وفي الساعة 72... ورقة الحريري سببت صدمة "سلبية"

البنود شيك مصرفي مؤجل الدفع أو بلا رصيد

حلّ اليوم الثالث على وقع "مهلة الـ 72 ساعة" التي طلبها رئيس الحكومة اللبنانية سعد الحريري كفرصة أخيرة لمناقشة "الورقة الاقتصادية الإصلاحية" في جلسة مجلس الوزراء، وتوافد الناس باكراً إلى الساحات العامة في زحلة والبترون وصور وصيدا وطرابلس وكل المناطق اللبنانية بانتظار قرارات هذه الورقة وما سينتج منها من إصلاحات فورية تحمي المواطن من أي ضريبة ثانية تقضم دخله وقوته وحياته.
غير أن إعلان الحريري للبنود لم يكن بقدر التوقعات بل يمكن وصفه بأن "الجبل تمخض فولد فأراً". شكلت بنود الورقة الاقتصادية صدمة للشعب فيما كان يتأمل الأفضل. وهكذا بات الشعب يعاني من أزمة ثقة مع حكّامه لا مخرج منها، إذ بات يرى أن تتغير هذه المنظومة السياسية الحاكمة برمّتها هي السبيل الأوحد للعيش بـ"كرامة وطمأنينة" في بلده.
 

ورقة "العناوين الفضفاضة"

وفي حديث خاص مع الخبير الاقتصادي الدكتور غسّان عبد القادر، قال إن "ما طُرح في قرارات مجلس الوزراء هي عناوين عريضة وبرّاقة ولا تفاصيل ولا خطوات عملية لتنفيذها"، متسائلاً "ماذا تعني كلمة "تجميد الإنفاق الاستثماري غير الضروري" ومن سيحدد ذلك؟ ماذا يعني عدم القيام بأي إنفاق استثماري جديد؟ ما معنى إلغاء ودمج بعض المؤسسات وما الغاية من إلغاء وزارة الإعلام وهل كانت الأخيرة سبب العجز وتدهور الاقتصاد وزيادة الدين العام؟ ماذا نعني بإشراك القطاع الخاص (هل هي خصخصة أو القيام بذلك على طريقة القطاعين العام والخاص)؟ لماذا التطرق لشركة طيران الشرق الأوسط وهي ربما من المؤسسات العامة والوحيدة التي تحقق إيرادات وأرباحاً لا يُستهان بها؟ ما الهدف من العمل على هذه المؤسسات؟ ماذا تعني عملية الإسراع بإطلاق المشاريع العملية المقررة وكيف ستتم؟".
كما يرى أن "معظم بنود الورقة الاقتصادية تتطلب تشريعات تصدر من المجلس النيابي"، واصفاً إياها بـ"شيك مصرفي مؤجل الدفع وشيك من دون رصيد وحتى لو كانت هناك نية وإرادة سياسية لتطبيقها لا تُطبَق إلا بعد عشر سنوات"، معتبراً أن "هذا البيان الوزاري الذي تمت صياغته خلال ساعات معدودة هدفه امتصاص الغضب الشعبي في الشارع".
وعن موضوع العجز، وإقرار موازنة 2020 بمعدل صفر في المئة، يعتبر عبد القادر أنه "بعيد جداً من الواقع والعلم الاقتصادي الصحيح، لأن تخفيض العجز في الموازنة إلى أقل من 9 في المئة تطلب 19 جلسة حكومية فكيف يمكن خفض العجز إلى صفر خلال جلسة واحدة؟"، مشيراً إلى أن "خفض رواتب الوزراء والنواب سيوفر 20 مليار ليرة على خزينة الدولة فقط وهو شيء رمزي جداً"، مستغرباً في الوقت عينه "بند عدم فرض ضرائب مباشرة أو غير مباشرة أو رسوم"، معتبراً أنه "استغباء للناس". أما في ما يتعلق بالمعابر غير الشرعية، استغرب أيضاً عبد القادر "الحل الذي طُرح بوضع ماسح ضوئي لمكافحة التهرب الضريبي"، معتبراً أنه "غير فعّال وغير كافٍ لمكافحة التهرّب الضريبي".
أما العناوين العريضة والفضفاضة بحسب عبد القادر، فهي "تأمين كهرباء في عام 2020، تعزيز الشفافية والحد من الفساد، البدء بمناقشة مشروع القانون لاستعادة الأموال العامة المنهوبة (مناقشته قد تستغرق أشهراً أما تنفيذه فلا يزال غامضاً)، تنفيذ كل الإصلاحات، الطلب من مجلس الإنماء والإعمار تحديد الاعتمادات المطلوبة لتغطية كلفة التمويل المحلي"، معتبراً أنها "جرعات تخدير لامتصاص الغضب الشعبي، وهي مجرد وعود من دون خطوات جدية وعملية وبرنامج زمني واضح، وبذلك تعود الحكومة لتتنصّل من أكثر من 90 في المئة من الوعود الصادرة لتفقد صدقيتها، خصوصاً أن الورقة لم تذكر أرقاماً واضحة في الموازنة العامة".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويرى أن "هذه البنود الاقتصادية هي تأكيد على إفلاس الحكومة واعلان لسقوطها في الشارع"، واعتبر أنه "من المؤكد أن الحكومة فقدت ثقة الشعب وهي لا تزال حاصلة على دعم وثقة الأحزاب الأساسية في البلد من خلال دعم الكتل الموجودة في مجلس النواب. اليوم أثبت اللبنانيون أنهم قالوا كلمتهم من دون الرد أو الالتفات الى أحزاب معيّنة والخضوع لأجنداتها، وهذا يعود إلى ارتفاع منسوب الوعي لدى الشعب اللبناني نتيجة المعاناة المتفاقمة والتراكمات وتردي الوضع الاقتصادي وتراجع القدرة الشرائية وتدهور المستوى الاجتماعي والمعيشي. هؤلاء الناس عاديون وبسطاء وفقراء وسلميون لا ينتمون إلى خلفية عقائدية معينة ولكنهم يطلبون فقط أن يعيشوا بكرامة".


