Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

300 ألف جواز سفر لبناني في المستودعات... أين ذهبت ومن استفاد منها؟

تقرير صحافي تحدث عن تجاوزات في الأعوام الماضية وصلت إلى مستوى مسؤولين واستفاد منها "حزب الله" والأمن العام ينفي

لبنانيات يحملن جواز السفر اللبناني أمام السفارة اللبنانية في الكويت عام 2022 (ا ف ب)

ملخص

تكتسب قضية تزوير جوازات السفر في لبنان حساسية مضاعفة في ظل الحروب المتلاحقة، وانتشار السلاح خارج سلطة الدولة، والأزمات الاقتصادية والاجتماعية، وما أصاب المؤسسات العامة والأمنية والإدارية من ضعف وتراجع في قدرتها على الرقابة

قد تبدأ أخطر الثغرات الأمنية من ورقة تحمل ختم الدولة، فحين تصبح الهوية قابلة للتلاعب، لا يعود السؤال محصوراً بمن دخل البلاد أو غادرها بجواز مشبوه، بل بمن استطاع أن يصبح، على الورق، شخصاً آخر، وأن يتحرك بهذه الصفة أمام أجهزة الدولة وفي المطارات والفنادق وعبر الحدود.

وفي لبنان تكتسب القضية حساسية مضاعفة في ظل الحروب المتلاحقة، وانتشار السلاح خارج سلطة الدولة، والأزمات الاقتصادية والاجتماعية، وما أصاب المؤسسات العامة والأمنية والإدارية من ضعف وتراجع في قدرتها على الرقابة. وفي مثل هذه البيئة لا تبقى الثغرات في منظومة الهوية شأناً إدارياً، بل يمكن أن تتحول إلى مسألة أمنية تتجاوز حدود البلاد.

وهنا يحضر "حزب الله" بقوة إلى واجهة القضية، في ظل شبهات تراكمت على مدى أعوام حول استخدام أشخاص مرتبطين به هويات مستعارة أو وثائق سفر مزورة أو جرى الحصول عليها بطرق احتيالية، سواء لتسهيل الحركة عبر الحدود أو لإخفاء الهوية الحقيقية لأشخاص يرتبط بعضهم، وفق تقارير وتحقيقات، بالحرس الثوري الإيراني. وأعادت الحرب الأخيرة في لبنان طرح هذه الأسئلة بعدما أظهرت ضربات إسرائيلية وجود شخصيات إيرانية داخل البلاد، وسط تساؤلات عن هويات بعضها والصفات التي دخلت بموجبها.

في هذا السياق، نشر موقع "NOW Lebanon" اللبناني تحقيقاً موسعاً بعنوان "جوازات لبنان في الظل: التزوير وشبكات الوكلاء وانهيار الرقابة"، استند إلى مقابلات ووثائق قضائية ومصادر مطلعة وتقارير إقليمية. ويتتبع مزاعم تتعلق بوثائق سفر وهويات وشبكات يشتبه في ارتباطها بـ"حزب الله" والحرس الثوري الإيراني، وتمتد خيوطها، وفق ما أورده، من لبنان إلى أميركا اللاتينية. ويشدد التحقيق نفسه على أن جانباً من هذه الادعاءات يبقى موضع خلاف سياسي ويصعب التحقق منه بصورة مستقلة.

من جواز مزور إلى هوية "قانونية"

أعادت الأعوام الأخيرة، ومعها الحرب بين إسرائيل و"حزب الله" والانتظام الإيراني فيها، تسليط الضوء على استخدام وثائق مزورة أو جرى الحصول عليها بطرق احتيالية من جانب شبكات ومهربين وأشخاص يزعم ارتباطهم بجماعات مسلحة وجهات إقليمية. وزاد سقوط نظام الرئيس السوري بشار الأسد وفرار شخصيات من النظام السابق عبر لبنان من الأسئلة المتعلقة بمدى إحكام الدولة سيطرتها على الحدود ومنظومة التحقق من الهوية.

وكان لبنان بدأ في الأول من أغسطس (آب) 2016 إصدار جوازات السفر البيومترية، في إطار تحديث وثائق السفر وتعزيز القدرة على التحقق من هوية حامليها، لكن الانتقال إلى النظام الجديد لم يؤد إلى سحب جوازات نموذج 2003 غير البيومترية دفعة واحدة، إذ بقيت الوثائق الصادرة سابقاً مستخدمة خلال المرحلة الانتقالية التي بقيت أعواماً طويلة.

