Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

38 نقطة اتصال مع الجوار... تدابير عراقية جديدة لمكافحة المخدرات

67 عملية خارج الحدود... التحول من اعتراض الشحنات إلى مطاردة شبكات التهريب

تمكنت المديرية العامة لشؤون المخدرات والمؤثرات العقلية خلال 3 أعوام من منع دخول أكثر من 16 طناً من المخدرات إلى العراق (وسائل التواصل)

ملخص

انتقال تدريجي في أساليب مكافحة هذه التجارة إلى ملاحقة شبكات التهريب في مساراتها البحرية، والعمل على استهدافها قبل وصول المخدرات إلى الأراضي العراقية.

لم تعد المواجهة العراقية مع تجارة المخدرات تقتصر على ضبط شحنات عند الحدود أو تفكيك أوكار داخل المدن، إذ تكشف عملية أمنية جديدة عن انتقال تدريجي في أساليب مكافحة هذه التجارة إلى ملاحقة شبكات التهريب في مساراتها البحرية، والعمل على استهدافها قبل وصول المخدرات إلى الأراضي العراقية.

وأعلنت وزارة الداخلية العراقية، السبت الماضي، الإطاحة بشبكة دولية تضم ثلاثة متهمين، بينهم أجنبي الجنسية، وضبط 90 كيلوغراماً من مادة الحشيشة المخدرة، فضلاً عن زورقين استخدما في عملية التهريب، وذلك في عمق المياه الإقليمية العراقية.

وتكتسب العملية أهمية خاصة، وفق المعطيات التي أعلنتها الوزارة، لكونها نفذت في البحر وبالتنسيق بين أكثر من مؤسسة أمنية وعسكرية. وقال مدير إعلام المديرية العامة لشؤون المخدرات والمؤثرات العقلية في وزارة الداخلية، العميد عباس البهادلي، إن العملية نفذت بإشراف محكمة التحقيق المركزية في الرصافة، وباشتراك المديرية العامة لشؤون المخدرات ومديرية الاستخبارات العسكرية وقيادة القوات البحرية.

وبحسب الرواية الرسمية، انطلقت المفارز من قاعدة أم قصر البحرية في مهمة استغرقت 16 ساعة ذهاباً وإياباً، بعد مراقبة ورصد استمرا أياماً عدة في المياه الإقليمية العراقية المحاذية لإحدى دول الجوار، قبل الوصول إلى الهدف المحدد والإطاحة بأفراد الشبكة وضبط المخدرات والزوارق.

90 كيلوغراماً في البحر

تكمن دلالة العملية، بحسب محللين، في طبيعة المسار الذي اتخذته الشبكة لنقل المخدرات، فوجود زورقين واستخدام المياه الإقليمية في عملية النقل يكشفان عن محاولة استغلال المسارات البحرية بعيداً من نقاط التفتيش والمعابر البرية التقليدية، وهي مسارات يمكن أن تمنح شبكات التهريب مرونة أكبر في الحركة، خصوصاً عندما تكون الشحنات مرتبطة بشبكات عابرة للحدود.

وبحسب متابعين، تشير العملية كذلك إلى أن نشاط مكافحة المخدرات في العراق بات يعتمد بصورة أكبر على العمل الاستخباراتي والرصد المسبق، بدلاً من انتظار وصول المواد المخدرة إلى المدن أو الأسواق المحلية.

وتقول وزارة الداخلية إن العملية جاءت بعد أيام من المراقبة والرصد، وهو ما يعكس طبيعة مختلفة من العمل الأمني تقوم على جمع المعلومات وتتبع حركة الأشخاص والقوارب وتحديد نقطة الالتقاء قبل تنفيذ المداهمة.

ويشكل هذا تحولاً في أساليب الأجهزة العراقية، لأن الحدود البحرية لا تشبه المعابر البرية من حيث طبيعة المراقبة، كما أن عمليات التهريب في البحر تعتمد عادة على سرعة الحركة وتغيير المسارات والاستفادة من المناطق الأقل حركة.

16 طناً خلال 3 أعوام

العملية الأخيرة تأتي بعد أيام من إعلان وزارة الداخلية أرقاماً كبيرة بشأن حجم المخدرات التي جرى منع دخولها إلى العراق.

ففي 17 يوليو (تموز) الماضي، قال العميد عباس البهادلي إن المديرية العامة لشؤون المخدرات والمؤثرات العقلية تمكنت خلال ثلاثة أعوام من منع دخول أكثر من 16 طناً من المخدرات إلى البلاد.

ووفق البهادلي، فإن المديرية تمتلك 38 نقطة اتصال مع دول الجوار والمنطقة والدول الإقليمية، كذلك نفذت 67 عملية خارج الحدود العراقية، في مؤشر إلى أن عملها لم يعد محصوراً داخل الأراضي العراقية.

وتكشف هذه الأرقام عن محاولة لبناء شبكة تعاون إقليمي واستخباراتي لمواجهة تجارة المخدرات، خصوصاً أن طبيعة هذه الجريمة تجعل التعامل معها داخل الحدود العراقية وحدها غير كافٍ.

فالشحنة التي تصل إلى العراق تكون في كثير من الأحيان نتيجة سلسلة عمليات تبدأ في بلد المنشأ، ثم تنتقل إلى دول عبور، قبل أن تصل إلى المستهلك أو الموزع النهائي. وبالتالي فإن اعتراضها عند الحدود قد يعني أن جزءاً كبيراً من المهمة الأمنية قد فشل في المراحل السابقة.

من هنا تأتي أهمية نقاط الاتصال الدولية والعمليات التي تنفذ خارج العراق، إذ تسمح بتبادل المعلومات بشأن الأشخاص المطلوبين ومسارات التهريب والشحنات المشبوهة والشبكات التي تقف خلفها.

وقال البهادلي إن جهود المديرية انتقلت من مرحلة منع دخول المخدرات إلى تنفيذ عمليات خارج العراق.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

أحكام قضائية مشددة

عملية الضبط هذه سبقتها إجراءات قضائية، إذ أصدر القضاء العراقي حتى يوليو الماضي نحو 400 حكم بالإعدام و1500 حكم بالسجن المؤبد في قضايا مرتبطة بالمخدرات، مقارنة بسبعة أحكام بالإعدام و225 حكماً بالسجن المؤبد منذ عام 2022.

وتعكس هذه الأرقام تشدداً متزايداً في التعامل القضائي مع جرائم المخدرات، لكنها في الوقت ذاته تفتح نقاشاً أوسع حول فعالية الردع القانوني وحدوده.

فالعقوبات المشددة يمكن أن تؤدي دوراً في ردع بعض المتورطين، لكنها لا تكفي وحدها إذا بقيت الشبكات قادرة على تجنيد ناقلين جدد، أو إعادة تنظيم عملياتها بعد توقيف أفراد منها.

من منظور أمني، رأى الخبير الأمني محمد اللامي أن النجاح العملية يقاس بمدى القدرة على تفكيك الشبكة التي تنقلها وتمولها وتوزعها.

وأشار إلى أن العمل الاستخباراتي أصبح عاملاً مركزياً في مكافحة المخدرات. فالرصد الذي استمر أياماً عدة، ثم تحديد الهدف وإرسال قوة بحرية لمسافة تستغرق ساعات، يحتاج إلى معلومات دقيقة وتنسيق بين جهات متعددة. لكن التحدي المقبل سيكون في تحويل هذه العمليات من نجاحات منفردة إلى منظومة مستمرة قادرة على رسم خريطة للشبكات ومساراتها وأموالها، وتصبح المراقبة البحرية أكثر أهمية في بلد يمتلك منفذاً بحرياً محدوداً نسبياً لكنه يقع في منطقة ترتبط بشبكات نقل وتجارية إقليمية واسعة.

وتابع أن تفكيك شبكة واحدة قد يقود إلى معلومات عن شبكات أخرى، لذلك فإن استثمار التحقيقات اللاحقة للقبض على المتهمين لا يقل أهمية عن عملية الضبط نفسها.

