Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الحسكة تغلق ملف تعطيش السوريين

أصبحت المدينة رمزاً لإمكان تحويل التفاهمات السياسية إلى مكاسب إنسانية تعزز الثقة بين دمشق والإدارة الذاتية

أنفق أبناء الحسكة لسنوات مبالغ طائلة من أجل شربة ماء (أ ف ب)

ملخص

بدا أول من أمس الأربعاء يوماً فاصلاً لسكان الحسكة مع الإعلان الرسمي بإعادة افتتاح محطة المياه، إذ توجه وفد حكومي رسمي رفقة محافظ الحسكة والمسؤولين المنضمين من الإدارة الذاتية إلى الحكومة السورية ودشن الجميع إعادة تشغيل المحطة بقدرة 19 بئراً من أصل 34 وخمس مضخات أفقية مع بركة تجميع رئيسة للمياه باتساع 12 ألف متر مكعب، وستؤمن المياه لنحو نصف مليون شخص في الحسكة.

منذ سبعة أعوام تقريباً دخلت الحسكة وريفها ونحو مليون شخص يقطنها تحت تأثير مضاعفات الحرب في مناطق شمال وشرق سوريا تمثل بصورة مباشرة في توقف محطة علوك الواقعة قرب مدينة رأس العين (سري كانيه) جراء العملية العسكرية التركية "نبع السلام"، إذ خرجت المنطقة من سيطرة قوات سوريا الديمقراطية وساد فيها الجيش التركي والفصائل السورية المتعاونة معها.

مع هذا التحول العسكري والسياسي عانى سكان الحسكة وريفها التي كانت تكتظ بالنازحين من انقطاع المياه التي كانت تصل إليهم من نحو 80 كيلومتراً عبر أنابيب الضخ من ريف رأس العين.

اتهامات متبادلة ووساطات

واستمر الانقطاع مع فترات قصيرة ومتقطعة من إيصال المياه بعد توسط المنظمات الإنسانية الأممية والدولية والمحلية مع أطراف الصراع، علاوة على تدخلات من القوى الدولية العظمى كالتحالف الدولي والقوات الروسية الموجودة في المنطقة إلا أن تلك المبادرات والتدخلات كانت تنتهي بالفشل وعدم استمرار عمل المحطة.

ظلت الإدارة الذاتية الكردية تتهم القوات التركية والفصائل العسكرية بمنعها تشغيل المحطة واستخدام المياه كورقة ضغط عليها، إضافة إلى السرقات التي طاولت المحطة وتعدي المتنفذين في تلك المنطقة على خطوط الكهرباء والمياه الواصلة واستخدامها في الزراعة والمنافع الخاصة. في المقابل كان الجانب التركي والفصائل الموالية له يتهمون قوات سوريا الديمقراطية (قسد) بقطع الكهرباء عن المحطة، بهدف إثارة الملف والاستفادة منه.

 

وما بين الاتهامات المتبادلة، كانت النتيجة دائماً واحدة وهي استمرار العطش في المدينة التي كانت تلجأ إلى حلول بديلة غير ناجعة ومكلفة، فقد عملت الإدارة الذاتية على استجرار المياه من مشاريع آبار في ريف الحسكة وكلفتها ملايين الدولارات من دون أي جدوى ليستمر السكان بشراء المياه ونقلها إلى منازلهم عبر الصهاريج، الأمر الذي كان يثقل كاهلهم بملايين الدولارات شهرياً وسوء حال المياه نفسها وتسببها بأمراض لدى الفئات الهشة من السكان والنازحين.

تجدد الأمل

خلال الأشهر القليلة الماضية مع تحسن العلاقات بين السلطات المحلية المتمثلة بقوات سوريا الديمقراطية والإدارة الذاتية والحكومة السورية، لا سيما عقب سير عملية الاندماج بين الجانبين تطبيقاً لاتفاق الـ29 من يناير (كانون الثاني) الماضي، عملت الجهات المعنية من الجانبين على تهيئة الظروف لإعادة عمل المحطة.

وبدا أول أمس الأربعاء يوماً فاصلاً لسكان الحسكة مع الإعلان الرسمي بإعادة افتتاح محطة المياه، إذ توجه وزير الطاقة ووفد حكومي رسمي رفقة محافظ الحسكة والمسؤولين المنضمين من الإدارة الذاتية إلى الحكومة السورية ودشن الجميع إعادة تشغيل المحطة بقدرة 19 بئراً من أصل 34 وخمس مضخات أفقية مع بركة تجميع رئيسة للمياه باتساع 12 ألف متر مكعب، وستؤمن المياه لنحو نصف مليون شخص في الحسكة، وفق ما قاله وزير الطاقة السورية محمد البشير.

عودة المياه واستمرارها

من جهته قال المهندس طاهر العمر، المدير العام للمؤسسة العامة لمياه الشرب والصرف الصحي، في حديث لـ"اندبندنت عربية"، إن أهمية محطة علوك تكمن في أنها المصدر الرئيس وشبه الوحيد للحسكة والريف المحيط لها، فتوقفها أدى إلى حرمان سكان المدينة والريف المحيط بها من الحصول على مياه الشرب الآمنة والاستعاضة عنها بمياه الصهاريج وغيرها، مما سبب أعباء صحية ومادية على المستفيدين في المحافظة.

