Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هكذا يسعى البابا إلى إنقاذ البشرية من "النهاية العنيفة"

لاوون الرابع عشر يتصدى في كتابه الأحدث لنزعة العودة للتسلح النووي

يشدد البابا على أن السلام يبدأ من الحياة اليومية (أ ف ب)

ملخص

في كتابه الجديد يوضح لاوون الرابع عشر كيف أن خطر وقوع كارثة نووية بات يلوح في الأفق، ما لم تُتخذ إجراءات سريعة لوقف تدهور السلام حول العالم، ويقطع بأن التاريخ المعاصر يشهد بالفعل اقترابنا من الكارثة.

في أول ظهور له من الرواق المركزي لكاتدرائية القديس بطرس في حاضرة الفاتيكان، نطق البابا لاوون الرابع عشر بعبارة ستبقى طويلاً في الذاكرة الإنسانية عن حتمية نزع السلاح النووي من على وجه الأرض، وكررها بقناعة، تاركاً إياها تتردد بقوة بين المؤمنين.

كانت هذه الكلمات هي الرسالة التي أراد البابا الجديد إيصالها إلى العالم، سلام فاعل يُبنى عبر الحوار والمثابرة والمحبة غير المشروطة.

كانت كلمات البابا الأولى تمثل نوعاً من الرفض الضمني لموقف الإنسانية العائدة بقوة لزمن التسلح النووي بأنواع مختلفة وصور كثيرة، وربما جاء اختياره لاسم لاوون، تيمناً بالبابا لاوون الثالث عشر، الرجل الذي وقف في وجه الأفكار الشيوعية في مهدها، وقبل أن تتحول إلى حركة سياسية عالمية، وكان ذلك عام 1891، عبر وثيقته الشهيرة Rerum novarum.

كان من الواضح أن الرجل الجديد ذا الثوب الأبيض يتبنى برنامجاً حقيقياً لحبريته يقوم على الأفعال التالية "بناء الجسور والسير معاً وكنيسة سينودسية تبشيرية، قريبة من البشر الأقل حظاً".

خلال الكلمة التي لم تزِد على ثماني دقائق، بدت واضحة قناعة البابا لاوون الرابع عشر بأن السلام غير المسلح والنزيه هو جوهر رسالته ومفاد حبريته، كما أنه أكبر تحدٍّ ينبغي عليه مواجهته.

هل كان على البابا أن يتكلم بتوسع عن هذه القضية التي باتت تتقاطع مع حياة قرابة 8 مليارات نسمة فوق سطح البسيطة؟

ما الذي يريده البابا في كتابه؟

أفضل من يقدم جواباً عن علامة الاستفهام المتقدمة، هو الكاتب الإيطالي أليساندرو بانفي، محرر الكتاب الذي أكد في تصريحات إعلامية إلى إذاعة الفاتيكان أن البابا في مقدمة الكتاب يقطع بأن "السلام عطية من الله تعالى"، كما أن السلام الحقيقي لا يتحقق بالقوة ولا بالشعارات، بل يبدأ من الإنسان نفسه ومن شجاعة اختيار الحقيقة ونبذ منطق العداء".

ويصف بانفي الكتاب الجديد بأنه محاولة لجمع أبرز أفكار الحبر الأعظم حول السلام ضمن إصدار واحد يسهل الوصول إليه.

ويرى الكاتب الإيطالي أن الرسالة الأساسية التي يحملها الكتاب تتمثل في أن السلام هو عطية يمنحها الله، لكنه في الوقت نفسه مسؤولية تقع على عاتق كل إنسان. فقبول هذه العطية يتطلب ترجمتها إلى مواقف عملية وسلوك يومي، لا إلى مجرد أمنيات أو خطابات.

ومن الأفكار المهمة التي يبرزها الكتاب، دعوة الحبر الأعظم إلى محاسبة الذات قبل اتهام الآخرين، فهو يحذر من أن أول رد فعل تجاه الخلافات أو الإساءات، إذا كان قائماً على الإدانة وإلقاء اللوم، فإنه يفتح الباب تدريجاً أمام اللامبالاة، ثم الكراهية. ولذلك يستعيد كلمات القديس أوغسطينوس الذي دعا إلى تغيير الإنسان لنفسه بدلاً من الاكتفاء بالتذمر من الزمن الذي يعيش فيه.

بانفي يؤكد كذلك أن البابا لا يكتفي بالمبادئ العامة، بل يقدم أمثلة واقعية تبعث على الأمل. ففي مقدمة الكتاب يروي حادثة تاريخية وقعت عام 1983، عندما رفض مسؤول سوفياتي تنفيذ أوامر كان من شأنها أن تؤدي إلى اندلاع حرب نووية مع الولايات المتحدة. ويعلق البابا على هذه الواقعة بالقول إن ضمير إنسان واحد قد يكون كافياً لإنقاذ العالم بأسره، في رسالة تؤكد أن القرارات الفردية الشجاعة يمكن أن تغير مجرى التاريخ.

من هنا، يشدد البابا على أن السلام يبدأ من الحياة اليومية، من داخل الأسرة ومكان العمل والحي الذي يعيش فيه الإنسان، قبل أن يصبح قضية دولية. فلا يمكن تحقيق سلام دائم من دون عدالة، ولا يمكن القضاء على العنف إذا لم يبدأ كل شخص بمراجعة نفسه وتصحيح علاقته بالآخرين.

إشكالية العيش على الأرض

مع قراءة الصفحات الأولى يتبين جلياً للمرء كيف أن إرث البابا فرنسيس يبدو فاعلاً جداً في رؤية خلفه لاوون الرابع عشر.

في الكتاب يبدو لاوون ماضياً في النظر إلى عالمنا المعاصر على أنه غارق حتى أذنيه في الحرب العالمية الثالثة المجزأة، ولهذا يدعو الحبر الأعظم الجديد إلى "جعل السلام غاية".

وكتب في المقدمة "تطرح الكنيسة اليوم بتواضع سؤالاً واحداً على  الجميع: هل ينبغي للجنس البشري أن يستمر في العيش على الأرض؟"

ويضيف أن الجمع بين الهيمنة السيبرانية وإعادة التسلح العالمي يجبرنا على طرح هذا السؤال بكل جدية.

وفي تحليل فلسفي عن شرعية الحرب، يذكرنا البابا بريفوست (اسم لاوون قبل أن يصير بابا) بأن الحرب لا يشنها الأقوياء وحدهم، ذلك أنها تبدأ من قلب كل فرد عندما يستسلم للاستياء والانتقام، عندما يُستهان بالتسامح وتُمجد القوة. عندما لا تبني الكلمات جسوراً، بل تشيد جدراناً. عندما يُهجر مجال الدبلوماسية ومسارها في عالم السياسة، وحين يتم تفضيل القوة على فن الحوار الصبور والمثمر.

من هنا، يرى البابا الأميركي أن نزع السلاح هو الوسيلة الوحيدة التي يمكن أن تمكن عالمنا من أن يكون له مستقبل خالٍ من خطر النهاية العنيفة على أيدي البشرية.

وباختصار القول، تبدو صفحات الكتاب وكأنها "لاهوت جديد للسلام"، لا يقصد به المسيحيين أو الكاثوليك وحسب حول بقاع وأصقاع العالم، بل ينشد الوصول إلى عموم الإنسانية التي بات يتهددها خطر جامح في حاضرات أيامنا، ولا سيما مع العودة السريعة التي تجري بها المقادير لدى القوى الكبرى، تحديداً تجاه تحديث الأسلحة النووية وإضافة الجديد منها إلى ترساناتها.

 

ويحدد البابا عدد الدول المتحاربة اليوم بنحو 103 دول، منغمسة بصورة أو بأخرى في حرب على الأرض من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، ومن السودان إلى ميانمار، في اليمن وفي الكونغو، وفي كثير من المواقع والمواضع الأخرى.

كذلك، يؤكد على أن أسلافه دعوا بالفعل إلى السلام ونزع السلاح النووي، ويستشهد بما قاله البابا طيب الذكر يوحنا بولس الثاني "بعد العواقب الوخيمة التي شهدتها هيروشيما وناغازاكي، فإن اللجوء إلى الحرب أصبح أكثر فأكثر مغامرة بلا عودة".

ويوضح لاوون الرابع عشر كيف أن خطر وقوع كارثة نووية بات يلوح في الأفق، ما لم تُتخذ إجراءات سريعة لوقف تدهور السلام حول العالم، ويقطع بأن التاريخ المعاصر يشهد بالفعل اقترابنا من كارثة نووية.

وكتب لاوون "إن عالماً تكون فيه الآلات، وإن كانت متطورة وأسرع منا، هي التي تقرر قصف الناس العزل، سيكون أمراً مرعباً حقاً".

السلام مسؤولية من على الأرض؟

يبدو هذا تساؤلاً جوهرياً عميقاً، تطرحه سطور كتاب البابا لاوون الجديدة، ولا سيما بعد أن باتت النخب الحاكمة هي المسؤولة بصورة رئيسة وفاعلة عن قرارات الحرب والسلم حول العالم.

لكن أسقف روما، الساكن وراء جدران الفاتيكان، لا ينفك يتحدث عن أن "السلام هو الرغبة العظيمة التي تحرك قلوب كثر، لكنه غالباً ما يكون مُهدداً، بل مُداساً، ومُستهزأ به، حال أكثر من مئة بقعة ورقعة فوق سطح الأرض تشي بذلك".

هنا يضع البابا أصابعه على جرح البشرية النازف، ومن هذا المكان يحدد من تقع على عاتقه مسألة صون السلام العالمي.

يكتب أن "السلام مسؤولية. إذا كانت غريزتنا الأولى عند مواجهة مشكلة ما، أو توتر نشعر به، أو إساءة نتعرض لها، هي الحكم على الآخرين واتهامهم، بل إدانتهم، فسيكون من المحتم أن تسود اللامبالاة، ثم الكراهية، من حولنا".

والشاهد أن هناك خوفاً عميقاً يتجلى عبر صفحات الكتاب، ولا سيما حال المقارنة بين ما حدث خلال أوائل ستينيات القرن الماضي، وما تجري به المقادير في وقتنا الحاضر.

أثناء تلك الحقبة، كادت البشرية أن تنزلق في حرب نووية جراء أزمة الصواريخ الروسية في كوبا، ولولا حكمة من الأخوين جون وروبرت كينيدي، لاشتعلت الأرض بمن عليها.

اليوم يبدو المشهد مختلفاً، ولا سيما في ظل الذكاءات الاصطناعية، وبعض البرامج التي يمكنها أن تشن حروباً تقليدية أو نووية، من دون قرارات فوقية بشرية، مما يعني احتمالات كوارث محققة في مسار الإنسانية.

هنا يبدو صوت لاوون الرابع عشر حاضراً وبقوة "في العصر الذري، يجب أن يترسخ تأكيد الحقيقة: ليس السلاح الذري هو ما يصنع السلام، بل نزع السلاح"، ويضيف أن "هذه الحقيقة التي بدت واضحة في العقود الأخيرة والتي شهدنا خلالها خفضاً للتصعيد النووي، طُمست بفعل سباق تسلح يثير اليوم الرعب والفزع ".

 

لكن ماذا عن السلام الذي ينشده بابا روما؟

الواضح أن السلام الذي يقترحه لاوون الرابع عشر "ليس مجرداً أو أيديولوجيا أو ساذجاً"، لكنه "يمر عبر آلام العالم وتناقضاته وجراحه".

يحدثنا لاوون عن الشهود الحقيقيين الذين عرفتهم تجارب تاريخية، ومن خلالهم تم تجنيب العالم الدخول في الشتاء النووي.

يقول لاوون "إلى جانب الرجال والنساء المعروفين، يتجسد السلام في (أبطال مجهولين) اتبعوا ضمائرهم. كثيراً ما اقترب التاريخ من كارثة نووية. تروي السجلات قصة قرار رجل واحد. الضابط السوفياتي ستانيسلاف بيتروف الذي أسهم في تجنب حرب نووية عالمية محتملة. كان ذلك في الـ26 من سبتمبر (أيلول) 1983. رصد رادار من ملجأ قرب موسكو، حيث كان بيتروف يؤدي واجب الحراسة، إطلاق صواريخ باليستية عدة عابرة للقارات من الولايات المتحدة باتجاه الاتحاد السوفياتي، إلا أن ذلك كان خطأ في نظام تتبع الأقمار الاصطناعية السوفياتي. تحدى بيتروف الأوامر، وقرر عدم الإبلاغ عن الهجوم المزعوم.

كان ذلك خياراً اتخذه بضمير من يعلم أن هذا الفعل البسيط كان من الممكن أن يتسبب في ملايين الضحايا".

البابا واقتباس أغنية بوب ديلان

المعروف تاريخياً أن البابوات يحبون الاستشهادات. هنا لا تحتاج قراءة رسالة بابوية لتدرك ذلك. فكل شيء من الدستور الرسولي ووصولاً إلى المرسوم البابوي والموعظة المنشورة التي تصدر عن قلم البابا، سيحوي حتماً عشرات، بل ربما مئات من الإشارات إلى التراث الفكري للكنيسة. عادة ما تهيمن النصوص المقدسة أو وثائق الكنيسة. وعلى مدى نصف القرن الماضي، احتلت وثائق المجمع الفاتيكاني الثاني مكانة بارزة في الحواشي.

أحياناً يخرج الباباوات عن المألوف. كان البابا فرنسيس مولعاً بالإشارات إلى الكاهن والروائي الإنجليزي روبرت هيو بنسون، وكذلك فيودور دوستويفكسي. وكما هي الحال مع أي بابا يحكم لأكثر من بضعة أعوام، حَوت وثائق السنوات الأخيرة من ولاية فرنسيس عدداً من الإشارات إلى أعماله البابوية.

لكن ما لم يفعله أي بابا حتى اليوم، هو الاقتباس من كلمات وأغاني المغني والشاعر والملحن الأميركي الشهير بوب ديلان.

في مقدمة الكتاب، يقتبس البابا بضع كلمات من أغنية بوب ديلان الشهيرة التي خرجت على الأميركيين خصوصاً، وعلى العالم عامة، عام 1963، وقتما كادت أن تشتعل الحرب العالمية الثالثة نووياً، وكان عنوانها "اذهبي بعيداً أيتها القنبلة" أو Go Away you Bomb، مستشهداً ببيت شعر وجهه ديلان إلى الأسلحة النووية، "أكرهك لأنك من صنع الإنسان ومملوكة للإنسان ويتعامل معها الإنسان".

هل نحن أمام لمسة ومسحة من بابا أميركي الأصل؟

من الواضح أن الأمر على هذا النحو، ذلك أن بوب ديلان كان شاعراً رافضاً للحرب النووية ولأسلحة الدمار، وهو اليوم يبلغ نحو 85 سنة من عمره ويتذكر كيف قدم إلى العالم أغنية كان الجميع في أمس الحاجة إليها.

وللإنصاف نقول، لم يكُن ديلان محور مقدمة كتاب البابا الجديد، ولا سيما أن المقدمة ذاتها ذكرت أسماء رجال ونساء عملوا جاهدين على نشر السلام حول العالم، في المقدمة منهم الصحافية الأميركية البارزة المدافعة عن حقوق الفقراء دوروثي داي، ورمز السلام والعدالة الاجتماعية الإيطالي الأشهر جورجيو لا بيرا وكثر من صانعي السلام.

لقد فاجأ البابا لاوون العالم بالفعل أكثر من مرة، فخلال رسالته عن الذكاء الاصطناعي التي صدرت أخيراً تحت عنوان "الإنسانية الرائعة"، اقتبس من الشخصية الأسطورية غاندالف.

هل كان لاوون الرابع عشر في شبابه من المعجبين بديلان؟

هناك جزئية مهمة جداً في أي تحليل لأفكار وأقوال وأعمال البابا لاوون، لا ينبغي أن تُهمل، وهي أن الرجل معجون بمياه من ذهب للقديس أوغسطينوس، الفيلسوف والمفكر والقديس المسيحي من أعمال القرن الخامس الميلادي، وهو من عاش فترة سقوط الإمبراطورية الرومانية أمام قبائل الفيندال ولهذا كتب كثيراً عن أهمية السلام في العالم كقيمة لا يمكن الاستغناء عنها.

الاستشهاد بديلان يوضح لنا كيف تمضي الأمور داخل حاضرة الفاتيكان... كيف تتغير وتتطور، فقد كان ديلان سبباً لاختلافات وقعت بين البابا يوحنا بولس الثاني وبعض من الكرادلة المقربين منه بمن فيهم خليفته.

استقبل البابا يوحنا بولس الثاني الفنان الأميركي بوب ديلان، نجم موسيقى "الفولك روك" خلال حفل موسيقي أقيم ضمن فعاليات المؤتمر الإفريخارستي الإيطالي في بولونيا بتاريخ الـ27 من سبتمبر 1997، وغنى ديلان أمام البابا في ذلك الحفل.

 

أعجبت الصحافة بالخبر. كتبت كانديس هيوز من وكالة "أسوشيتد برس" تقول "إنه من صميم الأساطير. المتمرد إلى ظل يطرق أبواب السماء مراراً وتكراراً، يلتقي الرجل الذي يملك مفاتيح الملكوت".

وعلى رغم ذلك، لم يكُن الجميع في الفاتيكان مسرورين، بمن فيهم خليفة البابا يوحنا بولس الثاني، الكاردينال جوزيف راتزينغر.

لاحقاً وفي كتاب صدر عام 2007 بعنوان "يوحنا بولس الثاني: سلفي الحبيب"، كتب راتزينغر الذي صار وقتها البابا بندكتوس السادس عشر يقول "إنه عارض ظهور ديلان وحاول منعه".

وصف المشهد وقتها كالتالي "وصل البابا متعباً ومرهقاً إلى المؤتمر الإفريخارستي، وفي تلك اللحظات بالذات، ظهر بوب ديلان، نجم الشباب وآخرون لا أتذكر أسماءهم".

كانت لديهم رسالة مختلفة تماماً عن تلك التي التزم بها البابا. كان هناك ما يدعو إلى الشك، وهو ما كنت عليه، وما زلت كذلك إلى حد ما، بالنسبة إلى صواب إشراك "أنبياء" من هذا النوع.

هنا تتبدى الإثارة من البابا الكريولي الذي يرفض قبول دعوة رسمية إلى زيارة الولايات المتحدة الأميركية حتى الساعة، وقبوله فكرة الاستشهاد بكلمات شاعر ومغنٍّ يتفق معه في رؤاه نحو سلام العالم، مما يوضح للقارئ وبطريقة غير مباشرة، أنه ما من تأثير سياسي أميركي في مسارات الفاتيكان ومساقاته.

