Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

محاولة عراقية لمنع الفساد قبل وقوعه... ما شأنها؟

قرار باعتماد التدقيق القبلي للعقود الحكومية ومراقبون: ينسجم مع مبادئ الحوكمة الرشيدة لكنه سيواجه تحديات

أكد الزيدي أن أجهزة الرقابة يجب أن تتحول إلى مؤسسات تمنع وقوع المشكلات بدلاً من الاكتفاء بتوثيقها بعد حدوثها (أ ف ب)

ملخص

يخلص خبراء الإدارة والاقتصاد إلى أن نجاح هذه المبادرة سيقاس بقدرتها على تحقيق معادلة صعبة تتمثل في حماية المال العام من جهة، وعدم تعطيل المشاريع الاستثمارية والخدمية من جهة أخرى، وهي معادلة تحتاج إلى إجراءات واضحة، وكفاءات متخصصة، وأنظمة إلكترونية حديثة، وتنسيق مؤسسي مستمر.

يمثل قرار رئيس مجلس الوزراء علي فالح الزيدي باعتماد التدقيق القبلي للعقود الحكومية قبل توقيعها، واحداً من أبرز القرارات التي تستهدف إعادة صياغة منظومة الرقابة على الإنفاق العام في العراق، من خلال الانتقال من الرقابة التقليدية التي تعتمد على اكتشاف المخالفات بعد وقوعها، إلى رقابة وقائية تسعى إلى منع الخطأ والهدر والفساد قبل أن يتحول إلى خسائر مالية أو ملفات قضائية.

وجاء القرار خلال زيارة رئيس الوزراء إلى ديوان الرقابة المالية الاتحادي، حيث ترأس اجتماعاً مشتركاً ضم رئيس الديوان ورئيس هيئة النزاهة ووزير المالية، أكد خلاله أن حماية المال العام مسؤولية وطنية، وأن أجهزة الرقابة يجب أن تتحول إلى مؤسسات تمنع وقوع المشكلات بدلاً من الاكتفاء بتوثيقها بعد حدوثها.

ووجه الزيدي بتشكيل فريق متخصص من ديوان الرقابة المالية خلال مدة لا تتجاوز 10 أيام عمل، يتولى مهمة التدقيق القبلي للعقود الحكومية، مع تحديد سقوف مالية للعقود التي تخضع لهذا الإجراء، بما يحقق التوازن بين سرعة إنجاز المشاريع وكفاءة الرقابة.

وشدد على ضرورة أن تكون العقود الحكومية سليمة من الناحية القانونية والفنية، وأن تعتمد أسعاراً عادلة تعكس القيمة الحقيقية للأعمال، مبيناً أن تضخيم الكلف يعد أحد أهم منافذ الفساد المالي التي ينبغي التصدي لها بصورة مبكرة.

خطوة إصلاحية مهمة

ويأتي القرار في مرحلة تشهد توسعاً في حجم الإنفاق الحكومي، سواء في مشاريع البنى التحتية أو الخدمات أو الإعمار، مما يزيد من أهمية وجود أدوات رقابية قادرة على حماية الأموال العامة وضمان حسن إدارتها.

ويرى متخصصون أن اعتماد التدقيق القبلي يعكس تحولاً في فلسفة الإدارة الحكومية، إذ إن غالبية حالات الفساد التي شهدها العراق خلال العقدين الماضيين اكتشفت بعد توقيع العقود أو بعد تنفيذ المشاريع، عندما تكون الأموال قد صُرفت أو أصبحت عملية استعادتها أكثر تعقيداً، مما يجعل الرقابة اللاحقة أقل قدرة على منع الهدر مقارنة بالرقابة الوقائية.

ويعتمد التدقيق القبلي على مراجعة جميع الجوانب القانونية والمالية والفنية للعقد قبل توقيعه، بما يشمل سلامة إجراءات الإحالة، ودقة المواصفات، وعدالة الأسعار، ومدى الحاجة الفعلية للمشروع، وتوفر التخصيصات المالية، فضلاً عن التأكد من عدم وجود ثغرات يمكن استغلالها لاحقاً.