بدوره، يرى الخبير في مكافحة الجريمة المنظمة علي حيدر، أنه يمكن النظر إلى ملف المخدرات في العراق على أنه جزء من اقتصاد غير مشروع يتجاوز بيع المواد المخدرة ذاتها.

وأضاف، كل شحنة تحتاج إلى تمويل ونقل وتخزين وتوزيع، وقد ترتبط بعلاقات مالية مع شبكات أخرى تنشط في جرائم مختلفة. لهذا فإن مكافحة المخدرات لا ينبغي أن تتوقف عند مصادرة المواد أو توقيف الأشخاص الموجودين في الميدان.

ورأى حيدر أنه إذا تمكنت السلطات من معرفة من دفع ثمن الشحنة ومن استلم الأموال ومن وفر وسيلة النقل ومن يتولى توزيع المواد بعد دخولها البلاد، فإنها تقترب من تفكيك البنية المالية للشبكة، كذلك التعاون الدولي يصبح ضرورياً في هذه المرحلة، لأن الأموال والشحنات والأشخاص قد يتحركون بين أكثر من دولة، بينما لا تستطيع الأجهزة العراقية الوصول إلى كامل هذه السلسلة بمفردها.

العراق بين سوق عبور وسوق استهلاك

خلال الأعوام الماضية، أصبح ملف المخدرات واحداً من الملفات الأمنية والاجتماعية التي تحظى باهتمام متزايد في العراق.

وتواجه السلطات تحديين متوازيين، منع المخدرات من دخول البلاد ومنع تحول العراق إلى سوق استهلاك أو محطة عبور لشبكات إقليمية.

فمنع الدخول يحتاج إلى مراقبة الحدود والمنافذ والمعلومات الاستخبارية، بينما الحد من الاستهلاك يحتاج إلى أدوات أخرى تشمل الوقاية والعلاج والتوعية ومكافحة التوزيع المحلي.

وبالتالي فإن نجاح الأجهزة الأمنية في ضبط الشحنات يجب أن يرافقه عمل اجتماعي وصحي لمنع اتساع قاعدة المتعاطين.

38 نقطة اتصال و67 عملية خارج الحدود

تظهر أرقام وزارة الداخلية أن العراق يحاول بناء نموذج أكثر انفتاحاً على التعاون الإقليمي.

فوجود 38 نقطة اتصال مع دول الجوار والمنطقة والدول الإقليمية يوفر قناة لتبادل المعلومات، بينما تشير العمليات الـ67 خارج الحدود إلى انتقال التعاون من تبادل البيانات إلى مستوى عملياتي أكثر تعقيداً.

لكن فعالية هذه المنظومة ستبقى مرتبطة بسرعة تبادل المعلومات ودقتها، وقدرة الأجهزة المختلفة على تحويلها إلى عمليات استباقية.

وفي عالم شبكات التهريب، قد تكون ساعات قليلة كافية لنقل شحنة من دولة إلى أخرى، لذلك فإن بطء تبادل المعلومات قد يحول دون اعتراضها.

ما بعد الضبط

تبقى الخطوة الأهم بعد الإعلان عن أي عملية من هذا النوع هي ما ينتج عن التحقيقات.

فالمتهمون الثلاثة الذين أُلقي القبض عليهم، من بينهم أجنبي، قد يحملون معلومات تقود إلى أطراف أخرى في الشبكة، وكذلك فإن الزورقين المضبوطين يمكن أن يوفر فحصهما معلومات عن مسار الرحلة والاتصالات المستخدمة ونقاط التحرك.

تقدم العملية البحرية الأخيرة صورة عن مرحلة جديدة في الحرب العراقية على المخدرات، انتقال من ضبط المواد إلى تعقب طرق وصولها، ومن ملاحقة المتعاطين والموزعين إلى استهداف شبكات التهريب العابرة للحدود.

اقرأ المزيد

المزيد من متابعات