يعنّ لنا أن نتساءل "هل كتابة لاوون الرابع عشر، الساعية إلى السلام والرافضة للأسلحة النووية، هي الأولى من نوعها في تاريخ الكنيسة الرومانية الكاثوليكية، أم أن الأمر برمته هو نوع من أنواع التواصل الروحي والفكري مع المجتمع البشري منذ باباوات سابقين كثر؟".

الباباوات من بيوس الثاني عشر إلى لاوون الرابع عشر

ظهرت القنبلة النووية الأولى في نهاية الحرب العالمية الثانية، وقتها كان البابا بيوس الثاني عشر، مالئ الدنيا وشاغل الناس، وشاهداً على بشاعة ما قام به النازي والفاشي ومعهما الياباني.

في فبراير (شباط) عام 1948 أكد البابا بيوس الثاني عشر أن القنبلة الذرية هي "أفظع سلاح ابتكره العقل البشري حتى الآن". وفي الـ24 من ديسمبر (كانون الأول) عام 1955، وخلال رسالته الإذاعية إلى العالم بمناسبة عيد الميلاد، وصف البابا "عمليات الانشطار النووي"، على النحو التالي "تنتقل هذه الطاقة إلى الغلاف الجوي، وفي غضون أجزاء من الثانية، ترفع درجة حرارة الكتل الهوائية المحيطة".

وصف بيوس الثاني عشر النصر الذي يتحقق من وراء استخدام الأسلحة النووية بأنه نصر مغشوش لا هتاف فيه، بل فقط عويل لا يعزي البشرية، وهي تتأمل بيأس الكارثة التي سببتها حماقتها.

رحل بيوس الثاني عشر عام 1958 وخلفه البابا العجوز الطيب، يوحنا الثالث والعشرين الذي كادت أن تحدث في عصره الحرب العالمية الثالثة النووية بسبب أزمة صواريخ كوبا.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

 

وبعد أن انفرجت الأزمة، كتب "لقد تم تجاوز الأزمة، لكن التهديد النووي لا يزال عبئاً يلقي بظلاله على حاضر البشرية ومستقبلها". وعبر رسالته البابوية "السلام على الأرض"، الصادرة عام 1963، أشار إلى أن البشر يعيشون تحت تهديد إعصار قد يندلع في أية لحظة بقوة لا يمكن تصورها. وأضاف أن "مجرد استمرار التجارب النووية لأغراض عسكرية، قد تكون له عواقب على الحياة على الأرض، لذلك فإن العدل والحكمة والإنسانية تقتضي وقف سباق التسلح، وخفض الترسانات الحالية بصورة متزامنة ومتبادلة، وحظر الأسلحة النووية، وتحقيق نزع السلاح، على نحو متكامل مع ضوابط فاعلة، في نهاية المطاف".

لم يستمِع أحد إلى صوت يوحنا الثالث والعشرين، ولهذا ورث خلفه البابا بولس السادس الأزمة عينها، والذي فتح أعين البشرية على أنه لا يمكنها أن تعرف الحب وهي تحمل في داخلها أسلحة هجومية جهنمية.

وفي خطابه التاريخي من على منصة الأمم المتحدة، دعا إلى "خطوات لتغيير مسار التاريخ العالمي".

وبالوصول إلى البابا يوحنا بولس الثاني الذي وصل إلى سدة البابوية عام 1978 أي في أوج احتدام الحرب الباردة بين حلفي وارسو و"الناتو"، أطلق صرخة حول الحاجة إلى ثورة أخلاقية لمواجهة التهديدات النووية، معتبراً أنها يمكن أن تقلب توازن السلام الهش رأساً على عقب، وحذر من أن الطاقة النووية ستكون من الآن فصاعداً متاحة كسلاح دمار، مما بات العالم يخشاه لاحقاً.

أما خليفته بندكتوس السادس عشر، فدعا إلى تجاوز قيود التاريخ، وأكد على أن مسيرة نزع السلاح النووي والأمن المنسق ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالوفاء الكامل والفوري بالالتزامات الدولية ذات الصلة، فالسلام في الواقع يقوم على الثقة بالآخر واحترام الالتزامات المتعهد بها وليس على مجرد توازن القوى.

أما البابا فرنسيس، فسار بدوره على خطى أسلافه، وكرر مراراً وتكراراً دعوته إلى نزع السلاح، وخلال رحلته الرسولية إلى اليابان، وضمن خطابه في نصب هيروشيما التذكاري للسلام في الـ24 من نوفمبر (تشرين الثاني) 2019 ذكر بأن "استخدام الطاقة الذرية لأغراض الحرب هو اليوم أكثر من أي وقت مضى، جريمة لا ترتكب ضد كرامة الإنسان وحسب، بل ضد كل إمكان لمستقبل وطننا المشترك أي الكرة الأرضية".

على أية مرتكزات أخلاقية توقفت حاضرة الفاتيكان في رفضها لمجال التسلح النووي أمس واليوم وغداً؟

الكاثوليكية ورفض الأسلحة النووية

بالغوص في عمق تقاطعات مواقف الكنيسة الكاثوليكية مع الأسلحة النووية، نجد أن هناك تغيراً طرأ خلال الأعوام الأخيرة، يختلف في التوجه عما كان سائداً في زمن الحرب الباردة.

لقد تحول موقف الكنيسة من قبول مشروط للردع النووي في ثمانينيات القرن الماضي إلى رفضه باعتباره مبرراً أخلاقياً غير مقبول لإعادة التسلح النووي خلال العقد الأول من القرن الـ21، وفي نهاية المطاف إلى دعم قوي لنزع السلاح النووي، مما أدى إلى الموافقة على معاهدة حظر الأسلحة النووية في سبتمبر عام 2017.

تبدو الكنيسة الكاثوليكية الرومانية، ولا سيما في جانبها الأميركي، داخلة بعمق في قضايا نزع السلاح النووي. فعبر رسالة موجهة إلى المطران يراهاما، مطران هيروشيما، بمناسبة الذكرى الـ80 للقصف الذري، قال البابا لاوون الرابع عشر إن "الأسلحة النووية تسيء إلى إنسانيتنا المشتركة، وتخون كرامة الخليقة التي دعينا إلى صون انسجامها".

أكثر من ذلك، فقد دعا الكرسي الرسولي في الفاتيكان لدى الأمم المتحدة أخيراً "جميع الدول الحائزة للأسلحة النووية إلى الوفاء بالتزاماتها بموجب المادة السادسة من معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية ومعاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية ومعاهدة حظر الأسلحة النووية.

وانطلاقاً من هذا المبدأ قبل عامين، اتحدت إيبارشيات سانتا فيه وسياتل وهيروشيما  وناغازاكي لتشكيل "شراكة من أجل عالم خالٍ من الأسلحة النووية، للعمل على نزع السلاح النووي" وتدعو الكيانات الكاثوليكية الأخرى للانضمام إليها.

وفي الخلاصة، لعلها مصادفة تاريخية أو موضوعية، لا يهم، أن يبدأ البابا فرنسيس حبريته بالتنبيه والتحذير من التغير المناخي، ولهذا كانت رسالته الأولى "كُن مسبحاً"، والتي تهتم بشؤون وشجون المناخ.

ويأتي بعده البابا لاوون ليهتم بأمرين، غالب الظن، أنهما ما سيشكلان مستقبل العالم المقبل "الذكاء الاصطناعي والأسلحة النووية".

هل كانت رئيسة وزراء إسرائيل غولدا مائير على حق حين قالت لمدير الاستخبارات الإسرائيلية الخارجية (الموساد) تسفي زامير لدى زيارتها للمرة الأولى البابا بولس السادس إن "ساعة الفاتيكان تختلف عن ساعة العالم؟".

اقرأ المزيد

المزيد من تحقيقات ومطولات