ملخص
منذ أعوام قليلة انتشر تريند تشجيع المنتج المحلي المصري بخاصة في مجال الملابس تماشياً مع موجة المقاطعة، وإن كان دعم الصناعة المحلية أمراً محموداً وإيجاباً وكان يضمن جودة معقولة، لا سيما بسبب تقدم مصر في صناعة النسيج، وكذلك سعراً معقولاً مقابل استغلال الماركات الباهظة، ولكن انقلبت الأمور وبات المنتج المصنع محلياً ذا سعر مرتفع مقارنة بنظيره المستورد على رغم عدم وجود جمارك وأعباء استيراد، فما السبب؟
على رغم تصالح المصريين مع فكرة شراء بعض السلع بأثمان باهظة مقارنة بأسعار نظيرتها المطابقة في دول أوروبا مثلاً، حيث يكون الفارق في السعر يتجاوز الضعفين والثلاثة في بعض الأوقات، فإن الأمر مع الملابس يبدو غير منطقي بالنسبة إلى المشتري في أوقات كثيرة، فمن جهة كثير من قطع العلامات التجارية التي تعرف بأنها عالمية وذات انتشار دولي تخرج من مصانع مصرية، نظراً إلى ازدهار صناعة النسيج بشكل عام في البلاد، ومن الجهة الأخرى فإن هناك طفرة في الأعوام الأخيرة في ماركات الملابس المحلية بحسب التعبير المتداول "لوكال براند"، فإذا كان المنتج بكامله مصنّعاً محلياً مئة في المئة فلماذا على المستهلك أن يشتريه بسعر يساوي أو يزيد في أغلب الأوقات على المستورد الذي يقع في نفس مستواه من الجودة بدلاً من أن يكون سعره مخفضاً؟
منذ عشرينيات القرن الماضي بدأت صناعة النسيج المصري خطواتها الراسخة، في حين أن مجال الملابس والأزياء كان متقدماً ومتجذراً في التاريخ منذ الحضارة المصرية القديمة، لكن صورته الحديثة انطلقت مع افتتاح مصانع وطنية في نهاية العشرينيات، إذ عاشت تلك المؤسسات فترات ازدهار وقدمت منتجات ذات جودة عالية وسعر زهيد وساعدت في الاكتفاء الوطني من هذا الجانب، وعلى رغم تقلبات الأوضاع وتضارب القرارات الاقتصادية التي أسهمت في تدهور أحوال عدد من تلك الكيانات، فإن الصناعة نفسها ظلت مستوطنة بأيدي عمال مهرة وخبرات ممتدة منذ عقود طويلة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ولهذا كان من السهل أن تنطلق كثير من العلامات التجارية المحلية سواء تلك المتحققة منذ عقود، أو تلك التي أحدثت طفرة عددية في الأعوام الخمسة الأخيرة تقريباً، إذ حققت سمعة طيبة في مجالات التصميمات والجودة وبعضها كذلك يتوسع دولياً، وأسهمت موجة المقاطعة إبان الحرب الإسرائيلية على غزة في الترويج لكثير من الماركات المحلية في مجالات كثيرة، وكانت على رأسها صناعة الأزياء، لكن في الوقت الذي تتزايد فيه الرغبة في دعم صناعة الملابس الوطنية، التي تنتشر في البلاد بأذواق ترضي كل الشرائح، وأيضاً مستويات جودة من المتوسط وحتى الفاخر، لماذا تطرح المنتجات بأسعار بعيدة كل البعد من فكرة المحلية، فهي تأتي من الداخل بلا أعباء جمركية، ومع ذلك كثيراً ما تعتبر مثيلتها المستوردة خياراً اقتصادياً ذا قيمة عالية وسعر ملائم مقارنة بها، فكيف يكون المنتج محلياً وسعره يكون في متناول المواطن الأوروبي؟
عشوائية التسعير
الأمر بات ملحوظاً تماماً في أوساط الجيل الجديد الذي صنع ترند "اللوكال براند" خلال الأعوام القليلة الأخيرة، وباتت أسماء علامات تجارية بعينها تتمتع بشهرة بل وهوس لديهم أولاً من خلال بعض القطع التي حققت رواجاً، وباتوا يسعون إلى اقتنائها بألوان عدة، وهو أمر محمود للغاية، لكن على رغم عدم حدوث أي تحرك لسعر الدولار منذ عامين ونصف العام على سبيل المثال فقد ارتفعت أسعار تلك القطع بمقدار الضعف في الأقل، وفي حين تسعى الأسر الواعية لدعم هذا التوجه بشراء المنتج الوطني، فإن فكرة الصمود على هذا النهج ستتأثر حتماً بخاصة في حال وجود بديل بالمستوى نفسه وبسعر أقل بمقدار النصف أو الربع، لأن هناك بنوداً أخرى في الموازنة أولى بهذا الفارق.
