسة والاقتصاد، ومن هنا جاء تعبير "الآباء المؤسسون".

ومع ذلك، قدمت رائدات مثل الناشطة في مجال حقوق المرأة في القرن الـ19 سوزان بي أنتوني، وإليانور روزفلت، السيدة الأولى والدبلوماسية الناشطة خلال أربعينيات القرن الـ20 وأول امرأة سوداء تُنتخب لعضوية الكونغرس في ستينيات القرن الـ20 شيرلي تشيشلوم، إسهامات راسخة على مر السنين. ومنذ انتخاب جانيت رانكين لعضوية مجلس النواب عام 1916، ازداد التمثيل السياسي للمرأة باطّراد.

لكن، وعلى رغم ذلك، لا تتجاوز نسبة النساء في الكونغرس 30 في المئة، وفق ما تنقل ديان بيستروم، المديرة الفخرية لمركز كاري تشابمان للمرأة والسياسة في جامعة ولاية أيوا.

ويسلط كتاب بيستروم "الجنس والسياسة: تغير وجه الحياة المدنية" الذي شاركت في تأليفه ماري كريستين بانورت، الضوء على التأثير الدائم للصور النمطية الجنسانية.

علاوة على ذلك، يتفق أكثر من نصف الأميركيين على أن النساء يضطررن إلى بذل جهد أكبر من الرجال لإثبات أنفسهن، ويقول ما يقارب ثلثي الأميركيين إن انتخاب امرأة رئيسة للولايات المتحدة خلال حياتهم ليس ذا أهمية شخصية بالنسبة إليهم.

وفي مؤلفها تحاول بيستروم تعميق تحليل العوائق التي تقف في طريق انتخاب رئيسة للولايات المتحدة، ومن بينها:

الخلفية السياسية، إذ لا تشكل النساء حالياً سوى 30 في المئة من أعضاء الكونغرس، ويشغلن 13 منصباً فقط من أصل 50 منصباً لحكام الولايات، مما يقلل من فرص النساء في إطلاق حملات انتخابية ذات صدقية.

الصورة العامة، يقول 58 في المئة من الأميركيين إن إظهار العاطفة يضر بفرص النساء الانتخابية، بينما يقول 33 في المئة فقط الشيء ذاته بالنسبة إلى الرجال. كذلك ينظر إلى إنجاب الأطفال الصغار على أنه عائق أمام المرشحات (48 في المئة)، لكنه ليس كذلك بالنسبة إلى المرشحين (7 في المئة).

وسائل الإعلام، تجادل بيستروم بأن المرشحات يواجهن تغطية إعلامية أكثر تحيزاً جنسياً ونمطية من الرجال.

جمع التبرعات، فالحملات الانتخابية مكلفة، وغالباً ما تكون النساء في وضع غير مواتٍ في الوصول إلى شبكات المانحين ولجان العمل السياسي.

الدعم الحزبي، يعني نظام الحزبين أن الدعم الحزبي الرئيس ضروري، وهو أمر فضّل تاريخياً المرشحين الذكور.

الناخبون، حتى عندما تتغلب النساء على هذه العقبات، فإنهن ما زلن يواجهن ناخبين قد لا يكونون مستعدين.

وإضافة إلى كتاب بيستروم، من الممكن أن تكون نساء أميركا أنفسهن جزءاً من المشكلة.

وبالعودة للانتخابات الرئاسية لعام 2024، يتضح أن أحد أسباب ضآلة فرص وصول امرأة إلى سدة الرئاسة هو عدم تصويت عدد كافٍ من النساء لكامالا هاريس.

الرئيسة المقبلة وسيناريوهات الفوز النظرية

يتساءل مراقبو الشأن الأميركي اليوم هل ستنتخب الولايات المتحدة رئيسة للبلاد يوماً ما؟ وإذا كان ذلك ممكناً، فما السيناريوهات التي يمكن أن تفوز من خلالها؟

غالب الظن أن الجواب يقود إلى أربعة مسارات:

أولاً، المسار المعتاد، أي ترشح أميركية ذات برنامج سياسي وتاريخ نضالي، والتصويت لها مباشرة وحصولها على غالبية، وهو سيناريو لم يحدث حتى الآن.

ثانياً، انتخاب نائبة للرئيس، ثم توليها الرئاسة بعد وفاة الرئيس أو استقالته، ثم فوزها بولاية ثانية. وربما كانت كامالا هاريس قريبة من الشق الأول بسبب الحال الصحية للرئيس جو بايدن خلال رئاسته.

