ملخص
يحظى ملف المياه باهتمام متزايد في لبنان من بوابة الأخطار الجمة التي تعترض هذا القطاع الحيوي، وتشير التجربة الواقعية إلى اضطرار المواطن اللبناني العادي إلى دفع ثلاثة فواتير لكل من الدولة، ومورد مياه الصهاريج، ولشركات المياه المعبأة.
وتتعرض صحة اللبنانيين لمشكلات صحية متعددة بفعل حالة الفوضى وضعف الرقابة على عمليات المعالجة والتعبئة والتوزيع، وزيادة أخطار التلوث الجرثومي والكيماوي.
تعصف بالمواطن اللبناني "أزمة ثقة مائية" تنعكس على سلوكه الاستهلاكي، فهو من جهة يشكو دفع ثلاثة فواتير ماء شهرياً، ولكنه في المقابل يعبر عن شكوك كبيرة بخدمة المياه العامة، مما يدر الأرباح في جيوب مستثمري المياه في مختلف المناطق اللبنانية، إذ تشهد القرى والأحياء على تكاثر مزودي هذه السلعة الحيوية، مستغلين حالة القلق وانعدام الثقة بالمؤسسات العامة، وهو ما لمسته "اندبندنت عربية" خلال بحث ميداني شمل سبع مناطق لبنانية، في محاولة لتكوين تصور عام حول علاقة اللبناني بالخدمة العامة ومخاوفه من انعكاس التلوث على صحته، إذ قدم المستطلعون جواباً شبه موحد، "نحن نشتري المياه من الشركات الخاصة، ولا نجرؤ على استخدام مياه الدولة بسبب الخوف على سلامتنا وسلامة أطفالنا". تقول فاطمة وهي أم لطفلين، تقطن في المنية بشمال لبنان، "منذ سبع سنوات، وأنا أشتري المياه من مصدرين اثنين حصراً، وخصوصاً بعد تفشي الكوليرا من جديد بسبب تلوث المياه، إذ عاينت إصابة جيراني بحالات من الإسهال والإعياء في ظل انقطاع الكهرباء وتوقف محطات التكرير عن العمل"، فقد أثبتت الاختبارات في حينه تسرب مياه المجارير والصرف الصحي إلى مصادر المياه العامة، وهو ما أدى إلى انتشار ذلك الفيروس مجدداً في شمال لبنان.
أما في قضاء الكورة (شمال)، فيلجأ المواطنون لتعبئة المياه من مؤسسات خاصة لتنقية المياه، من دون اللجوء إلى مياه الدولة، وتشير السيدة "ملكة" إلى أنها لا تشرب مطلقاً مياه الدولة، ولا مياه بئر المبنى بسبب مجارير الصرف الصحي العشوائية للمباني المجاورة، وإنما تستهلك المياه المعبأة، كاشفة عن أنه "لسنوات كانت بعض البنايات تسحب مياه الصرف الصحي، وترميها في البساتين، وما أدراك ما هو تأثيرها في خزانات المياه الجوفية، قبل تدخل البلدية ومحاولة إنشاء أقنية جر للمجارير باتجاه البحر". وتضيف "أشتري ستة غالونات كبيرة أسبوعياً للشرب والطبخ، ولا أستخدم مياه الشفة إلا للاستحمام والجلي والغسيل".
أما بسام المقيم في الضنية (شمال)، فيقول "منذ أربع سنوات امتنع عن شرب المياه من صنابير الدولة بسبب النسب العالية من الكلس، إذ خضعت خلال سنوات قليلة لعمليتي تفجير الحصاة في الكلى. كما أن المياه تصل ملوثة فيزيائياً في كثير من الأحيان، إذ تترسب في أسفل الكوب كميات من الرمل أو العكر".
في ساحل الناعمة (منطقة الشوف ضمن محافظة جبل لبنان)، تستمر الخشية من مياه الشفة، إذ لجأ كثيرون إلى إلغاء الاشتراك بمياه الدولة، واستبدالها بشرائه من مؤسسات خاصة، ولكن يختلف المشهد نسبياً في المناطق العليا جبل لبنان، تشير روجينا من قرية مجدلبعنا إلى استمرار تزويد قرى قضاء الشوف بمياه الشفة، ولكن اللافت بكلامها هو أن "الناس تستخدم المياه بناء على توجيهات مأمور المياه في القرية، فعندما تكون نوعيتها جيدة يبلغنا باستعمالها، أو التوقف موقتاً عن استخدامها إلى حين زوال خطر التلوث أو استخدام الكلور لتعقيمها"، فيما "يسلم كثيرون أمرهم للقدرة الإلهية، ويلجأون إلى غلي المياه اعتقاداً منهم بأنها تطهره من أي تلوث"، منوهة إلى أن "الأهالي ينتظرون مياه نبع الباروك، ولكن عندما تنقطع يضطر الناس إلى شراء الماء للضرورة خلال الصيف. ولكن الصيف الحالي أحسن من سابقيه، بسبب غزارة الأمطار خلال فصل الشتاء الماضي".
"المياه المربحة"
يتضح أنه في مناطق الشمال ومحافظة عكار وبعض مناطق جبل لبنان الأعلى، يعتمد الأهالي بصورة نسبية على المياه العامة التي تستفيد من الخزانات الجوفية، ولكن المشهد ينقلب في بيروت الكبرى، حيث يعتمد المواطنون بصورة مطلقة على الخدمة الخاصة من ألفها إلى يائها. تختصر السيدة رباب المشهد بصورة حاسمة فتقول "خلال 50 عاماً من سكني في بيروت، لم أر ماء الشرب بالصنبور العمومي". والمشهد نفسه تعيشه أحياء الشياح والضاحية الجنوبية، إذ يخصص المواطنون موازنة خاصة للمياه، فهم يشترون غالونات المياه المعالجة للشرب، إضافة إلى الصهاريج من أجل الاستحمام والغسيل، إذ يشعر المواطنون بملوحتها العالية ورائحتها القوية، وهو ما يثير تساؤلات حول مصدرها ونظافتها.
وتنتقد رباب "انتشار محال تعبئة المياه في الأحياء، وهي أماكن مشبوهة وغير مرخصة تعوزها النظافة والجودة".
من جهتها، تؤكد غدير التي انتقلت أخيراً للعيش في مدينة زحلة (البقاع، شرق لبنان) بعد سنوات من الإقامة بين بيروت وبعلبك، "أنا مستعدة لشراء المياه بأي سعر، ولا أعبأ لما يطلب البائع من أجل صحتي وصحة بناتي، ولكنني في المقابل غير مستعدة لأستخدم ليتر من المياه المشكوك بأمرها". وتلفت "حفرنا بئراً في بعلبك حيث بيت العائلة، ولكن اكتشفنا أن معدلات الكلس فيه مرتفعة، فاضطررنا إلى شراء مياه جيدة من شركات مشهورة ومرخصة حصراً".
يشير الخبير الهيروجيولوجي سمير زعاطيطي المقيم في بيروت، إلى "تفاوت التلوث في لبنان على ضوء التوزع الجغرافي للمناطق"، إذ يتحدث عن رحلة أسبوعية يقوم بها إلى نبع القاع القريب من نيحا ونبع الصفا في منطقة الشوف لملء مجموعة من العبوات المنزلية بسبب نوعيتها الجيدة، ولتعويض عدم وجود مياه شرب في بيروت.
ويرى زعاطيطي أن "الأمراض والأعراض الصحية والإسهال سببها المياه في المناطق الحضرية، وما كانت تعرفها القرى في جرود الضنية وجبيل وجبل لبنان وغيرها، ولكن مع التوسع العمراني وإقامة الجور الصحية فوق الينابيع ظهر التلوث، ناهيك بفقدان الرقابة، وصولاً إلى تلويث مصادر المياه كافة، سواء أكانت من البحر المتوسط بالنسبة إلى المدن الساحلية، أم تلويث نهر الليطاني في البقاع". ويحذر من "أخطار التلوث بشقيها الجرثومي والكيماوي، إذ يتعرض 'نهر الكلب' في جبل لبنان لتلوث كيماوي شديد بفعل رمي المصانع لفائض المياه المجمع لديها".
كما يشكك زعاطيطي بسلامة مياه الصهاريج "وبالتالي من الطبيعي ملاحظة كل الأمراض والإصابات المعوية والجلدية"، لأن "الصهريج يأتي بالمياه، ولكنه لا يقدم نتائج لتحليل مخبري بسبب تقصير الدولة وملء المياه من مصادر غير معالجة، فتتسبب بأضرار صحية في حال استخدامها حتى في الجلي والاغتسال".
في الموازاة، يدق زعاطيطي جرس الإنذار بالنسبة إلى مياه الجنوب اللبناني بعد الحرب الضارية، "التي تحتاج إلى تحاليل مخبرية جرثومية وكيماوية طارئة لتحديد الوضع الحقيقي للمياه السطحية والجوفية، وتقدير تأثير التفجيرات الضخمة التي قام بها الإسرائيلي على نوعية المخازن الجوفية للمياه، في ظل المخاوف من استخدام بعض العناصر على غرار اليورانيوم المنضب"، مستشهداً بتجربة مقالع عرسال (البقاع) وتأثيرها في نوعية المياه وتسرب النيترات إلى الينابيع.
جواب صريح
وحاولت "اندبندنت عربية" الحصول على جواب واضح حول وضع مياه الشرب في لبنان، إذ أفادت أوساط وزارة الطاقة والمياه بأن مشكلة المياه مشكلة مركبة في البلاد، وهناك مشكلة تتعلق بالكمية التي يزداد الطلب عليها، وأخرى بالنوعية وتعدد مصادر الخطر والتلوث ووجود مستعمرات جراثيم خطرة يصعب معالجتها في بعض شبكات لبنان مثل "بكتيريا البسودوموناس التي تهدد حياة أصحاب المناعة الضعيفة والمرضى، التي لا يمكن معالجتها باستخدام الكلور. وتشير أوساط الوزارة إلى "محاولة مصالح المياه في المناطق تحسين الخدمة المقدمة للمواطنين، إلا أنها لا تمتلك القدرات والمختبرات الكافية والفرق البشرية المدربة".
وتشير وثائق رسمية إلى أنه من أصل ما يزيد على 180 مؤشراً للاختبار، لا تجري مصالح المياه في لبنان أكثر من 22 اختباراً، وهي لا تتضمن الفحص لآثار المبيدات الزراعية، إذ تعد مصلحة المياه في الشمال هي الأفضل مقارنة ببقية المصالح في المناطق.
يعتقد متابعون للملف أن الجزء الكبر من المشكلة يكمن في دمج المؤسسات استجابة لمطلب صندوق النقد الدولي، ومحاولة العودة للمركزية المطلقة في التعاطي مع ملف المياه، وحصر الصلاحيات بمكتب وزير الطاقة والمياه على حساب المصالح المستقلة في المناطق. ففي السابق، كان في محافظة الشمال مثلاً، سبعة مصالح مستقلة للمياه على مستوى الأقضية، كانت كل واحدة تقوم بفحوص جرثومية وكيماوية للعينات من مصادرها المائية، مما منحها القدرة على اكتشاف أي تلوث طارئ ومن ثم التعامل معه بصورة مباشرة. ولكن بعد دمج المصالح، أصبح هناك مركزية للقرار، وحاجة إلى انتظار القرار المركزي الروتيني، وهو ما يجب، بحسب المتابعين، إعادة النظر به ومنح الصلاحيات للمصالح من أجل تحسين الرقابة على مصادر المياه، إضافة إلى تدريب الموظفين على التعامل مع أشكال التلوث الطارئة كافة.
أما على مستوى آثار تلك الملوثات على صحة المواطن، فيلفت الدكتور عماد قصعة المتخصص بسلامة الغذاء والأمراض الجرثومية، إلى "خطورة الملوثات الكيماوية التي لا يفطن إليها كثيرون، إذ ينصب الاهتمام على الفيروسات والميكروبات في الماء، فيما يتجاهل الفاعلون الملوثات الكيماوية والمعادن الثقيلة البعيدة الأجل، إذ تتأخر آثارها في الظهور لسنوات عدة، بخلاف الأعراض الناجمة عن التسمم الجرثومي التي تظهر سريعاً على شكل إسهال واستفراغ وإعياء، وهذا ما يفسر انتشار بعض الأمراض السرطانية والأمراض المزمنة الأخرى". ويشير القصعة إلى "اتساع دائرة التلوث الكيماوي مع انتشار الاستخدام غير الموجه للأسمدة والمبيدات والمواد الكيماوية، التي لا يرصدها الباحثون في عمليات الكشف، التي بات تطويرها ضرورة، تحديداً في المناطق الساحلية وأماكن وجود المصانع والمنشآت الكبرى".
من جهته، يعبر المدير السابق لمصلحة مياه طرابلس (شمال) كمال مولود، عن ثقته بالمياه العمومية وشربها في منزله، لأنها تعالج بطريقة أفضل من تلك التي يبيعها التجار غير الخاضعين للمراقبة، التي لا توجد جهة رسمية تقوم بالتفتيش وإجراء الاختبارات لها.
ويعتقد مولود أنه "لا يمكن معالجة ملف مياه الشرب في لبنان بوصفه وحدة موحدة بسبب وجود تغذية مستقلة لكل منطقة من المناطق، إذ تعتمد كل منطقة على مخازنها الجوفية ومجاريها السطحية"، معتبراً أن "الوضع في طرابلس أحسن مقارنة بالمناطق الأخرى، لأن المياه تخضع للترسيب والتعقيم، وتعالج المصافي 70 ألف متر مكعب يومياً، ولكن الأمر لا ينطبق على المناطق الأخرى أو تلك المحيطة".
ويرى مولود أن "عدم الثقة بالدولة يقود إلى عدم الثقة بخدماتها، والناس يعتقدون أن من يعمل أمراً صالحاً في الإدارة العامة هو بمثابة الاستثناء"، والأمر يقود إلى زيادة استهلاك المياه المعبأة التي تفتقر في كثير من الأحيان للشروط الصحية، وتسيطر عليها مؤسسات غير مرخصة بفعل الفوضى في القطاع بفعل "انتشار دكاكين المياه غير المرخصة وتعرض أنظمة الفلترة (التنقية) لديها للتلوث ووجوب إلزامها بالتحليل اليومي للمياه"، كاشفاً عن "قيام بعض الموردين في الأحياء بتركيب نظام فلترة مخادع وتزويد الزبائن بمياه مصدرها الحقيقي الدولة".
الفحوصات "ليست للجميع"
تتعدد مصادر المياه في لبنان، فتأتي مياه الدولة في المقام الأول، ومن ثم هناك الشركات الكبرى المرخصة بموجب مرسوم جمهوري، ولكن خلال العقدين الماضيين انتشرت ظاهرة مزودي المياه في المناطق والأحياء، إذ يفيد بعض منهم بأنهم يحاولون سد النقص في خدمات الدولة، على غرار ما يفعل أصحاب مولدات الكهرباء الخاصة بمواجهة انقطاع التيار العمومي. ويلجأ مزودو المياه إلى استخراج المياه من الآبار، ومن ثم معالجتها بواسطة أنظمة تنقية يركبونها. يروج هؤلاء خدماتهم بأنها "أرخص وأحسن" على قاعدة المثل اللبناني "شريك الماء لا يخسر"، وقد أخبرنا مواطنون أنهم يقومون بملء عبوات المياه الكبيرة (10-15 ليتر) لقاء 50 ألف ليرة لبنانية، أي نحو نصف دولار أميركي. وتشير السيدة سمر من أمام أحد مراكز التعبئة وهي تحمل عبوة قديمة، تبدل لونها واختلت معالمها، "تعودنا على شراء الماء من هنا، وهي بالتأكيد أفضل من تلك المستخرجة من بئر البناء السكني، فهي تخضع للمعالجة بواسطة الفلتر". ولكن يبقى السؤال الحقيقي حول خضوع تلك المؤسسات غير المرخصة والموجودة بحكم الأمر الواقع، للرقابة العامة.
يصنف مدير مختبرات غرفة التجارة والصناعة الدكتور خالد العمري مياه الشرب في لبنان ضمن مستويات وأنواع مختلفة، فهناك المياه العمومية المقدمة من مصالح المياه الإقليمية التي تستقدم المياه من ينابيع أو آبار، وتعالج في مصلحة تكرير المياه لتنقيتها من الشوائب ومن ثم إضافة نسبة من الكلور قبل ضخها إلى المشتركين بعد معالجتها جرثومياً وفيزيائياً، مستدركاً "أن الناس لا يحبون الشرب منها لسبيين، فهم ينطلقون من نظرة سلبية إلى الخدمات العامة، ويشككون في عمل الدولة، على رغم أنه في مناطق مثل طرابلس، تم تجديد البنى التحتية في 2016 لكل من مياه الشفة والصرف الصحي، وهو ما يحول دون التسربات أو التلوث بسبب الفيضانات. كما أن هناك سبب آخر، يعود لطبيعة مياه لبنان الكلسية بسبب الصخور الجيرية، إذ يكون طعمها ثقيلاً بسبب تتجاوز نسبة الكلس ضعف النسبة في المياه المعالجة، فتبلغ 350 ميليغراماً عوضاً عن 120 ملغ في الليتر". كما يتطرق إلى استخدام الدولة الكلور بنسب عالية مستدامة لتتحقق من معالجة الجراثيم في الأقنية لمدة طويلة، فعوضاً عن استخدام 0.3 في المئة لكل ملغ بالليتر، تضخ المصالح ضعف هذه الكمية، وهو ضمن المعدل المسموح علمياً".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
كما ينوه العمري إلى "المياه المعالجة والمعبأة" في لبنان، التي يستهلكها اللبنانيون على نطاق واسع، إذ تقوم الشركات الكبرى بتنقية تلك المياه، وتعدل بعض خصائصها وكمية المعادن والأملاح لجعلها مستساغة للشاربين. وتخضع تلك المياه للعلاج على مستويات عدة، البداية مع الكلور، ومن ثم إزالة الشوائب، وصولاً إلى مرحلة العلاج بالفحم للحفاظ على الطعم واللون وإزالة الكلور المضاف والمعادن الثقيلة، قبل اللجوء إلى مرحلة التناضح العكسي، إذ تقوم الأغشية بإعطاء المياه المقطرة المنزوعة من المعادن، لتعود وتخلطها مع مياه الأساس وفق معدلات معينة للمعادن والكلس وذات مذاق شعبي.
في المقابل، يقارن العمري بين "المياه على أساس مرخصة وخاضعة للرقابة، وأخرى تعمل استجابة لضرورات الواقع. ففي الحالة الأولى، هناك شركات حاصلة على ترخيص جمهوري، ولديها مختبرات ومعامل للمعالجة وإنتاج العبوات بصورة شرعية. أما في الحالة الثانية، هناك القطاع غير الشرعي الموجود بسبب الحاجة والطلب الكبير، إذ ظهرت الدكاكين التي تلجأ إلى تركيب أنظمة المعالجة، أحياناً بمساعدة معلمي الأدوات الصحية، ويفتقر هؤلاء للمعرفة ولكثير من الضوابط، كما أن الدولة اللبنانية لا تقوم بواجباتها بما يكفي". ويوضح "نحاول في المختبرات بالتعاون مع مصلحة حماية المستهلك بعمليات تفتيش مفاجئة والحصول على عينات من مراكز تعبئة المياه وتشجيعهم لإرسال عينات أسبوعية إلى المختبر لتحليلها، وصولاً إلى توقيع محاضر ضبط بالمخالفين، ولكن هذا لا يكفي بسبب عدم التزام كثيرين بالشروط الصحية، أو استخراج المياه من آبار ملوثة، أو وضع العبوات في مكان غير صحي، ناهيك بوجود خلل بالنظام وعدم استخدام الكلور بطريقة علمية، أو أن العمال يتعاطون مع المياه بطريقة غير دقيقة، إذ يمتزج عرق الصيف والبكتيريا بالعبوات صيفاً".
يكشف العمري عن وجود مستويات تلوث كيماوية عالية في آبار المياه الجوفية في منطقة سهل عكار، ويعزوها إلى الاستخدام المفرط للسماد الحيواني – زبل البقر والدجاج - وهو سماد يحتوي على نسب عالية من الأزوت والنيترات، إضافة إلى اليوريا (الأمونيوم نيترات) وتتسرب تلك الملوثات الكيماوية إلى الجوف بفعل الأمطار والري الكثيف بالمياه.
وأثبتت الاختبارات أن الآبار في تلك المنطقة ملوثة بمستوى أربع إلى خمس أضعاف المسموح من النيترات، فعوضاً من 45 ملغ بالليتر، أظهرت العينات 150 إلى 300 ملغ بالليتر، وتكررت هذه النتيجة خلال السنوات المتكررة. وينصح المتحدث المزارعين بالتوقف لفترة كافية عن استخدام تلك الكميات من الأسمدة ريثما تتجدد المياه، وتمتلء الآبار بمياه الثلوج الجديدة.
ضحية التوسع العمراني
يمكن النظر إلى مشكلة مياه الشرب والأخطار الناجمة عنها بوصفها انعكاساً لمشهد أوسع من التلوث وسوء التخطيط، ويتوقع الأكاديمي والخبير في قطاع المياه، الدكتور كمال خزعل، تفاقم تلك الأزمة مستقبلاً في ظل التفجر السكاني، وازدياد انتشار دكاكين المياه التي لا تحترم الشروط الصحية والبيئية، و"بات كل شخص يركب صنبوراً أسفل درج منزله، ويبدأ بتعبئة وتوزيع المياه من دون حسيب أو رقيب". ويرجح حدوث "كارثة أكبر" بسبب سوء إدارة المياه رسمياً وشعبياً على حد سواء، إذ تفتقر مصالح المياه إلى خطط استراتيجية لمواجهة التزايد السكاني، لافتاً إلى "تضاعف عدد السكان في المناطق المرتفعة الخصوبة كالضنية وعكار، مع بقاء الموارد ومصادر المياه هي نفسها، وهي بالتالي مهددة بالخطر. فعلى سبيل المثال، تمتلك طرابلس ثلاثة مصادر للمياه، كلها مهدد بالشح ووضع اليد والتلوث، عبر نبع رشعين ونبع وادي هاب وأبو حلقة، وتبدأ المشكلة مع نبع رشعين ومحاولة وضع اليد عليه في زغرتا، ولولا نبع أبو حلقة في محلة البحصاص لعاشت المدينة أزمة كبيرة"، محذراً من "الحفر العشوائي لآبار المياه الحلوة تحت المباني الحديثة، إذ يؤدي سحبها إلى تكرار مأساة بيروت في تسرب المياه المالحة إلى المخازن الجوفية أسفل المدينة. والأمر نفسه مع جفاف ينابيع القموعة والجومة في عكار بسبب إقامة محطة توزيع مياه من الوزارة، إذ تسحب كميات أعلى بكثير من قدرة تجديد الآبار الجوفية نفسها".
ويقترح خزعل تكليف جهاز علمي وفني مختص من أجل وضع استراتيجية وطنية لإدارة المياه في لبنان، معتبراً أن "المشكلة ليست في كميات المياه والمتساقطات، وإنما في كيفية التعامل معها"، متسائلاً "هل يعقل الاستمرار بالتعمية وضخ المجارير في الأنهار والبحر؟ وهل مقبول تحول الأنهار إلى مجاري للمجارير؟"، ويضيف "محظوظون من يقطنون القرى الموجودة في المرتفعات، وأقل حظاً من يسكن في تلك التي تنصب نحوها مياه الصرف الصحي. ويطالب خزعل المواطنين بالتعامل مع المياه بوصفها "شيئاً مقدساً ومصدراً أول للحياة" ووقف الفوضى العمرانية، والتنبه إلى الفاتورة العالية للمياه، التي تعتبر من الأعلى عالمياً، إذ يدفع المواطن المبالغ العالية لمياه غير آمنة في ظل قطاع متفلت من أي ضوابط أو رقابة وغياب البلديات والمؤسسات الأمنية.
من جهته، يدعو الخبير الهيدروجيولوجي سمير زعاطيطي إلى إيلاء الأهمية الكبرى للمياه الجوفية في لبنان، ومنع عمليات التلويث المتصاعدة، مستعيداً مقولة العالم إبراهيم عبدالعال، "جبالنا مخازن حقيقية للمياه"، بسب امتلاك لبنان لكميات مياه فوق حاجته المقدرة، إذ تحظى البلاد سنوياً بـ3 مليارات متر مكعب غالبها مياه جوفية، وفي حال عدم الاستفادة منها ستشكل خسارة كبيرة، وستسنزف بواسطة 14 نهراً سطحياً في مختلف المناطق.