يقول أستاذ الاقتصاد السياسي، الدكتور سيد خضر، إن صناعة النسيج على مستوى الاهتمام الحكومي كانت شبه انقرضت، لافتاً إلى أنه في الفترة الأخيرة يوجد دعم حكومي واضح لاستعادة المصانع الوطنية، لكن بالطبع لا يزال الطريق طويلاً، لأن كثيراً من تلك المصانع لم تعد صالحة وبحاجة إلى إعادة هيكلة، ويوضح خضر الصورة بالقول "بالمقابل هناك محاولات على مستوى المؤسسات الخاصة بالفعل تنجح في تقديم منتج جيد ويصدر للخارج كمنتج تام وليس مجرد مرحلة في عملية الإنتاج، بخاصة في ما يتعلق بصناعة الأقطان المصرية الناصعة السمعة، كذلك هناك مصانع صغيرة تشبه الورش تعمل بلا خبرة أو كفاءة تنقصها الرقابة والجودة مما يؤثر في سمعة المجال عموماً، فقطاع الملابس شاسع للغاية، لكن أكثر ما يهدده هو أن حتى المنتجات الجيدة التي تباع محلياً تعاني مما يسمى التسعير العشوائي مما يؤثر في سمعتها ووجودها في السوق من الأساس واستمراريتها".
تقلبات سعر الصرف في مصر قد تؤثر بالفعل في إمكان الحفاظ على ثبات أثمان منتجات الملابس وقتاً طويلاً، لكن في الوقت نفسه المستهلك المحلي يدرك جيداً أن هناك أثماناً مبالغاً فيها بصورة غير منطقية، وبصورة تفوق قدرته على الشراء بمجرد أن يقرر الاستمرار في التعامل مع علامة تجارية ما، ويرى أن جودتها تلائم سعرها وتلائم احتياجاته تحدث قفزة سعرية غير متوقعة تجعله يعيد النظر، وهنا تخسر العلامة سمعتها وقاعدتها من المستهلكين ببساطة ليس لأنها تواكب التقلبات الاقتصادية، لكن لشعور المشتري بشبهة استغلال.
هنا يشرح الاقتصادي الأكاديمي سيد خضر قائلاً "بالطبع هذا استغلال بلا أدنى شك، يجب أن يكون هناك رقابة لتصحيح مسار التسعير وإنقاذ صناعة الأزياء المحلية من السمعة التي تطاردها، بخاصة تلك الجيدة التي تتمتع بثقة المستهلك، فالمكسب المعقول والعروض الحقيقية ستُسهم حتماً في زيادة حجم المبيعات، فإدارة التسعير نقطة شديدة الأهمية في تلك المعادلة".
في المقابل لا يلقي أستاذ الاقتصاد الدولي، الدكتور علي الإدريسي، باللوم كله على القائمين على صناعة الملابس في مصر، لكنه ينوه بأن محدودية المبيعات قد تضطر العلامة التجارية إلى رفع سعرها لتعويض الخسائر، بخاصة أن العلامات التجارية الكبيرة ذات الشهرة العالمية تبيع قطعاً مهولة، ولهذا فهي تحقق أرباحاً حتى لو كانت تبيع بسعر أقل من نظيرتها المصرية. ويواصل "ارتفاع سعر بعض المنتجات المحلية لا يعني بالضرورة أن المصنع المصري أكثر كلفة أو أن جودة المنتج المحلي أقل كفاءة، إنما قد يكون انعكاساً لضعف حجم الإنتاج وارتفاع الكلف غير المباشرة وارتفاع هامش الربح المطلوب لتعويض محدودية المبيعات، وهنا تظهر مشكلة أعمق أمام الصناعة المصرية، وهي أن نجاح المقاطعة ودعم المستهلك للمنتج المحلي لا يمكن أن يكونا بديلاً عن بناء نموذج إنتاج قادر على المنافسة السعرية، فالمستهلك قد يكون مستعداً لدفع زيادة سعرية محدودة دعماً للمنتج المصري، لكنه لن يقبل فترة طويلة دفع ضعف السعر لمجرد أن المنتج وطني، خصوصاً في ظل ضغوط التضخم وتراجع القوة الشرائية".
كان رئيس غرفة صناعة الملابس، الدكتور محمد عبدالسلام، قد كشف في تصريحات تلفزيونية أخيراً أن حجم صناعة الملابس في مصر تجاوز التريليون جنيه مصري، أي ما يقارب الـ20 مليار دولار أميركي، لافتاً إلى أن حجم التصدير يقترب من 5 مليارات دولار، ويستهدف الوصول إلى 8 مليارات دولار في الأقل بحلول 2030، وأقر باستيراد كثير من مدخلات الإنتاج من الخارج، ومع ذلك يظل هناك هامش من الأرباح كبير، لكن هل تلك المدخلات المستوردة مثل الأقمشة أو الخيوط أو غيرها، تؤثر إلى هذه الدرجة التي تجعل أسعار قطع الملابس الجيدة المكتوب عليها "صنع في مصر" لصالح علامة تجارية محلية توازي ما يدفعه المشتري في نظيرتها المصنعة المندرجة تحت علامة غير مصرية؟
كلف إضافية
يشير المتخصص الاقتصادي علي الإدريسي إلى أن العامل الرئيس في هذه المعادلة أن هناك فارقاً كبيراً بين صناعة المنتج في مصر وامتلاك العلامة التجارية، فالمصانع التي تعمل لصالح العلامات العالمية تستفيد من اقتصادات الحجم، حيث تنتج كميات ضخمة تسمح بخفض كلفة الوحدة، وتحصل على عقود طويلة الأجل، وتستطيع شراء الخامات بكميات كبيرة وبأسعار أفضل، وتستخدم خطوط إنتاج أكثر كفاءة، بينما تعمل كثير من العلامات المحلية بكميات محدودة، مما يجعل كلفة القطعة الواحدة أعلى، ويتعمق الإدريسي في شرح المشكلة ليصل إلى بند التسويق الذي يتكلف كثيراً أيضاً.
ويضيف "لا تتوقف المشكلة عند كلفة التصنيع، إذ يتحمل البراند المحلي أيضاً كلف التصميم والتسويق والإعلانات والتصوير والتجارة الإلكترونية والإيجارات والمرتبات والنقل والتخزين، فضلاً عن كلفة التمويل ورأس المال العامل، وهي كلف يجري توزيعها على عدد محدود نسبياً من المنتجات، فتنعكس في النهاية على السعر الذي يدفعه المستهلك، كذلك فإن جزءاً من الخامات والأكسسوارات المستخدمة في صناعة الملابس المحلية قد يكون مستورداً، وهو ما يجعل كلفة الإنتاج حسّاسة لسعر الصرف وكلف الاستيراد والشحن. في المقابل تستطيع العلامة العالمية توزيع كلف التصميم والتسويق والبحث والتطوير على ملايين القطع والأسواق المختلفة، وهو ما يمنحها قدرة أكبر على الحفاظ على أسعار تنافسية حتى إذا كان التصنيع نفسه يتم داخل مصر".