ثالثاً، سيناريو "الجثة السياسية"، بمعنى أن أحد الحزبين الكبيرين يجد نفسه غير قادر على التوحد خلف مرشح ذكر، فيلجأ إلى ترشيح امرأة وانتخابها.

رابعاً، الطريق البديل، ويعني مقاومة عامة لتآكل حقوق المرأة تتحد حولها مرشحة. وعلى رغم أن هذا احتمال بعيد، فإن الديمقراطيين، بخاصة، يأملون في تحققه.

وتبرز هذه السيناريوهات العقبات المستمرة، وتختلف باختلاف الأحزاب. فالديمقراطيون، بقاعدتهم الأكثر علمانية وتنوعاً، يواجهون ضغوطاً متضاربة بين مطالب التنوع بين الجنسين والتنوع العرقي، مما قد ينفر شرائح من الطبقة العاملة. ويتعين على المرشحة أن توازن بين التوقعات التقدمية والحاجة إلى برامج معتدلة، مع التعامل في الوقت ذاته مع التدقيق الشديد والمقاومة لنزعتها النسوية، إضافة إلى استمالة الناخبين الذكور من مختلف الخلفيات.

في المقابل، يبدي الجمهوريون دعماً أقل للقيادات النسائية، وتُعد المؤهلات الدينية والقيم المحافظة ذات أهمية قصوى. وبينما تعارض بعض الجماعات الأصولية تولي النساء مناصب السلطة، تقدم جماعات أخرى، ولا سيما من خلال التعليم الديني الخاص وشبكات المانحين، دعماً لهن. ومن المرجح أن تكون المرأة الجمهورية الناجحة امرأة بيضاء في منتصف العمر، من الطبقة المتوسطة العليا، حاصلة على شهادة جامعية، وذات خلفية دينية أصيلة وناجحة مهنياً وناشطة حزبية قوية. وقد تحظى برعاية الرابطة الوطنية للبنادق، ومن شبه المؤكد أنها ستمتلك سلاحاً نارياً وتكون قادرة على استخدامه.

هل هناك مساحة، ولو ظلت بعيدة حالياً من أعين المراقبين السياسيين والمحللين، لاقتراب هذا التحول مع انتخابات الرئاسة في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2028؟

يطرح بعضهم، على استحياء، ما يسمونه "السيناريو الإضافي الوحيد"، وهو الخلافة الأسرية. فماذا نعني بذلك؟

وسط الضجيج الكبير الذي أحدثه ترمب في الداخل الأميركي، تساءلت أصوات من نوعية مؤسس شركة "ستراتفور" للاستخبارات الخاصة جورج فريدمان هل نحن في جمهورية أم ملكية؟

ومن الممكن أن يشير ذلك، لدى بعضهم، إلى أن إيفانكا ترمب قد تكون المرشحة الجمهورية المقبلة، ضمن تصور لسيناريو توريث سياسي بوصفه طريقاً لوصول أول سيدة إلى البيت الأبيض.

على أن الأمر، مهما يكُن، لا يتعلق بالاسم بقدر ما يتعلق بالمواصفات التي تحملها المرشحة المحتملة، فهي المفتاح الحقيقي للبيت الأبيض على جادة بنسلفانيا في قلب واشنطن.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

مرشحة تعيد أميركا لنفسها

مع التشظي الأيديولوجي الذي يسود مناطق واسعة من الولايات المتحدة، وفي قلب انقسامات حزبية ومجتمعية غير مسبوقة على أسس العرق والانتماء العقدي، إضافة إلى اتساع الفوارق بين الأثرياء والفقراء، لم يعُد السؤال هل تستطيع أميركا انتخاب سيدة رئيسة؟ بل بات هل يمكن أن تبرز مرشحة قادرة على جمع الأميركيين حول فكرة مشتركة؟

في السطور السابقة استخدمنا تعبير "الحاجز الزجاجي" الذي قطع الطريق على سيدة أميركية إلى البيت الأبيض، وكانت ضحيته هيلاري كلينتون ثم كامالا هاريس.

واليوم يرى بعضهم أن المرشحتين فتحتا الطريق نحو البيت الأبيض، غير أن دراسات أحدث تشير إلى صورة أكثر تعقيداً. فهناك نحو 16 في المئة من الأميركيين ما زالوا يشعرون بعدم الارتياح تجاه فكرة وجود رئيسة، مما يعني أن التحيز الجندري لا يزال قائماً، وهو تناقض ظاهر مع التعديل الـ19 من الدستور الأميركي.