ويؤكد خبراء الإدارة العامة أن هذا النوع من التدقيق معمول به في كثير من الدول التي نجحت في الحد من الفساد المالي، إذ أصبحت الرقابة جزءاً من عملية اتخاذ القرار، وليست مجرد مرحلة لاحقة للمحاسبة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وفي العراق، شهدت الأعوام الماضية تسجيل ملاحظات رقابية متكررة تتعلق بعقود حكومية تضمنت مغالاة في الأسعار أو ضعفاً في المواصفات أو مخالفات في إجراءات الإحالة، مما أدى إلى تعثر مشاريع خدمية وخسارة مبالغ كبيرة من المال العام، فضلاً عن إحالة كثير من الملفات إلى القضاء وهيئة النزاهة.

ويرى مراقبون أن معالجة هذه الإشكالات من جذورها قد تكون أكثر فاعلية من الاقتصار على ملاحقة المسؤولين عنها بعد أعوام من توقيع العقود.

ويقول المحلل الاقتصادي محمد الجميلي، إن اعتماد التدقيق القبلي للعقود يمثل خطوة إصلاحية مهمة إذا ما جرى تنفيذها بصورة مهنية بعيداً من التعقيدات الإدارية، مضيفاً أن العراق ينفق سنوياً مليارات الدولارات على مشاريع استثمارية وخدمية، لذا فإن تقليل نسبة الهدر، ولو بمعدل بسيط، يمكن أن يوفر مبالغ كبيرة تعود بالنفع على الاقتصاد الوطني.

ويشير إلى أن كثيراً من حالات الفساد لا تبدأ بسرقة الأموال بصورة مباشرة، وإنما بعقد يتضمن أسعاراً أعلى من قيمتها الحقيقية أو مواصفات غير دقيقة، لذلك فإن مراجعة العقد قبل توقيعه تعد خط الدفاع الأول عن المال العام.

ويؤكد الجميلي أن نجاح التجربة يتطلب إنشاء قواعد بيانات وطنية للأسعار المرجعية، بحيث تتمكن الجهات الرقابية من مقارنة كلف المشاريع بالأسعار الحقيقية في السوق المحلية والعالمية، مما يقلل من فرص تضخيم الكلف.

أبرز المكاسب المتوقعة

من جانبه يرى المتخصص في القانون علي الربيعي أن القرار ينسجم مع مبادئ الحوكمة الرشيدة والإدارة الحديثة، لأنه يوفر حماية قانونية للموظف العام قبل أن يوقع العقد، ويمنع وقوع المخالفات التي قد تعرضه للمساءلة مستقبلاً.

ويقول إن الرقابة الوقائية تختلف عن الرقابة العقابية، فالأولى تساعد الإدارة على تصحيح الأخطاء قبل وقوعها، بينما تركز الثانية على تحديد المسؤوليات بعد حدوث المخالفة، مما يجعل الوقاية أقل كلفة وأكثر فاعلية.

ويضيف أن نجاح التدقيق القبلي يعتمد على سرعة الإنجاز، لأن تأخير الموافقات قد يؤدي إلى تعطيل المشاريع الحكومية، لذلك فإن تحديد سقوف مالية للعقود الخاضعة للتدقيق يمثل خطوة ضرورية لضمان عدم إرهاق الأجهزة الرقابية بعقود صغيرة لا تستوجب هذا المستوى من المراجعة.

ويشير الربيعي إلى أن نجاح التجربة يحتاج أيضاً إلى تحديث التشريعات والتعليمات التنفيذية بما يضمن وضوح الصلاحيات بين الوزارات وديوان الرقابة المالية وهيئة النزاهة، تجنباً لأي تداخل في الاختصاصات.

أما الباحث في شؤون الحوكمة والإدارة العامة مؤيد الفرطوسي، فيرى أن القرار يمثل رسالة سياسية وإدارية في آن واحد، مفادها أن الحكومة تسعى إلى بناء منظومة رقابية أكثر فاعلية تعتمد على منع الخطأ بدلاً من الاكتفاء بمعاقبة مرتكبيه.