ويكتسب نموذج 2003 أهمية خاصة لأنه، خلافاً للجواز البيومتري، لا يرتبط بالضمانات البيومترية الحديثة، وفي مقدمها بصمات الأصابع، مما يجعله أقل تحصيناً أمام محاولات استغلال الهوية.

وهنا تطرح واحدة من أكثر النقاط إثارة للتساؤل، إذ يتحدث عن نحو 300 ألف دفتر جواز سفر من نموذج 2003 غير مستخدم، يزعم أنها بقيت أعواماً في مستودعات تابعة للدولة بدلاً من إتلافها بعد الانتقال إلى النظام البيومتري. وتزامن ذلك مع أزمة جوازات السفر بين عامي 2022 و2023، حين كان اللبنانيون يصطفون أمام مراكز الأمن العام ويواجهون صعوبات كبيرة في الحصول على وثائق سفر جديدة.

ويعيد بقاء هذه الدفاتر طرح أسئلة عن سبب عدم إتلافها، ومن كان يعلم بوجودها، وما إذا جرى إحصاؤها وتتبع مصيرها بصورة كاملة، وهي أسئلة تكتسب أهمية إضافية لأن القضية لا تتعلق، وفق الروايات بصناعة جوازات مزورة فحسب، بل باحتمال إصدار وثائق أصلية بالاستناد إلى سجلات أحوال شخصية غير صحيحة، أو عبر الرشوة والتلاعب بملفات الهوية واستغلال الثغرات الإدارية.

تحقيق سابق لـ"اندبندنت عربية"

وكانت "اندبندنت عربية" قد انفردت مطلع أبريل (نيسان) الماضي بالكشف عن تدقيق أجرته وزارة الخارجية اللبنانية في أرشيف طلبات البطاقات الدبلوماسية الواردة من السفارة الإيرانية خلال الأعوام الثلاثة الماضية، ليتبين أن عدد الدبلوماسيين المسجلين في البعثة بلغ 50 شخصاً بعد استبعاد من غادروا البلاد أو سلموا بطاقاتهم.

وجاء التدقيق في ظل معلومات عن وجود عناصر من الحرس الثوري الإيراني في لبنان يحملون بطاقات دبلوماسية، مما دفع الوزارة إلى مطالبة السفارة الإيرانية بتحديث اللائحة خلال 24 ساعة وتحديد من لا يزال موجوداً ومن غادر، إلا أن السفارة لم تستجب، مما عزز الشكوك حول العدد الفعلي للدبلوماسيين الإيرانيين الموجودين في لبنان.

وتزامن ذلك مع معطيات أمنية لافتة سبقت الحرب الأخيرة، إذ كشفت مصادر أن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي حمل خلال زيارته إلى بيروت في الثامن من يناير (كانون الثاني) الماضي، ضمن الحقيبة الدبلوماسية، عدداً كبيراً من بطاقات تسهيل المرور الدبلوماسية المعروفة بـ"laissez-passer"، بما أثار مزيداً من التساؤلات حول طبيعة حركة أفراد مرتبطين بالبعثة الإيرانية والامتيازات التي كانوا يستخدمونها للتنقل.

مرحلة عباس إبراهيم

وبالعودة إلى التحقيق المنشور قبل ساعات عن جوازات السفر اللبنانية، تعيد التساؤلات المطروحة الملف إلى الفترة التي تبلورت خلالها أزمة جوازات السفر، في عهد المدير العام السابق للأمن العام اللواء عباس إبراهيم، الذي عرف بدوره وسيطاً في ملفات داخلية وإقليمية، وبقنوات اتصاله مع "حزب الله" وأطراف أخرى.

وفيما لا تقدم المعلومات المطروحة دليلاً قاطعاً على تحول الأمن العام في تلك المرحلة إلى أداة حزبية، لكنها تطرح تساؤلات حول مدى قدرة المؤسسة على الحفاظ على استقلال إجراءاتها في ظل النفوذ السياسي والثغرات التي ظهرت في منظومة جوازات السفر.

وتمنح هذه الخلفية أهمية إضافية للقرار الذي اتخذه الأمن العام في الـ25 من يونيو (حزيران) الماضي، عندما أعلن أن جوازات نموذج 2003 غير البيومترية، التي تبدأ أرقامها التسلسلية بالحرفين " "RL، لن تعود صالحة للدخول إلى الأراضي اللبنانية، وحدد الأول من أكتوبر (تشرين الأول) المقبل موعداً لوقف العمل بها أيضاً لمغادرة لبنان. وقد وضع الأمن العام القرار في سياق الانتقال العالمي إلى وثائق السفر البيومترية والمعايير المعتمدة دولياً.

"التزوير" من داخل النظام؟

ينتقل التحقيق إلى ادعاء أكثر حساسية، مفاده بأن بعض التجاوزات المزعومة ربما لم تحدث خارج النظام الرسمي، وإنما من خلال استخدام إجراءاته نفسها. وينقل عن مصدر من داخل المؤسسة الأمنية قوله إن حالات تزوير جوازات السفر التي كشف عنها علناً لا تمثل، بحسب روايته، سوى الجزء الظاهر من القضية، فيما تكمن الشبهة الأخطر في استخدام إجراءات الأمن العام لتسهيل حركة أفراد مرتبطين بـ"حزب الله"، وفي بعض الحالات بالحرس الثوري الإيراني، وتسوية أوضاعهم القانونية.

وبحسب هذه الرواية لا يكون الاحتيال في دفتر الجواز نفسه، بل في المسار الذي أدى إلى إصدار، وهنا تصبح عملية الكشف أكثر تعقيداً، لأن الجواز الناتج من هذه العملية يبقى وثيقة رسمية تحمل ختم الدولة، ويتحدث المصدر عن مسارين رئيسين: الأول يتعلق، وفق مزاعمه، بإصدار جوازات سفر لشخصيات رفيعة المستوى أو عناصر مرتبطة بـ"حزب الله" والحرس الثوري، والثاني بتسوية أوضاع عناصر أجنبية من رتب أدنى، ولا سيما عراقيين ويمنيين، من خلال إقامات طلابية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ثغرة "تجاوز البيومتري"

ويتمحور أحد أبرز ما يطرحه التحقيق حول إجراء يسمى "تجاوز متطلبات القياسات الحيوية"، وهو استثناء يسمح، في ظروف محددة، بتجاوز بعض المتطلبات البيومترية، مثل الحالات التي يتعذر فيها أخذ بصمات الشخص لأسباب جسدية أو طبية، إضافة إلى بعض الملفات الاستثنائية. ويزعم أن هذه الآلية استغلت لمعالجة ملفات لأشخاص مرتبطين بـ"حزب الله" أو الحرس الثوري الإيراني، مما أتاح إصدار جوازات رسمية من دون الخضوع لضمانات التحقق البيومتري المعتادة.

ويورد، استناداً إلى المصدر نفسه، مزاعم عن وجود مسار إداري خاص للملفات الحساسة داخل الأمن العام، كانت تصنف، بحسب الرواية، ضمن فئتين تحملان تسميتي "مدير عام واحد" و"مدير عام اثنين".

ويزعم المصدر أن الأولى كانت مرتبطة بملفات تخص "حزب الله"، فيما ارتبطت الثانية بحركة "أمل". وبحسب الرواية، كانت ملفات الفئة الأولى تحجب عن التدقيق الاعتيادي وتنقل يدوياً إلى مكتب المدير العام للحصول على الموافقة، قبل إحالتها إلى دائرة جوازات السفر ومعالجتها عبر الاستثناء المتعلق بالمتطلبات البيومترية.

وتبقى هذه المعلومات في إطار شهادة المصدر فيما لا يقدم النص المنشور ما يثبتها بصورة مستقلة أو قضائية.

أما المسار الثاني فيتعلق، وفق المصدر، باستخدام الإقامات الطلابية لتسوية أوضاع أجانب داخل لبنان، ولا سيما عراقيين ويمنيين.

ويزعم المصدر أن جامعة سبق أن ارتبط اسمها بفضيحة تزوير شهادات كانت تقدم إلى الأمن العام بصورة دورية قوائم بأشخاص على أنهم طلاب مسجلون لديها، ووصل العدد في بعض الحالات، بحسب الرواية، إلى ما بين 30 و40 اسماً أسبوعياً.

وبحسب الادعاءات، كانت بعض هذه الملفات تحصل على إقامات طلابية من دون المرور بالتدقيق الأمني المعتاد، مما يمنح أصحابها وجوداً قانونياً في لبنان تحت صفة طالب أجنبي ويجعل إقامتهم وحركتهم أقل إثارة للشبهات. ويذهب المصدر أبعد من ذلك، زاعماً أن عدداً من العراقيين واليمنيين الذين قتلوا لاحقاً في لبنان كانوا يحملون إقامات صادرة عبر هذا المسار، وهي رواية لم يقدم دليل مستقل عليها.

سرقة هويات أشخاص لن يسافروا

وإلى جانب هذه المسارات يتم التطرق إلى أشكال أكثر تقليدية من الاحتيال في الهوية، من بينها استغلال سجلات أشخاص في أوضاع اجتماعية هشة، مثل الفقراء أو أشخاص يعانون إعاقات أو مشكلات صحية، أو مواطنين لم يسبق لهم الحصول على جواز بيومتري ولا يرجح سفرهم.