بالحديث مع أكثر من تاجر تجزئة أشاروا إلى أنه ليس لهم يد في مسألة التسعير، مشيرين إلى أنهم قد يتعاملون مع المندوبين المختلفين ممن يضعون أسعاراً تزيد مع كل دفعة ملابس تقريباً، لافتين إلى أن التبريرات تأتي دوماً بارتفاع أسعار تشغيل المصانع وأجور الأيدي العاملة والنقل وقود السيارات والكهرباء، وأضاف أحدهم "المصنع الواحد تخرج منه أكثر من علامة تجارية، بينها الجيد والمتوسط والفاخر، وكل له سعره، واللافت أن الفرق بين سعر القطعة من الماركة الشعبية ونظيرتها الغالية يكون الضعف في الأقل على رغم أن القماشة قد لا تختلف، لكن مستوى ’التقفيل‘ الذي يتطلب خطوات أخرى في الإنتاج واستعمال منتجات عالية الجودة في التفاصيل الصغيرة مثل الأزرار، هو الذي يحدث فجوة في شكل المنتج النهائي الظاهر للمستهلك الذي يقرر شراءه أم لا بناء على احتياجاته وموازنته أيضاً".
تصحيح مسار التسعير
حتى الآن ووفقاً لتصريحات عدة لمسؤولين بقطاع الملابس فإن سوق صناعة الأزياء في مصر تغطي احتياجات تقارب التسعين في المئة من السوق المحلية، بتشكيلة متنوعة للأطفال والكبار وتصميمات تلائم الجميع، والأمر أيضاً ينطبق على صناعة الحقائب والأحذية وغيرها، لكن في ظل ارتفاع معدلات التضخم الذي يقلل القدرات الشرائية للمواطن العادي بصورة مستمرة فإن الأمر يشبه الدائرة التي لا يوجد منها مخرج، إذ يشدد الباحث الاقتصادي سيد خضر على أنه ينبغي جذب المواطن الذي لن يصبر كثيراً، وقد يبحث عن شراء المستورد الرخيص للتمتع بجودة معقولة وسعر لا يخرب موازنته.
بينما يرى أستاذ الاقتصاد الدكتور علي الإدريسي أن التحدي الحقيقي أمام البراندات المصرية ليس فقط إنتاج ملابس جيدة، إنما الوصول إلى اقتصادات الحجم، وتطوير سلاسل الإمداد، وزيادة الاعتماد على الخامات المحلية، وتحسين الإنتاجية، وتقليل حلقات التوزيع والبيع، واستخدام التكنولوجيا في التسويق والمخزون، لتصبح العلامات المصرية قادرة على المنافسة، موضحاً "مصر تمتلك القدرة على تصنيع منتجات عالية الجودة لصالح علامات عالمية، لكنها لم تنجح بالقدر الكافي حتى الآن في تحويل هذه القدرة التصنيعية إلى علامات مصرية قوية تستطيع تقديم المنتج نفسه أو ما يماثله للمستهلك المحلي بسعر أكثر تنافسية، ومن هنا فإن دعم المنتج المصري لا ينبغي أن يقوم فقط على مشاعر وطنية أو حملات مقاطعة، إنما على معادلة اقتصادية أكثر استدامة تقوم على جودة مقبولة، وسعر عادل، وإنتاج واسع، وعلامة تجارية قوية لأن المستهلك في النهاية يريد أن يدعم الصناعة المصرية، لكنه يريد في الوقت نفسه أن يشعر بأنه يحصل على قيمة حقيقية مقابل كل جنيه يدفعه".