ملخص
قضايا المفقودين لا تنتهي بانتهاء العمليات العسكرية، بل تمتد لسنوات، وأحياناً لعقود، قبل أن تتمكن بعض الأسر من معرفة مصير ذويها أو استعادة رفاتهم. لذلك، فإن التعامل مع هذا الملف يتطلب إرادة سياسية، وضمانات قانونية، وآليات مستقلة للبحث والتحقيق، وليس مجرد استجابات إنسانية موقتة.
منذ اندلاع الحرب في السودان في أبريل (نيسان) 2023، برز ملف المفقودين بوصفه أحد أكثر جوانب الأزمة الإنسانية إيلاماً وتعقيداً، إذ تتوارى معاناة آلاف الأسر خلف أرقام الضحايا والنازحين، بينما يظل مصير الآلاف مجهولاً في ظل استمرار القتال واتساع رقعة النزوح والانهيار المؤسسي.
وفي أحدث مؤشر على حجم هذه المأساة، أعلنت اللجنة الدولية للصليب الأحمر أن عدد حالات الفقد المسجلة لديها ولدى الجمعيات الوطنية الشريكة تجاوز 11 ألف حالة، مع تأكيدها أن هذا الرقم يقتصر على الحالات التي أمكن توثيقها، ولا يعكس الحجم الكامل للظاهرة بسبب القيود الأمنية وصعوبة الوصول إلى مناطق واسعة من البلاد. وفي المقابل، قدرت المجموعة السودانية للدفاع عن الحقوق والحريات عدد المفقودين بنحو 50 ألف مفقود.
وتؤكد الأمم المتحدة وخبراء حقوق الإنسان أن الاختفاء القسري وفقدان الأشخاص باتا من أبرز الانتهاكات المرتبطة بالحرب، إلى جانب التهجير القسري، واستهداف المدنيين، والعنف الجنسي، وتجنيد الأطفال والشباب. وبين اختلاف الإحصاءات، تبقى الحقيقة الأكثر قسوة أن آلاف العائلات السودانية لا تزال تعيش على وقع الانتظار، تتشبث بأي خيط يقود إلى معرفة مصير أبنائها، في وقت تتسع فيه دائرة الغياب لتغدو واحدة من أكثر الكوارث الإنسانية المرتبطة بالحرب، وملفاً يتطلب استجابة عاجلة تتجاوز التوثيق إلى المساءلة والكشف عن الحقيقة وإنصاف الضحايا.
معاناة الأسر
في أحياء ود مدني بولاية الجزيرة التي أنهكتها الحرب، قبل استعادة الجيش السيطرة على المدينة، لا تبدو آثار الدمار وحدها شاهدة على ما جرى، فثمة بيوت لا تزال أبوابها مواربة انتظاراً لمن خرجوا ذات يوم ولم يعودوا. وبينما انحسر صوت المعارك، بقيت أخبار المفقودين معلقة، تحاصر عائلات لا تملك سوى الترقب والدعاء.
تستعيد فاطمة، وهي معلمة في الـ50 من عمرها، آخر اللحظات التي جمعتها بابنها أحمد، الطالب الجامعي، قبل أن يغادر المنزل خلال الأيام الأولى من الاشتباكات بحثاً عن دواء لجدته. وقالت "خرج وهو يطمئننا أنه سيعود خلال ساعة، لكن الساعات امتدت إلى أشهر".
ومنذ ذلك اليوم، تنقلت الأسرة بين المستشفيات ومراكز الإيواء ومقار المنظمات الإنسانية، وسجلت بلاغات لدى الجهات المختصة، غير أن جميع المحاولات انتهت إلى الإجابة ذاتها "لا معلومات مؤكدة عن مصيره". وتضيف "لم نعد نبحث عن تفسير لما حدث، بل عن خبر ينهي هذا الانتظار".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وفي أحد أحياء مدينة أمدرمان، يحتفظ الحاج عثمان بمفتاح متجر ابنه سامي، الذي اختفى أثناء محاولته إجلاء زوجته وطفلتيه إلى منطقة أكثر أماناً بعد اشتداد القتال.