وأشار العمر إلى أن وزارة الطاقة من خلال مؤسساتها المعنية، وبالتشارك مع بعض المنظمات الإنسانية، تعمل على استكمال أعمال تأهيل واستبدال ما تبقى من تجهيزات محطة مياه علوك خلال الأشهر المقبلة ليصلوا بها إلى الطاقة الإنتاجية العظمى للمحطة. وذلك عقب انتفاء أسباب توقفها خلال الأعوام الماضية التي كانت تقنية وغير تقنية، "ولكن مع تحرير سوريا انتفت بعض الأسباب واليوم ينتفي بعضها الآخر، وسنعمل بكل جهد لاستدامة ضخ المياه من المحطة لأهلنا في مدينة الحسكة وريفها".

 

من جهته كتب محافظ الحسكة نور الدين أحمد، عبر حسابه على منصة "إكس"، منشوراً قال فيه إن زمن الانتظار المر انتهى، وإن مياه محطة علوك تتدفق الآن نحو خزانات الحمة وتل تمر والهول، لتنهي سبعة أعوام عجاف من شح المياه.

ووجه كلماته لأهالي الحسكة قائلاً "نعلم حجم الوجع الذي عشتموه، ولن نسمح بأي استهتار أو تعد على خطوط الجر. فرقنا تتابع الضخ بدقة لضمان استقرار الشبكة، والعمل الميداني لن يتوقف حتى تروى كل أحياء المحافظة".

نقطة تحول الصراع

كما أن تشغيل المحطة يعد إنجازاً للحكومة والسلطات المحلية فإن ذلك يبعث شعوراً من الارتياح لدى المنظمات المدنية غير الحكومة العاملة في المنطقة، التي كانت على تماس ورصد دائم لمعاناة السكان من خلال تقاريرها ووساطاتها مع الجهات الفاعلة في الملف السوري.

وقال بلند ملا حسين، رئيس مجلس إدارة مؤسسة التعاون الإنساني والإنمائي والرئيس المشارك لمنتدى المنظمات غير الحكومية السورية، إن إعادة تشغيل محطة مياه علوك واستئناف ضخ المياه إلى مدينة الحسكة وريفها يمثل أحد أهم التطورات الإنسانية والخدمية في شمال شرقي سوريا منذ أعوام.

وأضاف "تعرضت المحطة منذ سيطرة الجيش الوطني السوري على منطقة رأس العين خلال أكتوبر (تشرين الأول) عام 2019، لسلسلة طويلة من التوقفات والانقطاعات، مما حرم أكثر من 1.3 مليون شخص من الحصول المنتظم على مياه الشرب، ودفع السلطات المحلية والمنظمات الإنسانية إلى الاعتماد على حلول إسعافية مكلفة لم تستطع تعويض المصدر الرئيس للمياه".

وأشار إلى أنه على امتداد الأعوام الماضية، بذلت الإدارة الذاتية، ووكالات الأمم المتحدة، واللجنة الدولية للصليب الأحمر، والمنظمات الإنسانية الوطنية والدولية، إلى جانب مبادرات وساطة مدنية متعددة، جهوداً كبيرة للحفاظ على استمرارية تشغيل المحطة، إلا أن تلك الجهود لم تنجح في الوصول إلى حل مستدام بسبب تعقيدات المشهد السياسي والأمني.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وأكد أن الحلول الحقيقة للقضايا الإنسانية والخدمية في سوريا لا تتحقق بالإجراءات الفنية وحدها، بل تتطلب توافقات سياسية تخلق بيئة تسمح باستعادة الخدمات الأساسية، مضيفاً أن التفاهمات بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية، ولا سيما اتفاق الدمج الموقع في الـ29 من يناير الماضي، شكلت نقطة تحول مهمة أسهمت في تهيئة الظروف لمعالجة ملفات كانت تبدو مستعصية، ومن بينها ملف محطة علوك.

وشدد ملا حسين على أن التجربة السورية أثبتت أن الاتفاقات المحلية، عندما تحظى بإرادة سورية ودعم إقليمي ودولي، يمكن أن تحقق نتائج ملموسة يشعر بها المواطن مباشرة، سواء في إعادة الخدمات الأساسية، أم تهيئة الظروف لعودة المهجرين، أم تعزيز التعافي والاستقرار. وهذا ما يجعل نجاح ملف علوك يتجاوز كونه إنجازاً خدمياً، ليصبح مؤشراً على إمكان تحويل التفاهمات السياسية إلى مكاسب إنسانية تعزز الثقة بين الأطراف والمجتمعات.

وختم بالتأكيد على أن ما تحقق اليوم ينبغي أن يكون نموذجاً يبنى عليه لمعالجة الملفات الأكثر تعقيداً خلال المرحلة الانتقالية، انطلاقاً من أن استعادة ثقة السوريين تبدأ بضمان حقوقهم الأساسية في المياه والكهرباء وحرية التنقل والعودة الآمنة، "وصولاً إلى بناء دولة مستقرة تقوم على الشراكة الحقيقية وسيادة القانون والحوكمة الرشيدة واحترام حقوق الإنسان".

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير