Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مذكرة التفاهم وانقسام النظام الإيراني

التصعيد الإعلامي والاعتصامات وتهديدات النواب تتنازع المناخ العام في طهران

سيدة إيرانية ترفع هاتفها وفي الخلفية صورة لخامنئي (أ ف ب)

ملخص

 تتمثل أبرز نقاط الخلاف في الرسالة المنسوبة إلى مجتبى خامنئي، والتي جاء فيها أنه كانت لديه، من حيث المبدأ، وجهة نظر مختلفة في شأن نص مذكرة التفاهم مع الولايات المتحدة، لكنه وافق في نهاية المطاف على مواصلة المفاوضات، استناداً إلى تقدير رئيس المجلس الأعلى للأمن القومي الرئيس مسعود بزشكيان.

بالتزامن مع إعلان جولة جديدة من المفاوضات بين النظام الإيراني والولايات المتحدة في الدوحة، باتت الانقسامات داخل بنية السلطة في إيران أكثر وضوحاً من أي وقت مضى، ولم تعد هذه الخلافات تقتصر على الاجتماعات المغلقة للمجلس الأعلى للأمن القومي، أو ما يدور خلف أبواب البرلمان وبيت المرشد، بل امتدت إلى الشارع والهيئات الدينية وهيئة الإذاعة والتلفزيون والحوزات العلمية ومجلس خبراء القيادة والحرس الثوري، وحتى إلى بعض المقربين من بيت المرشد السابق للنظام الإيراني علي خامنئي.

يتمحور هذا الانقسام حول مذكرة التفاهم مع الولايات المتحدة التي يقدمها كل من رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف وحكومة الرئيس مسعود بزشكيان، بوصفها مدخلاً لإنهاء الحرب واستعادة الاستقرار، في حين تنظر إليها قطاعات من القاعدة الأيديولوجية والعسكرية للنظام باعتبارها تراجعاً أو "كأس سم" جديدة، بل وتجاوزاً لرؤية المرشد الجديد مجتبى خامنئي.

وتتمثل أبرز نقاط الخلاف في الرسالة المنسوبة إلى مجتبى خامنئي والمؤرخة في الـ 19 من يونيو (حزيران) الجاري، والتي جاء فيها أنه كانت لديه، من حيث المبدأ، وجهة نظر مختلفة في شأن نص مذكرة التفاهم مع الولايات المتحدة، لكنه وافق في نهاية المطاف على مواصلة المفاوضات، استناداً إلى تقدير رئيس المجلس الأعلى للأمن القومي مسعود بزشكيان، وسرعان ما تحولت هذه العبارة المقتضبة والملتبسة إلى أداة سياسية بيد معارضي الاتفاق، فكتب عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان، وأحد أبرز وجوه التيار الرافض للتفاهم، محمود نبويان، أمس الإثنين، أنه إذا رأى المسؤولون وجود مصلحة معينة، بينما كان للمرشد رأي مغاير، فإن تلك المصلحة لا تعدو أن تكون عين المفسدة، فيما قال حسين يكتا، وهو أحد قادة الحرس الثوري في مدينة قم، إنه لا ينبغي السماح بفرض كأس سم جديدة على النظام الإيراني، وتساءل إمام جمعة مشهد، أحمد علم الهدى، في خطبة الجمعة الماضية، كيف يمكن للمفاوضين أن يعقدوا اتفاقاً مع قاتل الإمام الشهيد؟

ولم يقتصر هذا الخطاب على الشخصيات السياسية، إذ أصدر "مركز إدارة الحوزات العلمية" بياناً حذّر فيه من أنه في حال أقدمت الولايات المتحدة على أدنى خرق لتعهداتها، فإن الانسحاب من المفاوضات يصبح واجباً شرعياً وعقلياً وقانونياً، داعياً إلى توجيه رد قاس، ورأى المركز أن الرسالة المنسوبة إلى المرشد مجتبى خامنئي تعكس اختلافاً في وجهة نظره مع أعضاء المجلس الأعلى للأمن القومي حول مذكرة التفاهم، في تفسير يعكس انتقال الخلاف داخل قمة هرم السلطة إلى خطاب المؤسسات الدينية.

وفي هذا المناخ تحولت قضية "رواق كشور دوست"، وهو موقع تقام فيه خلال الأشهر الأخيرة تجمعات دينية ومجالس عزاء في شارع كشور دوست بالعاصمة طهران، لأحد أبرز رموز انتقال الخلافات، التي كانت تدور خلف الكواليس، إلى الفضاء العام، فقد أفاد موقع "جماران" بأن مجموعة من النساء المرتديات الأكفان البيضاء، اللواتي قدمن أنفسهن على أنهن "الثائرات لدم المرشد الشهيد"، توجهن من مدينة مشهد إلى طهران، ونظمن اعتصاماً استمر ثلاثة أيام، ورددن هتافات حادة، وبقين في المكان ليلاً، مما أدى إلى تعطيل برامج العزاء اليومية المقامة في الرواق، وأعلن القائمون على المكان أن المعتصمات رفضن مغادرته، على رغم محاولات التهدئة والوساطة، مما اضطرهم في نهاية المطاف إلى إغلاق الرواق تجنباً لتفاقم التوترات.

من جهته رأى موقع "رويداد 24"، المقرب من التيار الداعم للحكومة، أن ما جرى لم يكن مجرد توتر ديني، بل يعكس جانباً من صراع النفوذ داخل النظام، بين التيار القريب من "جبهة الصمود"، والقوى المؤيدة لاستمرار المفاوضات، وبحسب الموقع فقد طالب المشاركون في الاعتصام بإلغاء مذكرة التفاهم، والالتزام بما وصفوه بتوجيهات المرشد، وهي المطالب نفسها التي باتت تتردد في هيئة الإذاعة والتلفزيون، والهيئات الدينية، والساحات العامة، وبيانات المؤسسات الرسمية.

يعكس هذا التطور انتقال الخلاف، الذي كان حتى وقت قريب محصوراً في أوساط النخبة السياسية، إلى الساحات العامة والفعاليات الدينية، في مؤشر على اتساع نطاق الانقسام داخل النظام الإيراني، وخلال الأيام الأخيرة تحولت "هيئة الإذاعة والتلفزيون" الإيرانية إلى إحدى أبرز ساحات هذا الصراع الداخلي، فقد عززت الاستضافات المتكررة لشخصيات معارضة لمذكرة التفاهم، وإبراز المواقف الرافضة للتفاوض، الانطباع بأن إدارة الهيئة وكبار مسؤوليها، وجميعهم من ذوي الخلفيات الأمنية، يقفون في مواجهة الحكومة والمجلس الأعلى للأمن القومي.

وفي السياق نفسه نشرت صحيفة "كيهان"، التي يعين المرشد الإيراني رئيس تحريرها، مقالة لحسين شريعتمداري، دعا فيها إلى أن يكون المطلب الأول للوفد الإيراني المفاوض تسليم الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى إيران لمحاكمته، مقترحاً في الوقت نفسه أن يرفض الوفد استقبال ممثلي الإدارة الأميركية خلال جولات التفاوض.

وامتدت تداعيات هذه الانقسامات إلى البرلمان، فانتقد عدد من النواب، بينهم كامران غضنفري وحميد رسائي وحسين صمصامي، استمرار تعليق جلسات البرلمان، ملوحين بتنظيم اعتصام أمام مبنى المجلس إذا لم تستأنف جلساته، وفي اجتماع غير رسمي عقد عبر الاتصال المرئي، تساءل رسائي صراحة عمن يملك صلاحية تعطيل البرلمان؟، فيما أكد صمصامي أن نظام التشريع الإلكتروني أوقف حتى إمكان تسجيل طلبات استجواب الوزراء، أو إصدار البيانات البرلمانية، في خطوة تعكس، بحسب منتقدين، حجم القيود المفروضة على عمل السلطة التشريعية.