وصلت الزوجة وابنتاها، أما سامي فلم يصل قط. وبعد عودة الأمن للمدينة، ظل والده يفتح المتجر الفارغ بين الحين والآخر، ينفض الغبار عن الرفوف ويغلقه من جديد، وكأنه يحرس وعداً بالعودة. ويقول "كلما سمعت عن إطلاق سراح مدنيين أو العثور على ناجين، أعتقد أن اسمه سيكون بينهم، بحثت في كل مكان حتى ثلاجات الموتى". وبين آلاف القصص المتشابهة، تبقى معاناة أسر المفقودين شاهدة على حرب لم تكتف بإزهاق الأرواح، بل خلفت وراءها غياباً مفتوحاً ينهش ذاكرة العائلات ويؤجل قدرتها على الحداد أو استئناف الحياة.
مهمة شاقة
يرى الناشط الحقوقي ياسر عبدالحافظ أن ملف المفقودين في السودان يعكس أحد أكثر التداعيات الإنسانية تعقيداً في هذه الحرب، موضحاً أن اختفاء الأشخاص لا يرتبط بسبب واحد، بل يتداخل فيه طيف واسع من الاحتمالات، بدءاً من الوفاة التي لا تتمكن العائلات من توثيقها أو التأكد منها، مروراً بتشتت الأسر خلال موجات النزوح وفقدان الاتصال بين أفرادها، وصولاً إلى حالات الاحتجاز أو الاختفاء القسري.
ويؤكد أن هذه العوامل مجتمعة تجعل الوصول إلى الحقيقة مهمة شاقة، لا سيما في ظل غياب آليات فاعلة للتوثيق وتعطل مؤسسات الدولة في مناطق واسعة من البلاد.
ويشير عبدالحافظ إلى أن قضايا المفقودين تظل من أكثر الملفات استعصاء على الحل، إذ لا تنتهي بانتهاء العمليات العسكرية، بل تمتد لسنوات، قبل أن تتمكن بعض الأسر من معرفة مصير ذويها أو استعادة رفاتهم. لذلك، فإن التعامل مع هذا الملف يتطلب إرادة سياسية، وضمانات قانونية، وآليات مستقلة للبحث والتحقيق، وليس مجرد استجابات إنسانية موقتة.
ويضيف الناشط الحقوقي أن الأمم المتحدة واللجنة الدولية للصليب الأحمر وعدداً من المنظمات الإنسانية والحقوقية ظلت توجه نداءات لحماية المدنيين، والكشف عن مصير المفقودين، وضمان احترام قواعد القانون الدولي الإنساني، إلا أن هذه الدعوات لم تترجم، حتى الآن، إلى إجراءات ملموسة تحد من الانتهاكات أو تكفل المساءلة.
في المقابل، تواصل المنظمات الإنسانية تقديم الدعم النفسي والاجتماعي لأسر المفقودين، إلى جانب مساعدتها في توثيق البلاغات وتقديم المشورة القانونية ومتابعة الشكاوى، غير أن محدودية الاستجابة تبقي هذا الملف مفتوحاً، وتفاقم معاناة آلاف الأسر التي لا تزال تنتظر إجابة عن اختفاء أفرادها.
خطوط البحث
مع اتساع رقعة الحرب، تحولت منصات التواصل الاجتماعي إلى خطوط بحث طارئة عن المفقودين، تتقاطع فيها نداءات الأسر مع جهود المتطوعين لتجميع الخيوط المتناثرة. وفي قلب هذه الجهود برزت مبادرة "مفقود"، التي بدأت عام 2019 عقب أحداث فض اعتصام ميدان القيادة العامة للقوات المسلحة، حين تصاعدت آنذاك بلاغات الاختفاء القسري، قبل أن تتطور لاحقاً إلى "مركز ضحايا الاختفاء القسري - مفقود"، وهي مبادرة تعمل على توثيق حالات الاختفاء، ومساندة الأسر، وبناء قاعدة بيانات تساعد في تتبع المفقودين. وحتى عام 2025، وثقت المبادرة نحو 990 حالة اختفاء قسري، من بينها 95 امرأة وما لا يقل عن 50 طفلاً.