ويقول إن معظم الدول التي حققت تقدماً في مؤشرات النزاهة والشفافية لم تعتمد فقط على العقوبات، وإنما ركزت على بناء أنظمة رقابية تمنع وقوع المخالفات من الأساس، عبر التحول الرقمي، وتبادل البيانات بين المؤسسات، واعتماد قواعد واضحة لإدارة العقود.

ويضيف أن العراق يمتلك مؤسسات رقابية عريقة، لكن التحدي الحقيقي يكمن في تطوير أدواتها لتواكب حجم المشاريع الحكومية، مشيراً إلى أن الرقابة الإلكترونية وربط قواعد البيانات بين الوزارات وديوان الرقابة المالية وهيئة النزاهة يمكن أن يقلل من التدخل البشري ويحد من فرص التلاعب.

ويرى خبراء أن من أبرز المكاسب المتوقعة من تطبيق التدقيق القبلي تقليل نسب الهدر المالي، وتعزيز الشفافية، ورفع جودة المشاريع، وحماية الموظف العام، وتقليل المنازعات القضائية، فضلاً عن تعزيز ثقة المستثمرين والشركات المتعاقدة مع الدولة من خلال وضوح الإجراءات الرقابية.

بعيداً من المصالح

في المقابل، يواجه القرار مجموعة من التحديات، أبرزها الحاجة إلى كوادر متخصصة تمتلك خبرات قانونية وهندسية ومالية، إضافة إلى ضرورة تطوير الأنظمة الإلكترونية الخاصة بإدارة العقود، ووضع مدد زمنية محددة لإنجاز عمليات التدقيق حتى لا تتحول الرقابة إلى عامل يعرقل تنفيذ المشاريع.

ونجاح التجربة يتطلب تعاوناً وثيقاً بين الوزارات والجهات الرقابية، وتبادل المعلومات بصورة فورية، فضلاً عن توفير الإرادة السياسية الكافية لضمان استقلالية الأجهزة الرقابية وعدم إخضاعها لأي ضغوط أو اعتبارات خارج الأطر القانونية.

ويرى مراقبون أن توجيه رئيس الوزراء بإبعاد ديوان الرقابة المالية عن المحاصصة السياسية، واعتماد الكفاءة والنزاهة والحياد في عمله، يمثل رسالة مهمة لتعزيز استقلالية المؤسسة، باعتبارها أحد أهم أركان حماية المال العام.

ويشير هؤلاء إلى أن استقلالية الأجهزة الرقابية تمثل شرطاً أساساً لنجاح أي إصلاح مالي، لأن الرقابة الفاعلة تحتاج إلى قرارات مهنية تستند إلى القانون بعيداً من الضغوط السياسية أو المصالح الحزبية.

ويؤكد متخصصون أن التحول من الرقابة اللاحقة إلى الرقابة الوقائية لا يعني التخلي عن أدوات المساءلة والمحاسبة، وإنما يمثل استكمالاً لها، إذ تبقى الرقابة اللاحقة ضرورية لتقييم الأداء ومحاسبة المقصرين، بينما يعمل التدقيق القبلي على تقليل فرص وقوع المخالفات منذ البداية.

ويخلص خبراء الإدارة والاقتصاد إلى أن نجاح هذه المبادرة سيقاس بقدرتها على تحقيق معادلة صعبة تتمثل في حماية المال العام من جهة، وعدم تعطيل المشاريع الاستثمارية والخدمية من جهة أخرى، وهي معادلة تحتاج إلى إجراءات واضحة، وكفاءات متخصصة، وأنظمة إلكترونية حديثة، وتنسيق مؤسسي مستمر.

وفي حال تمكنت الحكومة من تطبيق هذا النموذج بكفاءة، فقد يشكل التدقيق القبلي للعقود نقطة تحول في إدارة الإنفاق العام في العراق، وينقل الرقابة من مرحلة رد الفعل إلى مرحلة الاستباق، بما يسهم في تقليل الفساد، وترشيد الإنفاق، وتحسين جودة المشاريع، وتعزيز ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة، وهي أهداف تمثل ركائز أساسية لأي برنامج إصلاح اقتصادي وإداري طويل الأمد.

اقرأ المزيد

المزيد من العالم العربي