ملخص
يمكن أن يؤدي التنامي المستمر في حجم القوات التابعة للدول المتنافسة، إلى نشوب توترات قد تتطور إلى عنف دولي وإقليمي مسلح، تنشأ عنه محاور صراع تستقطب إليها دول المنطقة، ويتنامى، خلال ذلك، عنف الحركات الوطنية والإرهاب والجرائم البحرية كالقرصنة.
لا تزال منطقة البحر الأحمر أمام مرحلة بالغة الأهمية، في ظل التنافس والصراع بين قوى دولية وإقليمية، وما تشهده من تحولات وتداخل مصالح أمنية واقتصادية وعسكرية، تزامناً مع المتغيرات المتسارعة التي تشهدها منطقتا القرن الأفريقي والشرق الأوسط.
السؤال الذي يمثل أكثر أهمية، إلى أين تقود هذه الصراعات المنطقة في المرحلة المقبلة؟ وهل يتجه البحر الأحمر إلى مزيد من الاستقطاب، أم أن القوى المتنافسة ستجد صيغة تحفظ مصالحها المشتركة في واحد من أكثر الممرات البحرية أهمية في العالم؟
البحر الأحمر، في وصفه الجغرافي، ممر مائي يفصل بين قارتي أفريقيا وآسيا، ولكن على المستوى الجيوسياسي تحول إلى ساحة تتقاطع فيها مشاريع النفوذ ومصالح القوى الكبرى، وطموحات دول من الإقليم للوصول إلى الموانئ والمنافذ بهدف المشاركة في صنع الأحداث، إلى جانب أخرى تسعى إلى تكريس نفوذها، فضلاً عن ارتباط تقليدي، يظل مباشراً، بأمن الطاقة والتجارة الدولية وسلاسل الإمداد العالمية.
أظهرت التطورات الأخيرة في منطقة الخليج العربي ومضيق هرمز أن الممرات البحرية الضيقة يمكن أن تتحول في ظروف الأزمات إلى أدوات ضغط استراتيجية تتجاوز حدود الدول المطلة عليها، وهذا ما أظهره صراع مضيق هرمز الذي أدى التصعيد حوله إلى إعادة توجيه الاهتمام الدولي نحو الممرات البحرية البديلة، وفي مقدمها البحر الأحمر ومضيق باب المندب.
فالحقائق التي أثبتها الواقع تظهر أن أي اضطراب في أي مضيق بحري ينعكس مباشرة على جملة أشياء في أسعار الطاقة والتأمين البحري وكلف النقل… وما إلى ذلك من تبعات متعددة، وهذا ما تجلى مع استمرار الأخطار التي تهدد الملاحة في باب المندب فضلاً عن اضطرابات مضيق هرمز.
حرب غزة والبحر الأحمر
تبرز أهمية البحر الأحمر في كونه جزءاً من منظومة بحرية أوسع تبدأ من الخليج العربي ومضيق هرمز، مروراً بخليج عدن وباب المندب والبحر الأحمر، وتنتهي بقناة السويس والبحر الأبيض المتوسط، وقد أضافت حرب غزة بعداً جديداً إلى معادلة البحر الأحمر. فقد أدى دخول جماعة الحوثي في اليمن على خط الصراع واستهداف سفن مرتبطة بإسرائيل، وجهات أخرى عدها الحوثيون داعمة لها إضافة إلى ما يحدث حالياً من تطورات، إلى تحويل باب المندب من ممر تجاري حيوي إلى منطقة ذات أخطار أمنية مرتفعة، وما تحمله من ارتدادات سلبية على الاقتصاد العالمي، بعدما اضطرت شركات شحن إلى تغيير مساراتها والابتعاد من البحر الأحمر أثناء فترات سابقة، والتوجه عبر رأس الرجاء الصالح، مما يطيل زمن الرحلات ويرفع الكلفة أضعافاً.
وفي التطور الأحدث، عادت تهديدات الملاحة في باب المندب إلى الواجهة تزامناً مع التوترات الأخيرة، بما يؤكد أن أمن مضيق هرمز وأمن باب المندب أصبحا مترابطين بصورة متزايدة في الحسابات الاستراتيجية الدولية.
ومن هنا يمكن القول إن المعادلة البحرية الجديدة لا تقوم على صراع منفصل حول كل مضيق، وإنما على شبكة مترابطة من نقاط الاختناق البحرية، فأي اضطراب في إحداها يمكن أن يضغط على الأخرى ويعيد توزيع حركة التجارة والطاقة ويزيد من الأعباء في مختلف وجوهها.
القرن الأفريقي الشاطئ المقابل في الصراع
إذا كان البحر الأحمر ممراً استراتيجياً للقوى الدولية، فإنه يمثل في الوقت ذاته مجالاً حيوياً لدول القرن الأفريقي التي ترى في موقعها الجغرافي فرصة لتعزيز وزنها السياسي والاقتصادي والأمني. وتبرز هنا دول ذات تأثر هي كل من الصومال وإثيوبيا وإريتريا وجيبوتي والسودان، إلى جانب دول الخليج ومصر وتركيا وغيرها.
وتأتي إثيوبيا في مقدمة الدول التي ارتبطت مصالحها بالوصول إلى البحر، فكونها دولة حبيسة منذ استقلال إريتريا جعل مسألة الوصول إلى منفذ بحري جزءاً مهماً من التفكير الاستراتيجي الإثيوبي كهدف تسعى أديس أبابا إلى تحقيقه بشتى السبل.
وفي ظل الأوضاع والتحديات، أصبحت قضية الموانئ في القرن الأفريقي جزءاً من صراع أوسع حول من يمتلك القدرة على الوصول إلى البحر، ومن يستطيع التأثير في طرق الملاحة الممتدة على خليج عدن والبحر الأحمر.
تتبع وحضور
أدت أزمة مذكرة التفاهم بين إثيوبيا وأرض الصومال إلى دفع الصومال نحو تعزيز علاقاته الأمنية والعسكرية مع قوى إقليمية، وفي مقدمها تركيا ومصر. ووفق خبراء، تحاول تركيا من خلال وجودها المتزايد في الصومال أن تحافظ على موقع استراتيجي لها في القرن الأفريقي وخليج عدن، بينما تنظر مصر إلى التطورات من زاوية أمن البحر الأحمر والتوازن الإقليمي في مواجهة التحركات الإثيوبية. وبذلك لم تعد المنافسة على الموانئ مسألة تجارية محدودة، لترتبط بالأمن القومي للدول وبالتحالفات العسكرية والسياسية التي تتشكل حول البحر الأحمر وخليج عدن.
وهذا ما يشير إليه التحالف الثلاثي الإريتري - المصري - الصومالي الذي أعلن خلال قمة أسمرة في الـ10 من أكتوبر (تشرين الأول) 2024.
وضمن التطورات المتسارعة على المستوى الإقليمي ووفق ما نقلته بعض المواقع، أكد وزير الإعلام الإريتري يماني قبري مسقل في تصريح له خلال السابع من أغسطس (آب) الجاري "أن أمن البحر الأحمر يجب أن يقوم على سيادة الدول المشاطئة والتعاون الإقليمي، بعيداً من الاستقطاب الدولي". وأضاف أن "إريتريا قدمت ورقة عمل تتضمن 12 بنداً لبناء منظومة أمن جماعي، تشمل تقييم التهديدات وتعزيز القدرات الوطنية واحترام القانون الدولي وتطوير آليات مشتركة لتحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة".
على مستوى لافت آخر، يمثل الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال في ديسمبر (كانون الأول) 2025 تطوراً مهماً في معادلة البحر الأحمر والقرن الأفريقي. فقد أصبحت إسرائيل أول دولة عضو في الأمم المتحدة تعترف بأرض الصومال كدولة مستقلة، ثم تطورت العلاقات سريعاً إلى الترتيب الدبلوماسي، وشهد مايو (أيار) الماضي تسلم الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ أوراق اعتماد أول سفير لأرض الصومال لدى إسرائيل، ليعطي هذا التطور بعداً جديداً إلى المنافسة على الممرات المائية، لا سيما أن أرض الصومال تقع في الجزء الشمالي من القرن الأفريقي على الجناح الجنوبي لخليج عدن قرب المدخل المؤدي إلى باب المندب والبحر الأحمر، مما يجعلها ذات موقع جغرافي مميز.
ومن ثم فإن الحضور الإسرائيلي الذي أصبح واقعاً، والأميركي الذي يحضر "باستحياء"، لا يمكن النظر إليهما بمعزل عن الحسابات الأوسع المتعلقة بأمن الملاحة وأمن البحر الأحمر والعلاقات مع دول القرن الأفريقي، لناحية خلق محور ضغط في توازنات الشرق الأوسط.
أين تصب الصراعات؟
المشهد الراهن في البحر الأحمر يشير إلى أن التنافس لا يقتصر على تملك الموانئ والمنافذ بقدر اتساعه لخلق وجود من خلال إنشاء قواعد ومرتكزات مؤثرة، وهو ما يدفع عدداً من القوى إلى التقارب مع أطراف إقليمية لأي طارئ.
يقول الكاتب اليمني المتخصص في الشؤون العسكرية والاستراتيجية علي محمد الذهب عن التداعيات المستقبلية "يمكن أن يؤدي التنامي المستمر في حجم القوات التابعة للدول المتنافسة، إلى نشوب توترات قد تتطور إلى عنف دولي وإقليمي مسلح، تنشأ عنه محاور صراع تُستقطب إليها دول المنطقة، ويتنامى خلال ذلك عنف الحركات الوطنية الرافضة لوجود القوى الخارجية، والعنف المرتبط بالهويات والإرهاب، والجرائم البحرية كالقرصنة والسطو المسلح على السفن، أو أنماط الجريمة المنظمة العابرة للحدود الوطنية من خلال البحار، ويزداد خطر هذا العنف بالضعف المتوقع في القدرات العسكرية والأمنية لدول المنطقة، التي هي، في الأساس ضعيفة، وتعثر برامج التنمية الداعمة للأمن والاستقرار".
ويضيف "يعد الأمن القومي العربي المتضرر الأول من هذا التنافس، نظراً إلى وقوع ثلث دول الوطن العربي على حواف البحر الأحمر وخليج عدن، وما قد يترتب على التنافس من عنف دولي واسع النطاق، تتجمد بفعله حركة الملاحة البحرية في باب المندب وقناة السويس، والانعكاسات الخطرة على الأمن الاقتصادي وأمن الطاقة وحرية الملاحة البحرية، والقضايا الأخرى المنضوية تحت مفهوم الأمن البحري".
مخاوف مبالغ فيها
رئيس المعهد الإثيوبي للدبلوماسية الشعبية ياسين أحمد "يرى أن البحر الأحمر في تقييمه الكلي ليس مجرد منفذ تجاري، بل يمثل جزءاً من جغرافيا كونية وبعد استراتيجي مهم، وهوية وطنية لكل الأطراف المتصلة به، فضلاً عن كونه ممراً رئيساً يمر عبره نحو 40 في المئة من التجارة العالمية، إضافة إلى أنه أقصر الطرق التي تربط أفريقيا بآسيا وأوروبا. ومن هنا تبرز أهميته للبعض".
وفي ما يتعلق بالنظرة الإثيوبية تجاه البحر الأحمر كفضاء مائي متعدد الأطراف، يقول "تاريخياً، كانت إثيوبيا تسيطر على أكثر من ألفي كيلومتر من سواحل البحر الأحمر، بما في ذلك ميناء عصب، قبل أن تفقده عقب انفصال إريتريا في عام 1993". ويشير ياسين إلى أن خسارة المنفذ البحري أثرت سلباً على الاقتصاد الإثيوبي، إذ اضطرت البلاد للاعتماد على ميناء جيبوتي، مما يكلفها مليارات الدولارات سنوياً في رسوم النقل والخدمات اللوجيستية، ويؤدي إلى تأخير عمليات الاستيراد والتصدير، ويحد من فرص النمو الاقتصادي.
والأسباب التاريخية لفقدان إثيوبيا المنفذ البحري تعود إلى ثلاثة عوامل رئيسة، أولها التقسيمات الاستعمارية، فخلال القرنين الـ19 والـ20، قسمت القوى الاستعمارية خصوصاً بريطانيا وإيطاليا وفرنسا، مناطق شرق أفريقيا بطريقة أضعفت النفوذ الإثيوبي وأدت إلى فصل إريتريا عن الدولة الأم، لتصبح إثيوبيا بلا ساحل مباشر.
ثانياً الضغوط الإقليمية، إذ سعت بعض القوى الإقليمية إلى الحد من نفوذ إثيوبيا الإقليمي في البحر الأحمر والمحيط الهندي حفاظاً على توازن القوى، مما أسهم في منعها من استعادة وجودها البحري. وثالث الأسباب الأخطاء السياسية الداخلية، وأبرزها الاعتراف باستقلال إريتريا خلال حكم "الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي" و"الجبهة الشعبية لتحرير إريتريا"، من دون ضمان حق إثيوبيا في ميناء عصب. ويصف ياسين هذا القرار بأنه "تنازل غير شرعي من حكومة انتقالية لم تكن مخولة قانونياً لاتخاذ قرارات استراتيجية بهذا الحجم".
ويؤكد ياسين أن إثيوبيا لا تشكك في سيادة واستقلال إريتريا، لكنها تسعى لتصحيح خطأ تاريخي يتعلق بميناء عصب، استناداً إلى وثائق تاريخية ومراسلات رسمية تثبت أن الميناء كان خاضعاً للسيادة الإثيوبية لعقود. ويضيف أن وساطات أميركية وبريطانية سابقة أقرت بحق إثيوبيا في التفاوض لاستعادة الميناء، لكن تلك الفرص لم تُستثمر بسبب التعقيدات السياسية والتحالفات الإقليمية آنذاك.
وفي ما يتعلق بالتحديات الإقليمية والدولية وانعكاساتها، يقول "تواجه إثيوبيا اليوم تحديات معقدة في علاقاتها مع كل من إريتريا ومصر. فالنظام الإريتري لم يلتزم، بحسب ياسين، باستحقاقات اتفاق جدة 2018 الذي كان يهدف إلى تسهيل الوصول الإثيوبي إلى ميناء عصب، بينما تنظر القاهرة بحذر إلى التحركات الإثيوبية في البحر الأحمر خشية أن تؤثر في موازين القوى الإقليمية". كذلك يرى أن "هذه المخاوف مبالغ فيها، في ظل وجود قواعد عسكرية لدول كبرى في جيبوتي تضمن استقرار المنطقة وتوازنها الأمني".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ميدان لتشكيل التوازنات
الكاتب المتخصص في الشؤون الأفريقية إبراهيم قارو يقول "لم يعد البحر الأحمر مجرد ممر استراتيجي للتجارة والطاقة، بل أصبح أحد ميادين إعادة تشكيل التوازنات في الشرق الأوسط والقرن الأفريقي. وتكمن أهمية المرحلة الراهنة في تداخل المصالح الاقتصادية والأمنية والعسكرية والجيوسياسية، بما يجعل تطورات البحر الأحمر مرتبطة بصورة مباشرة بما يجري في اليمن والسودان والقرن الأفريقي وحوض النيل. ولذلك، فإن السؤال الأهم لم يعد يتعلق بمن يسعى إلى الحضور في البحر الأحمر، وإنما يتعلق بطبيعة النظام الإقليمي الذي تحاول القوى المتنافسة تشكيله، ومن يمتلك القدرة على التأثير في قواعده. وفي هذا السياق تتحرك الولايات المتحدة من منظور حماية حرية الملاحة وأمن طرق التجارة والطاقة واحتواء نفوذ الخصوم، فيما يرتبط الحضور الصيني أساساً بحماية خطوط التجارة والمصالح الاقتصادية بعيدة المدى، وتسعى روسيا إلى توسيع خياراتها الاستراتيجية في البحر الأحمر. وفي المقابل، تعمل قوى إقليمية على بناء دوائر نفوذ تتقاطع فيها المصالح الأمنية والاقتصادية والسياسية".
ويشير "هذا التنافس حالياً لم يعد يعتمد على القواعد والأساطيل وحدها، وإنما بات يتوسع ليشمل الموانئ والاستثمارات والبنية التحتية وسلاسل الإمداد والشراكات الأمنية والقوى المحلية. وبذلك أصبح الميناء أداة محتملة للنفوذ، وأصبح الاستثمار في البنية التحتية جزءاً من معادلة القوة الإقليمية. وفي هذا الإطار تبرز إثيوبيا كونها متغيراً مركزياً في معادلة البحر الأحمر. فمن حق الدول الحبيسة البحث عن ترتيبات مستقرة وآمنة لتجارتها، غير أن الخطاب الإثيوبي حول الوصول إلى البحر تجاوز في بعض مراحله البعد التجاري إلى ربط المسألة بمكانة إثيوبيا كقوة إقليمية وبحقها في حضور استراتيجي على البحر. وهنا ينبغي التمييز بين حق الوصول التجاري، الذي يمكن تنظيمه باتفاقات تحفظ مصالح الدول المعنية، وبين إقامة ترتيبات ذات طبيعة عسكرية أو استراتيجية يمكن أن تعيد تشكيل موازين الأمن والسيادة في المنطقة. وهذا التمييز أساس في قراءة الموقف الإريتري. فالساحل الإريتري ليس مجرد منفذ يمكن التعامل معه كحل لمعضلة جغرافية إثيوبية، وإنما هو جزء من سيادة الدولة الإريترية وأمنها القومي. ومن منظور إريتري، فإن معالجة مشكلة إثيوبيا كدولة حبيسة لا يمكن أن تتحول إلى أساس لإعادة تعريف سيادة الدول الساحلية أو فرض ترتيبات استراتيجية على سواحلها. فحق إثيوبيا في الوصول إلى البحر لا يقابله حق في البحر نفسه، كذلك أن الحاجة الاقتصادية لا تُنشئ تلقائياً حقاً سيادياً أو عسكرياً في أراضي دولة أخرى".
بناء خيارات استراتيجية
يتابع الكاتب المتخصص في القضايا الأفريقية "ومن هنا تكتسب التحركات الإثيوبية المتعددة، من البحث عن ترتيبات في الموانئ إلى مساراتها المختلفة مع الصومال وأرض الصومال، أهمية تتجاوز الجانب التجاري. فهي تعكس محاولة لبناء خيارات استراتيجية تمنح أديس أبابا قدرة أكبر على الحركة في البحر الأحمر والقرن الأفريقي. وهذه الطموحات مفهومة من زاوية المصالح الإثيوبية، غير أن تحويلها إلى مشروع نفوذ بحري سيضعها في مواجهة مباشرة مع الحسابات السيادية والأمنية للدول الساحلية، وفي مقدمها إريتريا ومصر. كذلك فإن أي ترتيبات تتجاوز الاستخدام التجاري إلى المجال العسكري ستُقرأ حتماً على أنها تغيير في ميزان القوى، لا مجرد معالجة لمشكلة النقل والتجارة.
وتنبع أهمية العامل الإثيوبي أيضاً من أن أي توتر بين أديس أبابا وأسمرا لا يمكن عزله عن البيئة الإقليمية المحيطة. فإريتريا تقع في موقع يتصل مباشرة بالبحر الأحمر وباب المندب، وإثيوبيا تمتلك وزناً سكانياً واقتصادياً وسياسياً يجعل أي تحول في سياستها البحرية ذا انعكاسات على الصومال والسودان ومصر. لذلك فإن انتقال التوتر الإثيوبي - الإريتري إلى مواجهة مفتوحة سيحول الخلاف من مسألة ثنائية إلى أحد محاور إعادة ترتيب الأمن في القرن الأفريقي والبحر الأحمر.
ويضيف "في هذه المعادلة يحتل السودان موقعاً لا يقل أهمية، فالسودان يمتلك ساحلاً وموانئ وموقعاً يربط البحر الأحمر بالقرن الأفريقي وحوض النيل وشرق أفريقيا، مما يؤهله لأن يكون أحد مراكز التوازن الإقليمي. غير أن الحرب أضعفت قدرته على تحويل هذه المزايا الجغرافية إلى نفوذ سياسي واقتصادي وأمني. ومع استمرار الصراع، تتسع مساحة حركة القوى الخارجية حول الساحل السوداني، ويتراجع في المقابل هامش الدولة السودانية في صياغة ترتيباتها الخاصة بالبحر الأحمر. وهنا يتحول أثر الحرب السودانية من أزمة داخلية إلى عامل مؤثر في بنية الأمن الإقليمي. فالسودان الذي يفقد القدرة على إدارة ساحله وموانئه وفق رؤية وطنية، يصبح أكثر عرضة لأن تتحول جغرافيته إلى مجال للتنافس الخارجي. لذلك، فإن استعادة الدولة السودانية لاستقرارها ومؤسساتها لا تمثل مصلحة سودانية داخلية فحسب، وإنما تبقى شرطاً من شروط استقرار البحر الأحمر نفسه".
ويتابع "تكتمل الصورة عند باب المندب واليمن، إذ أظهرت الهجمات على الملاحة أن التأثير في أمن البحر الأحمر لا يتطلب بالضرورة امتلاك أسطول أو قاعدة عسكرية. فالقدرة على تهديد نقاط الاختناق وتعطيل حركة التجارة يمكن أن تتحول إلى أداة استراتيجية بحد ذاتها، بما يرفع كلف النقل والتأمين والطاقة ويؤثر في سلاسل الإمداد العالمية. ومن ثم لم تعد السيطرة على البحر مرتبطة فقط بمن يمتلك القواعد، وإنما أيضاً بمن يستطيع التأثير في حرية الحركة داخله".
لهذا لا يمكن اختزال الحضور الدولي والإقليمي في البحر الأحمر في مفهوم "استهداف المنطقة" وحده. فالقوى الكبرى تسعى إلى حماية مصالحها ومنع المنافسين من احتكار الممرات البحرية، بينما تعمل القوى الإقليمية على توسيع نفوذها والاستفادة من التنافس الدولي. والنتيجة هي تعدد مراكز القوة وتداخلها، من دون وجود قوة واحدة قادرة على فرض نظام مستقر على كامل المجال البحري.
وبذلك تتشكل بيئة يمكن وصفها بالتنافس متعدد المراكز، إذ تتعايش مصالح متعارضة داخل مجال جغرافي واحد. وقد يوفر هذا الوضع نوعاً من الردع المتبادل، لكنه يرفع أيضاً احتمالات سوء التقدير واستخدام الوكلاء وانتقال الأزمات المحلية إلى مستويات إقليمية. وتظل العلاقة الإثيوبية الإريترية، إلى جانب الحرب السودانية وأمن باب المندب، من أبرز نقاط الاختبار في هذه المعادلة.
احتمالات الواقع والمنظور
ويشير قارو إلى أن احتمالات الواقع والمنظور ليس في نشوب حرب إقليمية شاملة في المدى القريب، وإنما استمرار التنافس عبر الضغوط السياسية والتحالفات والاستثمارات، وتزايد الوجود الأمني وبناء مناطق النفوذ، مع بقاء احتمالات التصعيد مرتفعة. والخطر لا يكمن فقط في نية أي طرف إشعال مواجهة واسعة، وإنما في أن يؤدي تداخل الملفات إلى أزمة تتجاوز قدرة الأطراف على ضبطها. ومن هنا، فإن التنافس على البحر الأحمر لا ينبغي أن يُقاس بعدد القواعد والموانئ أو بحجم الاستثمارات وحده، وإنما بالقدرة على التأثير في قواعد الأمن والتجارة والسيادة. فالجغرافيا تمنح الدول موقعاً، لكنها لا تمنحها بالضرورة القدرة على حماية مصالحها. ومن ثم تحتاج الدول الساحلية، وفي مقدمها إريتريا والسودان والصومال إلى استراتيجيات واضحة تمكنها من تحويل موقعها الجغرافي إلى قدرة سياسية واقتصادية وأمنية.
وفي المقابل، فإن معالجة قضية الدول الحبيسة، وفي مقدمها إثيوبيا، تتطلب ترتيبات إقليمية تقوم على ضمان الوصول التجاري الآمن والمستقر إلى البحر، من دون تحويل هذا الحق إلى مدخل لإعادة توزيع السيادة أو إنشاء ترتيبات عسكرية تخل بتوازنات المنطقة. مثل هذا التمييز يمكن أن يحول قضية الوصول إلى البحر من مصدر للتوتر إلى مجال للتعاون، ويضع حدوداً واضحة بين المصالح الاقتصادية والمشاريع الجيوسياسية.
يختم إبراهيم قارو "وعليه، فإن السؤال الذي يطرحه العنوان ’أين تصب الصراعات؟‘ لا يرتبط فقط بالدولة التي ستكسب نفوذاً أكبر في البحر الأحمر، وإنما بالنظام الإقليمي الذي سينتج من هذا التنافس. فإذا بقيت المنطقة بلا قواعد مشتركة، فإن تعدد المشاريع قد يحول البحر الأحمر إلى مساحة دائمة للتوتر وتصفية الحسابات. أما إذا تمكنت دول المنطقة من بناء إطار لإدارة المصالح المتعارضة واحترام السيادة وحماية الملاحة وتنظيم الوصول التجاري للدول الحبيسة، فإن البحر الأحمر يمكن أن يتحول من مجال لتنافس النفوذ إلى أحد مرتكزات الاستقرار والتكامل الإقليمي.
وفي هذا الإطار لا تكمن القضية الأساس في من يمتلك الساحل، وإنما في من يمتلك القدرة على صياغة قواعد التعامل معه. وهذه هي المعركة الاستراتيجية الحقيقية التي ستحدد موقع السودان وإريتريا وإثيوبيا، وتحدد شكل النظام الإقليمي في البحر الأحمر خلال الأعوام المقبلة.