وتقول عضو المبادرة سحر إسماعيل، إن العمل يبدأ غالباً من رسالة مقتضبة تصل عبر وسائل التواصل تحمل اسماً وصورة وتاريخاً أخيراً للمشاهدة. بعدها يتولى فريق من المتطوعين مراجعة البلاغ، ومقاطعته مع إفادات شهود وبلاغات أخرى وما يتوفر من معلومات شحيحة، قبل التواصل مع منظمات إنسانية ومحامين وشبكات محلية في الولايات المختلفة.
وتضيف "في بعض الأحيان ننجح في إعادة شخص لأسرته بعد أشهر من انقطاع أخباره، لكن كثيراً من الملفات تبقى مفتوحة إذا فشلت المحاولات". وتؤكد أن أصعب ما يواجه فريق المبادرة ليس فقط نقص المعلومات، بل أيضاً العبء النفسي الناتج من التعامل اليومي مع أسر تتشبث بأي خبر.
ومع تنامي هذه الجهود، برز تحد آخر يتمثل في استغلال معاناة الأسر. فبحسب إسماعيل، يتعرض ذوو المفقودين لموجة من عمليات الاحتيال والابتزاز عبر اتصالات مجهولة، يدعي أصحابها امتلاك معلومات عن المفقودين أو القدرة على إطلاق سراحهم في مقابل مبالغ مالية.
وتؤكد أن المبادرة وثقت عشرات الشكاوى من هذا النوع، محذرة العائلات من الاستجابة لهذه المطالب أو تحويل أي أموال من دون تحقق، ومشددة على أن البحث عن المفقودين يجب أن يمر عبر القنوات الموثوقة والجهات الإنسانية المختصة، بالتوازي مع مواصلة المطالبة بالكشف عن مصير جميع المفقودين والإفراج عن المحتجزين تعسفاً.
تحديات محيطة
يرى بعض المسؤولين أن التحدي لا يقتصر على البحث عن المفقودين، بل يبدأ من صعوبة بناء صورة دقيقة لحجم الظاهرة. فضعف شبكات الاتصال، واستمرار العمليات العسكرية، وتعذر الوصول إلى مناطق واسعة، إلى جانب تراجع فاعلية المؤسسات العدلية وأجهزة إنفاذ القانون في عدد من الولايات، كلها عوامل تقوض جهود التوثيق والتحقق، إضافة إلى تردد بعض الأسر في الإبلاغ عن حالات الفقد، ولا سيما عندما يتعلق الأمر بالنساء والفتيات.
وفي هذا السياق، كشفت وزيرة الدولة للرعاية الاجتماعية سليمى إسحاق، في وقت سابق، أن عدد النساء المفقودات المبلغ عنهن تجاوز 600 امرأة منذ اندلاع الحرب، موضحة أن هذا الرقم لا يمثل بالضرورة الحصيلة الفعلية، إذ تحجم بعض العائلات عن الإبلاغ لأسباب اجتماعية وخشية الوصم، مما يجعل حجم الظاهرة أكبر من البيانات المتاحة.
وأضافت أن اختفاء النساء لا يقتصر أثره فيهن، بل يمتد إلى مئات الأطفال الذين فقدوا أمهاتهم أو معيلاتهم، بما يفاقم الأعباء الإنسانية والاجتماعية على الأسر والمجتمعات المحلية.
ويرى مختصون أن الأولوية لم تعد تقتصر على تحديث قوائم المفقودين، بل تستلزم إنشاء آلية وطنية مستقلة لتسجيل الحالات والتحقق منها، وربطها بجهود الطب الشرعي والنيابة العامة والمنظمات الإنسانية، مع ضمان حق الأسر في الوصول إلى المعلومات، وإجراء تحقيقات فعالة في حالات الاختفاء القسري، بما يتماشى مع أحكام القانون الدولي الإنساني.
وتشير التجارب إلى أن قضية المفقودين لا تقاس بعدد الملفات المغلقة، بل بقدرة الدولة والمجتمع على الكشف عن الحقيقة، وإنصاف الأسر، وترسيخ حق الضحايا، إذ يبقى الغياب المجهول من أطول آثار الحروب عمراً، وأكثرها قسوة على من ينتظرون.