وعلى رغم إلغاء الاعتصام في نهاية المطاف، فإن مجرد الدعوة إليه عكست شعور شريحة من النواب بأنهم أُقصوا من مسار اتخاذ القرار المتعلق بمذكرة التفاهم، ولم يعودوا شركاء في صياغة أحد أهم الملفات السياسية والأمنية داخل البلاد، وقد بلغت حدة الانتقادات والضغوط مستوى دفع رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، إلى الرد عليها علناً، ففي الـ 22 من يونيو الجاري، وأثناء سير المفاوضات في سويسرا، نشر رسالة عبر منصة "إكس" قائلاً "شاهدت في أحد البرامج الجيدة على التلفزيون من يتمنى لو أغلق مطار مهر آباد، حتى لا يتمكن الوفد المفاوض من التوجه إلى سويسرا، وأقول لهؤلاء الأعزاء: لو لم نذهب إلى سويسرا، لسقط في كل لحظة مزيد من الدماء بين المسلمين والشيعة في لبنان".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ولم يبق مجلس خبراء القيادة بمنأى عن هذا السجال، فقد أصدر عدد من أعضائه بياناً أكدوا فيه أن إعادة فتح مضيق هرمز مخالفة لالتزامات النظام الإيراني، محذرين من أن أي تهاون في هذا الملف سيقابل برد فعل، وتضمن البيان إشارات إلى قتل الرئيس ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، غير أن الأمانة العامة للمجلس سارعت بعد ساعات إلى إصدار توضيح أكدت فيه أن نشر البيان لم يجر وفق الآليات المعتمدة داخل المجلس، وأنه كان ينبغي عرضه أولاً على هيئة الرئاسة أو الأمانة العامة قبل نشره، وقد عدّ هذا التراجع الجزئي مؤشراً إضافياً على حال الارتباك والانقسام التي باتت تطبع مؤسسات الحكم العليا في إيران.

كذلك تكشف رواية النائب عن مدينة طهران، عبدالحسين روح الأميني، أن الخلافات لم تبدأ بعد إعلان مذكرة التفاهم، بل رافقت مراحل إعدادها، وقال إن نص الاتفاق تنقل 25 مرة بين مجتبى خامنئي والفريق المفاوض، وإن السرية التي أحاطت بالمفاوضات كانت تعني أن كل طرف كان يطلع على جزء محدود من المعلومات، وإذا صحت هذه الرواية فإنها تشير إلى أن مذكرة التفاهم لم تكن ثمرة توافق كامل داخل هرم السلطة، بل جاءت نتيجة مفاوضات داخلية طويلة وشاقة بين مراكز القرار.

في موازاة ذلك، بدت الرسائل الصادرة عن طهران وواشنطن متناقضة، فقد أعلن عضو مكتب حفظ ونشر آثار المرشد الإيراني، مهدي فضائلي، الأحد الماضي خلال مقابلة مع هيئة الإذاعة والتلفزيون، أن إيران ألغت الجولة الفنية من المفاوضات على خلفية التطورات العسكرية الأخيرة، وانتظار تنفيذ عدد من الشروط، من بينها السماح بالإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة، لكن وسائل إعلام، بينها قناة "الحدث" ووكالتا "رويترز" و"أكسيوس"، نقلت عن مسؤولين أميركيين تأكيدهم أن المفاوضات لم تتوقف، وأن تبادل الرسائل بين الجانبين لا يزال مستمراً.

من جهته أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمس الإثنين أن إيران طلبت عقد لقاء، وأن اجتماعاً بين ممثلي الطرفين سيعقد في الدوحة، وأكد البيت الأبيض مشاركة كل من ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر في المفاوضات، في وقت نفى كاظم غريب آبادي صحة التقارير التي تحدثت عن عقد اجتماع فني بين الجانبين.

وفي خضم هذا المشهد المتشابك، كتب الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان أن نجاح مذكرة التفاهم مرهون بالالتزام الكامل ببنودها وتنفيذها بدقة، مؤكداً أن التصريحات الخارجة عن النص المتفق عليه لا تسهم في دفع المفاوضات إلى الأمام، ويبدو أن هذه الرسالة كانت موجهة، بقدر ما هي إلى واشنطن، إلى خصومه داخل النظام، الذين يواصلون مهاجمة مسار التفاوض من منابر عدة.

تقدم هذه التطورات صورة عن نظام تتنازعه الانقسامات الداخلية، في ظل تزامن المواجهات العسكرية في جنوب إيران، والتصعيد الإعلامي، واعتصامات أصحاب الأكفان البيض، وتهديدات عدد من النواب، ومواقف الحوزات العلمية، وبيانات مجلس خبراء القيادة، فضلاً عن تضارب تصريحات المسؤولين في شأن مسار المفاوضات، وفي ظل استمرار غياب مجتبى خامنئي عن الظهور العلني منذ أربعة أشهر، والغموض الذي يكتنف موقعه الحقيقي في عملية صنع القرار، يبدو أن صراع النفوذ الذي ظل لأعوام يدور خلف الأبواب المغلقة، خرج اليوم إلى العلن، ليطاول الشارع وشاشات التلفزيون والبرلمان ومضيق هرمز، وحتى طاولة المفاوضات في الدوحة.

 نقلا عن "اندبندنت فارسية"

اقرأ المزيد

المزيد من تحلیل