ومع ذلك، فإن انتخاب ترمب عام 2016 غيّر كثيراً من القواعد غير المكتوبة في الثقافة السياسية الأميركية. ورأت أصوات كثيرة أن الشارع الأميركي اختار حينها رجلاً من خارج المؤسسة السياسية التقليدية، تعبيراً عن اليأس من رموز الحزبين الديمقراطي والجمهوري.

وبالمنطلق نفسه، قد لا يحتاج الناخب الأميركي إلى أن يكون "مؤيداً للمرأة" لكي ينتخب امرأة. ففي حال ظهور مرشحة تتمتع بصورة قوية في الاقتصاد والأمن والسياسة الخارجية، قد يصوت لها الناخبون لأنها الأكثر كفاءة أو الأكثر قدرة على هزيمة الخصم، لا لأنها امرأة.

في هذا السياق قد لا يكون سؤال النوع الاجتماعي هو الحاسم، بل سؤال من يستطيع عبور الولايات المتحدة إلى موقع متقدم في منافسات عالمية شديدة؟ ومن يقود الدولة في أزمنة باتت فيها، وفق تقدير كثر، في مواجهة العالم برمته.

ولا يبدو هذا التحول المجتمعي أمراً هامشياً، وهو يتجلى يوماً بعد آخر، في ظل مخاوف على دولة تتصدر العالم، وتلاحقها هواجس سيناريوهات التفكك.

والخلاصة أنه إذا ظهرت شخصية أميركية قادرة على فهم المتغيرات الجيوسياسية واستيعاب مهددات الأمن القومي، وتتفهم في الوقت ذاته القضايا الخلافية، وفي مقدمتها الهجرة والتركيبة الديموغرافية، وتملك رؤية معمقة للسياسة الخارجية، ولا تغفل تنامي الدين العام الذي بلغ قرابة 40 تريليون دولار، وتخاطب الطبقة العاملة وتستهدف الولايات المتأرجحة، فإن النوع الاجتماعي سيتراجع إلى الخلف، وستكون مرشحة للناخبين بصفتها خياراً سياسياً أولاً.

2028 هل هو موعد التغيير؟

على بعد عامين تقريباً من انتخابات الرئاسة الأميركية المقبلة، يتساءل المهتمون بالشأن الأميركي هل يمكن أن تفوز واحدة من اللواتي تتردد أسماؤهن أخيراً بالرئاسة؟

لا شك في وجود رهان على التغيير الديموغرافي، فالأجيال الشابة تميل إلى تبني آراء أكثر تقدمية، والولايات المتحدة تشهد تنوعاً متزايداً. فمنذ عام 1990 تضاعف عدد السكان غير البيض تقريباً ليصل إلى أكثر من 40 في المئة، بينما انخفضت نسبة البيض غير المنحدرين من أصول إسبانية من 75 في المئة إلى 58 في المئة.

ويمكن للنساء الملوّنات، وهن فئة شديدة الاندماج السياسي، أن يقمن بدور محوري. كذلك فإن عدد النساء في التعليم العالي يفوق عدد الرجال، والناخبون الحاصلون على شهادات جامعية أقل عرضة لتبني آراء متحيزة جنسياً.

عام 2016 فازت هيلاري كلينتون بالتصويت الشعبي بفارق يقارب 3 ملايين صوت، بدعم من تحالف ضم النساء والأشخاص الملوّنين والناخبين الشباب، لكن ذلك لم يكُن كافياً للفوز بأصوات المجمع الانتخابي.

وبحسب دراسات "المركز الأميركي للنساء والسياسة" في "جامعة روتجرز"، فإن نسبة من الأميركيين بعد انتخابات 2024 أصبحت أكثر تشاؤماً حيال إمكان انتخاب امرأة رئيسة في حياتهم. في المقابل رأى 58 في المئة من الديمقراطيين خلال استطلاع أُجري العام الماضي أن حملة هاريس جعلت انتخاب امرأة رئيسة احتمالاً أكبر في المستقبل.

وعليه، لا يعني سقوط هاريس أن أميركا رفضت المرأة، وبالقدر نفسه لا يعني فوز سيدة في انتخابات الرئاسة 2028 أن التحيز الجندري ضد النساء اختفى من الداخل الأميركي.

وفي كل الأحوال، يمكن القول إن طريق سيدة أميركية إلى مقام الرئاسة لا يزال طويلاً ووعراً، لكن بالنظر إلى التقدم التاريخي وزيادة التمثيل والتغيرات الديموغرافية، يبقى احتمال انتخاب رئيسة للولايات المتحدة قائماً.

المزيد من تحقيقات ومطولات