ومن أكثر المزاعم حساسية ما يتعلق باحتمال إعادة استخدام هويات عناصر من "حزب الله" قتلوا خلال الحرب السورية من دون تسجيل وفاتهم رسمياً. وإذا صحت هذه المزاعم فإن القضية تنتقل من تزوير وثيقة إلى استغلال ثغرات في نظام الأحوال الشخصية نفسه، إذ يصبح الشخص متوفى فعلياً لكنه لا يزال "حياً" في سجلات الدولة.

من لبنان إلى أميركا اللاتينية

ولا تتوقف الشبهات عند الحدود اللبنانية، فعلى مدى أعوام تناولت تقارير استخباراتية وتحقيقات صحافية ومؤسسات بحثية غربية روابط مزعومة بين "حزب الله" وشبكات عابرة للحدود تعمل في أميركا اللاتينية، ولا سيما فنزويلا ومنطقة الحدود الثلاثية بين البرازيل والأرجنتين وباراغواي.

وهنا تظهر آلية أكثر تعقيداً من تزوير الجوازات التقليدي، إذ تركز بعض الادعاءات على وثائق هوية وجوازات أصلية صادرة عن الدولة الفنزويلية، لكن يزعم أنها استحصلت من خلال قنوات إدارية فاسدة أو مسيسة أو عبر وسطاء.

وبحسب التقارير التي يستند إليها التحقيق، أتاحت هذه الوثائق لأشخاص مرتبطين بشبكات على صلة بـ"حزب الله" وإيران التنقل وإجراء معاملات مالية بهويات تبدو قانونية، مستفيدين من منظومة أوسع من الوسطاء ومسارات السفر.

ولا يمكن فصل الشبهات المتعلقة بوثائق السفر والهويات عن شبكات "حزب الله" العابرة للحدود التي توسعت على مدى عقود خارج الشرق الأوسط. وكانت "اندبندنت عربية" قد تتبعت في تحقيق سابق نشر في سبتمبر (أيلول) عام 2025 مسارات التمويل واللوجيستيات التابعة للحزب من إيران إلى لبنان مروراً بأفريقيا وأميركا اللاتينية، حيث برزت خصوصاً منطقة "المثلث الحدودي" بين باراغواي والأرجنتين والبرازيل، التي وصفتها تقارير دولية بأنها شكلت منذ أواخر ثمانينيات القرن الماضي مركزاً لجمع الأموال والتسهيل وغسلها لمصلحة نشاطات مرتبطة بالحزب.

وبحسب تلك التقارير، استفادت هذه الشبكات من امتدادات عائلية وتجارية داخل الجاليات اللبنانية، ومن سهولة الحركة عبر الحدود وضعف الرقابة، فيما تنوعت مصادر الأموال بين أعمال تجارية مشروعة وأنشطة غير مشروعة، قبل نقل جزء من العائدات نقداً أو عبر أنظمة تحويل غير رسمية لدعم أنشطة الحزب خارج لبنان. وتكشف هذه البنية أن الامتداد الخارجي للحزب لم يكن مالياً فحسب، بل قام على شبكة من الوسطاء وقنوات التسهيل والحركة واللوجيستيات المنتشرة بين دول عدة، مما يضع ملف وثائق السفر والهويات الذي يثار اليوم ضمن سياق أوسع لشبكات تحتاج بطبيعتها إلى القدرة على التنقل والعمل بعيداً من التدقيق الرسمي.

الأمن العام ينفي

في مقابل هذه المزاعم، أصدرت المديرية العامة للأمن العام بياناً نفت فيه المعلومات المتداولة عن منح جوازات سفر مزورة، مؤكدة أن الادعاءات في هذا الشأن "عارية من الصحة جملة وتفصيلاً".

وأوضحت المديرية أنها أجرت في وقت سابق، بإشراف النيابة العامة التمييزية، تحقيقات أظهرت صدور جوازات سفر استناداً إلى وقائع غير صحيحة، وأن التحقيقات أدت إلى توقيف المتورطين واتخاذ الإجراءات القضائية في حقهم، مشيرة إلى أن بعضهم لا يزال ينفذ الأحكام الصادرة في حقه.

وأكد الأمن العام أنه واصل التحقيق والتدقيق في الملف تحت إشراف النيابة العامة التمييزية، وأنه "لم يتبين لغاية تاريخه وجود أي جواز سفر غير سليم صادر عنها".

بدوره لم يصدر "حزب الله" حتى الساعة أي بيان ينفي من خلاله الاتهامات الواردة في التحقيق المعني.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير