Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

سطوة مريرة... الشقراء ومتلازمة الجمال والغباء

تشير دراسات إلى أنه لا يزال ينظر إليهن على أنهن غير أكفاء بالتالي لا يميل المديرون والمسؤولون التنفيذيون إلى ترقيتهن

الصورة النمطية للأنثى الشقراء تحمل توليفة من تحيزات قديمة عمرها قرون (اندبندنت عربية)

ملخص

الصورة النمطية لـ"الشقراء الغبية" التي تحمل توليفة من تحيزات قديمة عمرها قرون، وشخصيات تاريخية "شقراء" تركت بصماتها "النمطية، إضافة إلى صناعة السينما والترفيه في أوائل القرن الـ 20 التي قامت بدور، لا تزال آثاره مستمرة، في تجذير نمطية الأنثى الشقراء، وهي التي تسمى "الشقراء الغبية" تارة، و"الشقراء القنبلة" تارة أخرى.

لماذا لا نسمع عن أول "رئيس أشقر" أو المذيع الأشقر الذي برع في البرامج الحوارية السياسية؟ أو الممثل الأشقر الذي قدم دوراً تاريخياً؟ أو الزوج الأشقر الذي قتل زوجته؟ أو الوزير الأشقر الذي التقى نظيره غير الأشقر؟ أو الصحافي الأشقر الذي كسر الصورة النمطية للرجال الشقر؟

ولو حدث، وجرت إشارة إلى أن السياسي أو المذيع أو الرئيس أو الوزير أو الفنان "أشقر"، فإن شعوراً ما بالتعجب والارتباك والشك يخيّم على المكان. في الوقت نفسه، نادراً ما تتسع العيون وترتفع الحواجب وتفتح الأفواه اندهاشاً وحيرة، حين يشار إلى الأميرة أو الوزيرة أو الصحافية أو الزوجة أو الفنانة أو أنثى ما باعتبارها "شقراء".

وباستثناء التوصيفات القانونية ودواعي مواقع الجرائم والبحث عن مفقود والسرد القصصي، حيث ذكر لون البشرة والشعر يكون مبرراً ومفهوماً ومقبولاً، فإن العالم لا يتوقف عن الإشارة إلى "فلانة الشقراء"، وكأن لون شعرها وبشرتها عامل مؤثر في وظيفتها، أو مسألة تستحق التفكر والتدبر، أو ظاهرة غير متوقعة في سياقها.

رئيسات ورئيسات مجالس وزراء ووزيرات دول، ورئيسات وعميدات جامعات، ونائبات برلمان، ورئيسات مجالس إدارة، وشخصيات عامة في السياسة والأدب والفن، ورياضيات، وغيرهن يجدن أنفسهن مشاراً إليهن بعد ألقابهن ومناصبهن بمسمى "الشقراء"، مما يعيد فتح نافذة "الشقراء" ومستوى ذكائها، بعدما جرى إغلاق باب وصمة عجيبة غريبة مريبة دأبت على ربط الأنثى الشقراء بالثقافة الضحلة ومعدل الذكاء المنخفض.

جمال وغباء

الصورة النمطية لـ"الشقراء الغبية" التي تحمل توليفة من تحيزات قديمة عمرها قرون، وشخصيات تاريخية "شقراء" تركت بصماتها "النمطية، إضافة إلى صناعة السينما والترفيه في أوائل القرن الـ 20 التي قامت بدور، لا تزال آثاره مستمرة، في تجذير نمطية الأنثى الشقراء، وهي التي تسمى "الشقراء الغبية" تارة، و"الشقراء القنبلة" تارة أخرى.

الأولى تحمل تسليماً ضمنياً بأن اللون الأشقر يختزل معايير الجمال، مع إقرار بأن الجمال والذكاء لا يجتمعان. والثانية تقوم على "تشييء" المرأة، فالتركيز مفرط على المظهر الجسدي وارتباطه شرطياً بالجاذبية الجنسية، إضافة إلى التنميط فالجاذبية الجسدية الوحيدة تقوم على صفات وألوان دون غيرها.

عقود طويلة مضت منذ هيمنت الراحلة "الشقراء" مارلين مونرو على حديث الجمال والروعة والأنوثة والجاذبية من بوابة أنها شقراء، وبين "شقراوات" البيت الأبيض باعتبارهن علامة مميزة للفترة الرئاسية الثانية للرئيس دونالد ترمب.

 

وعلى رغم أن مونرو، أشهر الملقبات بـ"الشقراء القنبلة"، ليست شقراء بالطبيعة، بل بالصبغة، فإنها تظل أبرز الوجوه التي تستحضرها الأذهان عندما تذكر كلمة "شقراء". ومونرو عاشت ورحلت في عصر الشقراوات النمطي الذهبي، قبل موجات الصوابية والتصحيح ومحاربة التنميط ورفع آثار "تشييء" النساء، أو في الأقل جهود رفعها.

مخزون بحثي

المخزون البحثي والدراسي المكتوب في دول غربية عدة عن تنميط الشقراوات كبير، وعامر بالأسباب والمعطيات والمتغيرات وعمليات التصحيح القائمة على العلم تارة، وعلى الحقوق تارة أخرى.

تحت عنوان "تنميط لون الشعر واختيار الرؤساء التنفيذيين في بريطانيا" (2008)، نشرت "مجلة السلوك البشري في البيئة الاجتماعية" دراسة أجرتها مارغريت تاكيدا ومارلين هولمز جاء فيها أن الصورة النمطية للون الشعر موثقة بصورة واضحة في النكات والدراسات النفسية، إذ ينظر إلى الشقراوات على أن مزاجهن حاد وعصبيات وذوات مشاعر جامدة حتى إن كنّ أكفاء في عملهن، بعد عقود من مواجهة الصورة النمطية أن الشقراء بالضرورة غير جديرة في العمل، أي عمل.

وطرحت الباحثتان أسئلة عدة حول مدى تأثير هذه الصورة النمطية للنساء الشقراوات في فرص ترقيتهن والتنقل من وظيفة إلى أخرى والوصول إلى المناصب القيادية العليا، ومدى وجود تمييز في الرتب التنظيمية بناء على لون الشعر.

وبعيداً من الدراسة التي ترصد أثر لون الشعر الأشقر في الترقي، أو عدم الترقي في المناصب القيادية، طرحت الدراسة سؤالاً في ما يتعلق بـ"نكتة الشقراء الغبية" الشائعة، مثل "لماذا حدقت الشقراء في علبة عصير البرتقال؟" لتأتي الإجابة "لأن مكتوب عليها تركيز (في إشارة إلى العصير)". وتتساءل الباحثتان، كم مرة يتخيل سامع النكتة أن المقصود رجل أشقر، لا سيدة شقراء؟ (ولا سيما أن كلمة "بلوند" بالإنجليزية تستخدم للذكر والأنثى).

المرأة تسيطر

وتستشهدان ببحث آخر عن نكات "الشقراء الغبية" في عدد من كتب النكات، وبتحليل ما يزيد على 500 نكتة، جاء أن أكثر من 63 في المئة من النكات عن الإناث الشقراوات "الغبيات"، وخمسة في المئة عن الذكور الشقر "الأغبياء". أما النسبة الباقية وهي 32 في المئة، فليست موجهة إلى جنس معين.

وأضافت الدراسة أن الشقراوات عادة ينظر إليهن على أنهن غير أكفاء، بالتالي لا يميل المديرون والمسؤولون التنفيذيون إلى ترقيتهن. أما صاحبات الشعر البني والأسود، فلا غبار على كفاءتهن!

واللافت أن دراسة علمية أجريت عام 2016 أثبتت أن النساء البيضاوات صاحبات الشعر الأشقر لسن غبيات بقياس نسب الذكاء، بل قد يكون هناك ما يثبت أن متوسط ذكائهن أعلى من صاحبات ألوان الشعر الأخرى. أستاذ الاقتصاد في جامعة بوسطن زاي زاغورسكي أشار خلال بحثه المرتكز على نتائج "المسح الوطني الطولي" في أميركا الذي يسأل على مدى أعوام عشرات الأسئلة التي تبدو غريبة لبعضهم مثل الوزن والطول ولون الشعر، كما يقيس مستوى الذكاء، بحسب مقالة نشرها في "ذا كونفرسيشين" عنوانها "هل الشقراوات بالفعل غبيات؟" (2016).

 

وعلى رغم أن زاغورسكي يخلص إلى القول إن إثبات أن الشقراوات لسن غبيات يلقي الضوء على كثير من الأحكام المسبقة الشائعة الأخرى، وكمّ التحيزات والظلم الذي يقع على كثر، فإن النتيجة الأبرز والأكثر إثارة لـ "الدهشة" أن الشقراوات، شأنهن شأن غيرهن، من بينهن بالغات الذكاء ومتوسطات الذكاء ومحدودات الذكاء.

ويبدو أن الجهود التي بذلتها شقراوات العالم على مدى عقود لإثبات قدراتهن وملكاتهن ومواهبهن التي لا تمت بصلة للون الشعر والبشرة، ومعها الدراسات والبحوث والمسوح التي تُجرى لإثبات أن لون الشعر لا علاقة له بمستوى الذكاء، إضافة إلى التغيرات الكثيرة التي طرأت على معتقدات مقاييس الجمال، إذ لم تعُد المرأة الشقراء بالضرورة هي النموذج الوحيد للجمال المثالي، ليست كافية لإنهاء أسطورة الأنثى الشقراء، ونفض غبار الدهشة عن الشقراء التي أصبحت رئيسة أو وزيرة أو عميدة أو متحدثة باسم البيت الأبيض أو مساعدة لرئيس أقوى دولة في العالم.

شقراوات البيت الأبيض

دخول كارولين ليفيت (28 سنة)، أصغر متحدثة باسم البيت الأبيض مع بداية الفترة الرئاسية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب، وخروجها منه قبل أيام، لم يخلُوَا في كثير من التقارير الإعلامية والأحاديث العادية من وصف "الشقراء" الذي يظل يسبق ما يرى بعضهم أنه الأجدر من ناحية الوصف مثل "أصغر متحدثة" أو "اليمينية" أو "من أكبر معتنقي مبدأ ماغا" (لنجعل أميركا عظيمة مجدداً)، أو حتى "الحامل" قبل أن تضع مولودها الثاني قبل أشهر. ويظل نعت "الشقراء" يلازمها وهي تلملم أغراضها من مكتبها في البيت الأبيض.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وبينما تستعد هذه "الشقراء" للرحيل، تفرض "شقراء" أخرى حضورها، ألا وهي مساعدته "الشقراء" ناتالي هارب. "قرب الشابة الشقراء من ترمب ليس أمراً جديداً" و"مساعدة ترمب الشقراء تثير أسئلة أكثر من إجابات" و"نوايا الشقراء الأكثر حضوراً غامضة" و"لماذا يتحدث الجميع عن المساعدة الشقراء الآن؟"، تكاد لا تمر ساعة من دون أن يظهر عنوان ومحتوى وإشارة عن "هارب الشقراء".

وعلى الأرجح، لم تُوجه أسئلة إلى "الشقراوات" من المتحدثات الرسميات أو المساعدات القريبات من الرؤساء أو الرئيسات أو الوزيرات أو المديرات حول شعورهن حين يُشار إليهن بـ"الشقراء"، إلا أن الإصرار الكوني على هذه الإشارة على رغم كل ما أنجزه العالم، ولا سيما في الغرب، من جهود إزالة وصمة الغباء عن الشقراوات، مع توسيع قاعدة مفهوم الجمال، لتشمل الألوان الأخرى، يدفع بعضهم إلى البحث عن تاريخ المكانة الخاصة، سلباً وإيجاباً، للشقراوات.

وعلى رغم عدم وجود مصادر متفق عليها لتفسير وصمة الشقراوات من ناحية الذكاء، وكذلك أفضليتهن في مجال الجمال، فإن أحد الأصول التاريخية الأكثر تداولاً يشير إلى روما القديمة، إذ كان يُشترط على العاملات في تجارة الجنس أن يكنّ صاحبات شعر أشقر، أو تتم صباغته، أو يرتدين شعراً أشقر مستعاراً، بغرض تمييزهن عن بقية النساء.

 

تفسير آخر متداول يرجع فكرة "الشقراء الغبية" إلى الفرنسية الشقراء كاثرين روزالي ديتي خلال القرن الـ 18 التي عرفت بجمالها الباهر، وأنها كانت رفيقة للملوك والنبلاء الأوروبيين، لكنها عرفت أيضاً بأنها كانت تتردد بشدة وتنتظر طويلاً قبل أن تتكلم، حتى إنها أصبحت محور مسرحية ساخرة اسمها "فضول المعرض"، وهي المسرحية التي رسخت فكرة الشقراء الجميلة الغبية.

ثم جاءت أفلام هوليوود منذ العشرينيات وحتى أواخر الستينيات لتروج أفكاراً بصورة متكررة حول الشقراء المستغلة لجمالها لتوقع بالرجال الأغنياء، أو الباحثة عن مصالحها على حساب الآخرين، أو ضحلة المعرفة شديدة الجمال حتى تحوّلت إلى منظومة فكرية مترسخة في الأذهان. كذلك أسهمت وسائل إعلام، ولا سيما ما يعرف بـ"التابلويد" أو الصحافة الصفراء وغيرها من الصحافة الفنية والترفيهية في الربط بين الأنثى الشقراء و"الميزة" الوحيدة لديهن، وهي الجمال.

ويبدو أن الشقراوات يأبين إلا أن يبقين في عين العاصفة، فبعد أعوام من جهود إزالة الوصمة والتأكيد على قدراتهن في السياسة والاقتصاد والمال والأعمال شأنهن شأن غيرهن، يشير بعضهم إلى صلة وثيقة بين صعود تيار اليمين في كثير من دول العالم في الغرب، والعدد المتزايد من السياسيات البارزات الشقراوات، في تلميح إلى العلاقة بين اليمين والقومية البيضاء.

خلاصة القول إن كثراً لا يزالون في مرحلة التركيز على سياسات سيدي الرئيس ونجاحاته وإخفاقاته، حتى لو كان أشقر. أما سيدتي الرئيسة، فيشكل شعرها الأشقر مكوناً رئيساً في سياساتها ونجاحاتها وإخفاقاتها.

اقرأ المزيد

المزيد من تحقيقات ومطولات