حكومة "الصدمة السلبية"

من جهته، يعتبر رئيس قسم الأبحاث والدراسات في بنك "بيبلوس" الخبير الاقتصادي الدكتور نسيب غبريل أن "هذه الورقة تنضم إلى مجموعة من الأوراق التي سبق وقُدمت، أي أصبح لدينا مجموعة مؤلفة من 6 أو 7 أوراق مقدمة من أحزاب وتيارات ولجنة نيابية"، متسائلاً "ما الفرق بينها وبين الأوراق الأخرى؟ ولماذا هذه بالذات ستُطبق؟ وكيف سيتمكّنون من الوصول إلى 0.6 في المئة عجز بالموازنة في 2020 بعدما أكدوا لنا أن موازنة عام 2019 هي أفضل ما يمكن فعله؟".
ويعتبر غبريل أن "الضرائب والحلول المقدمة اليوم ليست بجديدة"، مشدداً على "ضرورة خفض النفقات بشكل جذري أكثر"، لافتاً إلى أنه "تم التغاضي عن اقتراح إلغاء برنامج الـ UNDP (برنامج الأمم المتحدة الإنمائي) الذي يوجد فيه هدر وتنفيعات سياسية ووزارات أخرى لا طائل لها ولم يقولوا لنا متى سيغلقون المؤسسات العامة غير المجدية وغير المفيدة"، مشيراً إلى أن "هناك آلاف الوظائف الوهمية وعقود الموظفين في القطاع العام التي وصلت إلى 5200 على عكس قانون السلسلة عام 2017 ومن دون علم مجلس الوزراء، كما أنهم لم يخبرونا عن تحفيز الحركة الاقتصادية".
ويرى أنه "قبل الكلام عن 24 ساعة كهرباء، لماذا لا يعطون تراخيص للقطاع الخاص لإنتاج الكهرباء، كما هي اليوم بعض البلديات والمدن والقرى التي أخذت زمام الأمور ولم تنتظر أي مشروع إصلاحي للكهرباء وطبقت خطتها وتعطي كهرباء لمواطنيها بنوعية عالية ومن دون منّة أحد من مؤسسة كهرباء لبنان".
ويوضح أنه "لم يتم تحديد كيفية وقف الهدر والصفقات في هذا الموضوع وليس فقط ضمان 24 ساعة، إضافة إلى تعيين الهيئات الناظمة ونواب وحكام مصرف لبنان الذين لا تستغرق مدة تعيينهم سوى بضع ساعات إذا كانت النية صافية"، مستغرباً "تطبيقها في الوقت القريب"، معتبراً أن "هناك قرارات تُطبَق بشكل فوري إلا أنهم يضعون لهذه المشاريع مهلاً زمنية تأخذ أشهراً وسنوات عدة".
أما عن موضوع الضرائب على المصارف، يؤكد "أهمية تحييد المصارف عن ضرائب جديدة"، معتبراً أنها "تضر بصورة لبنان في الخارج ما يدفع إلى تهريب المستثمرين كما تضرب القطاعات التي تستهدفها الضرائب".
ويرى أن "الحكام مصرّون على ضرب قطاعَي المصارف وشركات التأمين، علماً أنهما يضخان كميات هائلة من السيولة وينعشان السوق"، معتبراً أن "كل هذه الحلول ليست فورية وهناك مهل موضوعة لا تستغرق عدة سنوات، وأن هذه الورقة تشير إلى وجود صدمة سلبية على عودة نغمة الضرائب. بالتالي، تجدد أزمة الثقة بين القطاع الخاص والمواطن اللبناني من جهة والسلطة السياسية من جهة أخرى".


ماذا ينتظر الشارع؟

يذكر أن المجموعات المدنية أصدرت الاثنين بياناً أكدت فيه "بقاءها ومواصلة اعتصاماتها في الشارع"، إلا أن هذا الحراك يحتاج إلى تنظيم أكثر للخروج بثمار واضحة، وأبرز نقاط المطالب المدنية إلى جانب استقالة الحكومة هي تشكيل حكومة تكنوقراط وانتخابات نيابية مبكرة.
وبعد قول الحريري إنه "داعم لحق التعبير والتظاهر"، وهو أمر "مشكور عليه" كما يقول عبد القادر، إلاّ أن "هناك توجهاً لدى قوى المجتمع المدني والناس العاديين ألا يخرجوا من الشارع". ويرى أن "هؤلاء الناس يفتقرون إلى رؤية اقتصادية واجتماعية، ولكن على الرغم من ذلك إلا أن الحراك يعبر عن عفويّة وليس منطلقاً من غاية سياسية خارجية في الحكم".
على أمل أن تكون كل القوى الأمنية وتحديداً الجيش اللبناني قادرة على الإمساك بزمام الأمور ومواصلة أعمالها بالطرق السلمية التي تسهّل للمواطن حقه بإيصال الصوت والتعبير عن وجعه ومعاناته اليومية علها تصل يوماً إلى التغيير المرجو.

المزيد من اقتصاد