ملخص
وسط مظاهر البهجة والاعتزاز والشغف بتأسيس الأمة التي أصبحت ولا تزال أقوى دولة في العالم، تثور نقاشات ساخنة تسلط الضوء على انقسام أيديولوجي حاد يعكس أزمة هوية عميقة بين رواية حكومية تركز على مجموعة من المؤسسين البيض المسيحيين، وتطمس الحقائق التاريخية غير المريحة.
مع الاحتفالات بالذكرى الـ250 لتأسيس الولايات المتحدة واستقلالها، أصبح الرابع من يوليو (تموز) هذا العام علامة فارقة، ووقتاً للتأمل حول ماضي أميركا المظلم الذي لا يزال ينكأ الجراح.
فوسط مظاهر البهجة والاعتزاز والشغف بتأسيس الأمة التي أصبحت ولا تزال أقوى دولة في العالم، تثور نقاشات ساخنة تسلط الضوء على انقسام أيديولوجي حاد يعكس أزمة هوية عميقة بين رواية حكومية تركز على مجموعة من المؤسسين البيض المسيحيين، وتطمس الحقائق التاريخية غير المريحة.
ورواية تيار معارض يريد إظهار التناقض بين مُثل الحرية والمساواة والحقوق التي رفعتها البلاد خلال التأسيس، وبين الواقع التاريخي لأصولها العنصرية البيضاء الذي تجسد في تجريد السكان الأصليين من أراضيهم وتهجيرهم ومحاولة محو ثقافتهم، والعبودية التي أدت إلى الحرب الأهلية، وما تلاها من تمييز وفصل عنصري.
مدعاة للفخر أم للمحاسبة؟
يتذكر الأميركيون الأكبر سناً احتفالات الولايات المتحدة بالذكرى المئوية الثانية لتأسيسها عام 1976 التي تميزت باحتفالات مهيبة وزيارة رسمية قامت بها ملكة بريطانيا الراحلة إليزابيث الثانية، ولن تكون احتفالات الذكرى الـ250 أقل هيبة وجمالاً، اعتزازاً بالمثل الديمقراطية للحرية والحكم الذاتي، التي أدت إلى خلق قوة عظمى اقتصادية وعسكرية لا تزال توطد مكانتها العالمية حتى اليوم.
رسخت الوثائق التأسيسية للدولة التي ولدت عام 1776 كالدستور ووثيقة الحقوق، نظام الضوابط والتوازنات في الحكم، ومبدأ أن الحكومة تستمد سلطتها من رضا المحكومين، فضلاً عن كثير من حقوق الإنسان، وعبر السنين بنت الولايات المتحدة أكبر اقتصاد في العالم، مما أدى إلى ثورات تكنولوجية، واختراقات طبية، وتقدم علمي أفاد العالم أجمع.
وبعد الحرب العالمية الثانية، دافعت الولايات المتحدة عن التعاون الدولي، وأعادت بناء الاقتصادات المدمرة، وأنشأت نظاماً تجارياً عالمياً ساعد في انتشال كثير من البلدان من براثن الفقر والعوز، وهي الآن تقود العالم بفارق كبير عن الدول الأخرى عبر ثورة الذكاء الاصطناعي، لتنقل العالم إلى مجالات أرحب وأفضل من الفرص للتنمية الاقتصادية والاختراقات العلمية والطبية.
ومع ذلك فإن الأمة الأميركية التي شكلتها موجات الهجرة، شيدت على أساس معيب للغاية، إذ بُنيت على تجريد السكان الأصليين من أراضيهم أو تهجيرهم قسرياً، واستعباد ملايين الأفارقة، مما أدى إلى خلق تفاوتات عرقية عميقة الجذور لا تزال قائمة حتى الآن.
ولهذا يطالب البعض مثل أستاذ التاريخ في جامعة ميامي، ماثيو سميث، بأن تكون الاحتفالات الحالية بالمُثل والقيم الأميركية فرصة لمحاسبة صادقة للأفراد والأنظمة التي حرمت الملايين من تلك المُثل، في إطار من المصارحة التي لا تمحو التاريخ أو تتجاهله.
جراح قديمة
في الأسابيع التي سبقت الذكرى السنوية الـ250 لتأسيس البلاد، تشكلت فرصة عميقة، وإن كانت مثيرة للجدل، لإعادة النظر في هذه الفصول المظلمة والمعقدة من تاريخ الأمة، لتجاوز النظرة المثالية وإعادة النظر في قصص الثورة الأميركية من جميع مناحي الحياة، بمن فيهم المهمشون والمضطهدون.
وعلى رغم ذكرى التأسيس التي تثير حماسة وطنية عامة في أرجاء الولايات المتحدة، فإنها تعيد فتح جراح قديمة، وسط استقطاب حزبي حول تدريس التاريخ الأميركي، بين الإدارة الحالية التي تحاول الحد من تدريس قضايا العرق والعنصرية، والديمقراطيين وبعض الجمهوريين الذين يريدون وضع العبودية وتجريد السكان الأصليين من أراضيهم في صميم تاريخ أميركا، وبخاصة أن هاتين المأساتين المزدوجتين، شكلتا ثروة أميركا ونموها الاقتصادي المتسارع في بداياتها، وتركتا ندوباً مؤسسية لا تزال قائمة حتى اليوم، تتناقض بصورة هيكلية مع الإعلانات الأميركية الرسمية عن الحرية والعدالة والمساواة والحقوق.
وبينما تعاني الولايات المتحدة أزمة هوية عميقة في مسعاها إلى إحداث توازن بين مثلها التأسيسية المتمثلة في المساواة، والواقع التاريخي لأصولها العنصرية البيضاء، لا تزال الرأسمالية الأميركية الحديثة غير متكافئة إلى حد بعيد، لأن الثروة المتوارثة عبر الأجيال، بُنيت على العمل المجاني للسود والأراضي المسروقة من السكان الأصليين، مما ترك هذه الفئات المهمشة متخلفة كثيراً عن الركب.
انقسام تاريخي وأيديولوجي
ونظراً إلى أن المعرفة التاريخية الموضوعية التي كانت تعتبر بديهية في الماضي آخذة في التلاشي الآن، تكتسب هذه القضية اهتماماً خاصاً، فبحسب التقييم الوطني للتقدم التعليمي، لم تتجاوز نسبة طلاب الصف الثامن الذين صُنفوا "متقنين" للتاريخ الأميركي 13 في المئة عام 2023.
وأظهر استطلاع رأي أُجري عام 2010 أن 26 في المئة من البالغين لم يتمكنوا من تحديد الدولة التي أعلنت أميركا استقلالها عنها، بل إن المفاجأة تمثلت في أن الصين والمكسيك وفرنسا كانت من بين الإجابات.
ووسط جهود كثيرة في المجتمع الأميركي مثل "مشروع 1619" لصحيفة نيويورك تايمز الذي يسعى إلى وضع إرث العبودية في صميم السرد الأميركي انطلاقاً من تاريخ وصول الأفارقة المستعبدين إلى أميركا عام 1619، تتصاعد المعارضة السياسية ومحاولات الحد من تدريس قضايا العرق والعنصرية في المدارس، مما يكرس الانقسام الأيديولوجي في أميركا، حيث يجادل النقاد بأن المبادرات الحكومية الفيدرالية الحالية، مثل برنامج "الحرية 250" التابع للبيت الأبيض، تروج لنسخة منقحة من التاريخ تحاول استبدال البحث التاريخي الموضوعي بأسطورة تتمحور أساساً حول مجموعة صغيرة من المؤسسين البيض المسيحيين، وتعمل بنشاط على طمس الحقائق التاريخية غير المريحة لها.
ومن الدلائل على ذلك بحسب المنتقدين، أن ترمب أعاد عام 2025 نصب تمثال الجنرال الكونفيدرالي ألبرت بايك في واشنطن العاصمة، الذي أُزيل بعد احتجاجات "حياة السود مهمة" عام 2020، بل إن إدارة ترمب ذهبت إلى حد نصب نسخة طبق الأصل من تمثال كريستوفر كولومبوس مكتشف أميركا، الذي أسقطه المتظاهرون وألقوه في مياه ميناء بالتيمور عام 2020 بسبب دوره في قتل واستعباد السكان الأصليين.
ويشير هؤلاء إلى أن تخفيف وطأة التاريخ الأميركي، الذي يتسم أحياناً بالوحشية، كان محوراً رئيساً لترمب الذي وقع في أول يوم له في منصبه أمراً تنفيذياً يقضي على جهود التنوع والمساواة والشمول في الحكومة الفيدرالية، إلى جانب إصداره في مارس 2025 أمراً تنفيذياً بعنوان "إعادة الحقيقة والمنطق إلى التاريخ الأميركي"، مما أدى إلى تغيير اللافتات في الحدائق الفيدرالية، وتعديل المعروضات أو إزالتها في بعض الحالات، وتسمية بعض القواعد العسكرية بالأسماء التي كانت عليها في الماضي، تكريماً لقيادات الجيش الكونفيدرالي الجنوبي الذين قاتلوا من أجل الإبقاء على العبودية.
كذلك أوضحت وسائل إعلام مثل مجلة "تايم" أن المخططين الفيدراليين يمارسون ضغوطاً كبيرة على مؤسسات مثل سميثسونيان الممولة فيدرالياً وهيئة المتنزهات الوطنية لخفض تمويل المنح أو المعارض التي تتعمق في العنف العنصري أو التمييز المنهجي أو صلات المؤسسين المباشرة بالعبودية والاستيلاء على أراضي السكان الأصليين أو تهجيرهم قسرياً، وتقديم رواية تاريخية أقل تركيزاً على التمييز وحوادث العنف العنصري.
التذكير بمآسي العبودية
كثيرا ما يُنظر إلى العبودية في الخطاب العام الأميركي على أنها شيء بعيد، منعزل يتعلق بالقرن الـ19 وكأنها تنتمي إلى عالم لم يعد يمس الأجيال الحالية، وهي رواية قد تكون موائمة للبعض، لكنها خاطئة، ففي كثير من العائلات، العبودية ليست تاريخاً مجرداً، بل ذاكرة تتناقلها الأجيال، إذ لا يزال الأجداد الأحياء الآن، ينقلون لأبنائهم وأحفادهم الروايات المريرة التي عاناها آباؤهم أو أجدادهم.
وفي الذكرى الـ250، حيث لا تزال الولايات المتحدة ديمقراطية في طور التجديد المستمر، يطمح الأميركيون الأفارقة إلى المساواة الكاملة وسد فجوة الثروة العرقية، إذ يرون هذه الذكرى بمثابة تقرير مرحلي عن كيفية الانتقال من أمة أسهم العمال السود في بنائها، ولكن مُنعوا من امتلاكها، إلى أمة تستطيع فيها العائلات السوداء بناء الثروة، والتصويت دون عوائق، والعيش بكرامة، ولهذا حرصت كثير من المؤسسات على التذكير بكيف بدأت هذه القصة كأمر جوهري لتصور مسارها المستقبلي.
الوصول عام 1619
قبل زمن طويل من استقلال أميركا عن بريطانيا، وتحديداً في أغسطس (آب) 1619 رست سفينة قرصنة إنجليزية تُدعى "الأسد الأبيض" قبالة بوينت كومفورت في مستعمرة فرجينيا، وكان على متن السفينة أكثر من 20 رجلاً وامرأة من السود كما سجلهم أحد المسؤولين الإنجليز، تم جلبهم قسراً من القارة الأفريقية وأُجبروا على ركوب سفينة رقيق برتغالية، ثم أسروا مرة أخرى على يد قراصنة إنجليز أثناء عبورهم المحيط الأطلسي، وقد أزيلت أسماؤهم ولغاتهم وروابطهم العائلية من السجلات الإنجليزية، لكن عملهم في أراضي ما كان يسمى آنذاك بالمستعمرات، أصبح جزءاً من الأساس الذي بُنيت عليه ثروة أميركا المبكرة.
ولهذا يرى كثر من الباحثين أن استذكار ذلك الوصول الأول قبل 407 أعوام، يعني مواجهة وحشية تجارة الرقيق عبر المحيط الأطلسي، وحق الإنسانية للشعوب التي حولت عالماً معادياً لا يتصور، إلى مكان ازدهرت فيه ثقافات وعائلات ومجتمعات جديدة فيما عرف بعد ذلك باسم الولايات المتحدة.
معاناة وصمود
منذ عام 1619، اتسمت حياة السود في أميركا بظلم فادح وصمود لا يقل عنه، حيث يكون الاقتصار على سرد قصة الأذى هو اختزال مجتمعات الأميركيين من أصل أفريقي إلى مجرد ضحايا، لكن القصة الأشمل هي قصة إرادة ومثابرة في مواجهة أنظمة صممت لكسرهم.
وعلى مر الحقب الماضية، تغيرت صور القمع، وكذلك صور المقاومة، وأصبح القاسم المشترك هو رفض قبول التجريد من الإنسانية، والالتزام الدائم ببناء مستقبل أفضل للأجيال القادمة، حتى في أصعب الظروف.
ووفقاً للبيانات التي جمعها المؤرخون في قاعدة بيانات تجارة الرقيق عبر المحيط الأطلسي، تم إجبار 12.5 مليون أفريقي على ركوب سفن الرقيق، نجا منهم حوالى 10.7 مليون شخص من الرحلة الوحشية عبر المحيط ووصلوا أحياء إلى الأميركتين، لكن الغالبية العظمى من هؤلاء الناجين نقلوا إلى أميركا الجنوبية ومنطقة الكاريبي، ولم يصل إلى شواطئ ما يعرف اليوم بالولايات المتحدة سوى 400 ألف أفريقي مستعبد.
وعلى رغم أن الولايات المتحدة استقبلت أقل من خمسة في المئة من إجمال عدد الأفارقة الذين جُلبوا إلى العالم الجديد، إلا أن عدد السكان المستعبدين نما بصورة كبيرة نتيجة للزيادة الطبيعية من المواليد، وبحلول وقت الحرب الأهلية عام 1861، وصل عدد السود المستعبدين في الولايات المتحدة إلى ما يقارب 4 ملايين.
محن ومآسٍ
لكن تاريخ العبودية في الولايات المتحدة حافل بروايات مروعة عن القسوة، والتجريد الممنهج من الإنسانية، والمعاناة الهائلة، إذ عانى ملايين السود المستعبدين ظروفاً سلبتهم حقوقهم القانونية، وبنيتهم الأسرية، وأمنهم الجسدي، ولعل أكثر أنواع العذاب النفسي انتشاراً هو التهديد المستمر بالفصل القسري بين أفراد الأسرة.
في العقود التي سبقت الحرب الأهلية، نُقل ما يقدر بمليون مستعبد قسراً من فرجينيا وماريلاند إلى الجنوب العميق مثل مسيسيبي ولويزيانا لدعم ازدهار زراعة القطن، وبيع الأزواج والزوجات بعيداً من بعضهم، وانتزع الأطفال الصغار من أحضان أمهاتهم، ولم يروهم ثانية، إذ كانت أسواق الرقيق ومزادات بيع العبيد تعامل البشر كالمواشي، وتقيمهم بناء على أسنانهم وعضلاتهم وقدرتهم على الإنجاب، لدرجة أن بعض الأفارقة المستعبدين كانوا يرون الموت أهون من العبودية، مثل قصة مارغريت غارنر عام 1856 التي كانت من أكثر الأمثلة المأسوية عن اليأس، حيث هربت مارغريت مع زوجها وأطفالها الأربعة من العبودية في كنتاكي إلى أوهايو، وعندما حاصر رجال الشرطة وصائدو العبيد المنزل الذي كانوا يختبئون فيه، حاولت قتل أطفالها بدلاً من السماح لهم بالعودة قسراً إلى واقع العبودية مدى الحياة.
أبشع فترات التاريخ
لكن الأبشع من ذلك، أن التعذيب الممنهج وعملية كسر إرادة المستعبدين، كان أداة ملاك المزارع للحفاظ على سيطرتهم على السكان العبيد الذين فاق عددهم عدد المشرفين البيض في كثير من المناطق، إذ كانوا يرسلون المستعبدين الذين يبدون استقلالية، أو يقاومون، أو يحاولون تعلم القراءة، إلى مقاولين محترفين في كسر إرادة المستعبدين، فكانوا يستخدمون التجويع الممنهج، والحرمان من النوم، والجلد المتواصل لكسر إرادة هؤلاء.
ومن بين أشهر القصص المؤلمة، ما يعرف باسم قضية غوردون أو "بيتر المجلود" حيث كشفت صورة شهيرة التقطت عام 1863 لعبد هارب يدعى غوردون عن ظهر مشوه بشدة ومتشابك من سياط المشرفين، حتى بدا وكأنه خريطة مجسمة، وهي صورة نشرت على نطاق واسع خلال الحرب الأهلية، كدليل بصري لا ينكر على الوحشية اليومية لنظام المزارع.
لم يكن للمستعبدين أي حق قانوني في استقلالية أجسادهم، مما جعلهم عرضة للاستغلال الطبي المروع، ومن أشهر المآسي في هذا السياق، تجارب الطبيب ماريون سيمز (أبو طب النساء الحديث)، الذي أجرى عمليات جراحية تجريبية مؤلمة على نساء مستعبدات دون تخدير في ألاباما بين عامي 1845 و1849، انطلاقاً من اعتقاد عنصري زائف مفاده أن السود لا يشعرون بالألم بطريقة البيض نفسها.
ولا تمثل هذه القصص سوى جزء يسير من الرعب اليومي الذي واجهه ملايين المستعبدين الذين كانوا يصنفون قانونياً كملكية ليس لديهم أي حماية قانونية ضد الإيذاء الجسدي أو العنف الجنسي أو القتل، مما جعل تلك الحقبة من أحلك فترات التاريخ البشري.
الصراع على العبودية
غالباً ما توصف الحرب الأهلية بأنها معركة للحفاظ على الاتحاد بين الولايات الأميركية، لكنها في جوهرها كانت صراعاً على مستقبل العبودية، وأسهم المستعبدون أنفسهم في تحويلها إلى حرب تحرير من خلال الفرار من المزارع، وتخريب إنتاج ولايات الجنوب الكونفيدرالية، واللجوء إلى المناطق التابعة للاتحاد في ولايات الشمال، حيث أثبت الجنود والبحارة السود الذين وصل عددهم إلى حوالى 180 ألفاً خدموا في جيش الاتحاد وعشرات الآلاف في أدوار الدعم، أنهم لا غنى عنهم لتحقيق النصر.
ومع نهاية الحرب، تحرر 4 ملايين شخص من العبودية بصورة قانونية، حيث ألغيت العبودية بموجب التعديل الـ13 للدستور الأميركي، وأصبح إعلان تحرير العبيد في 1863 برهاناً على إمكانية إجبار الدولة على التدخل ضد الظلم المتجذر، ومرجعاً أساسياً للحركات اللاحقة من أجل حماية الحقوق المدنية في المدارس وأماكن العمل والمساكن.
حقبة جيم كرو
يشير مصطلح "حقبة جيم كرو" إلى فترة مظلمة وقمعية في التاريخ الأميركي، امتدت من أواخر سبعينيات القرن الـ19 حتى منتصف ستينيات القرن الـ20، وخلال هذه الفترة، سنت ولايات ومناطق جنوب الولايات المتحدة نظاماً قانونياً للفصل العنصري والحرمان من الحقوق المدنية، بهدف إخضاع الأميركيين السود بصورة ممنهجة وتجريدهم من الحقوق التي نالوها لفترة وجيزة بعد الحرب الأهلية.
وتجسد الفصل العنصري التام عبر فصل البيض عن السود قانونياً في المدارس والمستشفيات والحدائق والمطاعم ووسائل النقل العام ونوافير المياه، وحتى المقابر، وكانت المرافق المخصصة للسود تعاني نقص التمويل والإهمال، وكانت خدماتها متدنية للغاية.
وشهدت هذه العقود الطويلة قمع تصويت السود في الانتخابات عبر استخدام الولايات الجنوبية ضرائب الاقتراع، واختبارات الإلمام بالقراءة والكتابة، لمنع المواطنين السود من التصويت بصورة كاملة، كما استند هذا النظام القانوني إلى عنف عنصري مفرط، حيث فرضت جماعات عنصرية عنيفة مثل كو كلوكس كلان التسلسل الهرمي الاجتماعي من خلال الترهيب النفسي، والاعتداءات الجسدية، وعمليات الإعدام العلنية.
لم يكن اسم "جيم كرو" مرتبطاً بشخص حقيقي أو سياسي، بل مجرد صورة نمطية عنصرية مهينة للغاية، تعود في الأصل إلى ممثل وكاتب مسرحي أبيض في أوائل ثلاثينيات القرن الـ19 يدعى توماس دارتموث رايس، حيث كان يطلي وجهه باللون الأسود ويرتدي ملابس رثة ليؤدي عرضاً غنائياً راقصاً يسمى "اقفز يا جيم كرو" في تقليد ساخر لرجل مسن معاق ومستعبد، تزعم رايس أنه رآه في الجنوب.
نهاية الفصل العنصري
أصبحت شخصية "جيم كرو" ظاهرة في جميع أنحاء الولايات المتحدة، فقد صور على أنه شخص أخرق، جاهل، شديد الحماقة، وراض تماماً عن وضعه الاجتماعي المتدني، مما عزز الصورة الكاريكاتورية الأيديولوجية العنصرية الزائفة القائلة إن السود أدنى شأناً من البيض بطبيعتهم، وغير مؤهلين للمواطنة، وهكذا أصبح "جيم كرو" هو الاسم الرسمي للنظام القانوني بأكمله للفصل العنصري الأميركي.
ولم تنته حقبة جيم كرو رسمياً إلا مع الانتصارات التي تحققت بشق الأنفس لحركة الحقوق المدنية، التي بلغت ذروتها في قانون الحقوق المدنية لعام 1964 وقانون حقوق التصويت لعام 1965، اللذين فككا النظام قانونياً.
لكن هذا الانتصار لم يأت سوى بعد نضالات طويلة، فبعدما جردت قوانين الفصل العنصري الأميركيين من أصل أفريقي من حقوق التصويت والأراضي والمساواة في المشاركة في الحياة العامة، أنشأت مجتمعات السود مؤسسات مستقلة خاصة بهم من كنائس وكليات وجامعات تاريخية وصحف ونواد وشركات، وحول الشعراء والموسيقيون والفنانون التشكيليون الصدمة إلى موسيقى البلوز والجاز والخطب والأدب الذي فضح الظلم، مؤكداً في الوقت نفسه على الفخر والجمال والتعقيد.
وفي حقبة الحربين العالميتين والحرب الباردة، قاتل الجنود السود في الخارج من أجل الحرية بينما واجهوا التمييز في الولايات المتحدة وداخل الجيش، وردوا بحملات "النصر المزدوج" أي النصر على الفاشية في الخارج والعنصرية في الداخل، مستخدمين زيهم العسكري وتضحياتهم للمطالبة بالحقوق المدنية وإنهاء الفصل العنصري.
حركات شكلت الأمة
كانت حركة الحقوق المدنية في منتصف القرن الـ20 حركة جماهيرية من أجل حرية السود ضد التمييز العنصري، وهيمنة البيض، والمواطنة من الدرجة الثانية، ولم تقتصر قوتها على شخصيات بارزة مثل مارتن لوثر كينغ جونيور ومالكوم أكس وروزا باركس وحسب، بل شملت أيضاً قادة محليين، ومنظمات نسائية سوداء، وشباباً.
ومن خلال المقاطعات والاعتصامات ورحلات الحرية والدعاوى القضائية والمسيرات الجماهيرية، حققت الحركة انتصارات تاريخية، منها قضية براون ضد مجلس التعليم (1954)، وقانون الحقوق المدنية (1964) ، وقانون الإسكان العادل (1968)، وغيرها.
وإذا كانت الديمقراطية هي النظام الذي يحوّل أصوات الشعب إلى قوة، فإن التصويت هو أداتها الأساسية، ولهذا ناضلت حركة حقوق التصويت من أجل تغيير هذا الواقع إلى أن أصدر قانون حقوق التصويت عام 1965 حظراً نهائياً لكثير من أسوأ الممارسات، ووضع المناطق التي لها تاريخ في التمييز تحت إشراف فيدرالي، وفي غضون أعوام قليلة، ارتفع تسجيل الناخبين السود وتمثيلهم بصورة ملحوظة في جميع أنحاء الجنوب.
المأساة الأكبر
لكن المأساة الأكبر تمثلت في إبادة السكان الأصليين وتهجيرهم قسرياً ومحاولة محو هويتهم ولغاتهم، ومع احتفال أميركا بذكرى تأسيسها الـ250، يعمل المؤرخون وبخاصة من أبناء الشعوب الأصلية لأميركا الشمالية على تذكير هذه الأمة بتعاملها مع السكان الأصليين، وبإسهاماتهم في بناء هذا البلد.
بدأ تاريخ السكان الأصليين لأميركا قبل قرون طويلة من إعلان الاستقلال في الرابع من يوليو (تموز) 1776، فقد سكنت مئات القبائل وملايين السكان الأصليين أميركا قبل وصول كولومبوس إليها عام 1492، وعاشوا في الأراضي التي بنيت عليها مدن وقرى البلاد لاحقاً، وسكنوا الوديان والجبال والغابات والشواطئ، لكن المؤرخين واجهوا صعوبة في تحديد عدد السكان الأصليين الذين سكنوا هذه الأرض، وعدد الذين لقوا حتفهم نتيجة المرض والحرب والمجاعة.
ومع ذلك، يقدر كولن كالواي أستاذ التاريخ ودراسات السكان الأصليين في كلية دارتموث، عددهم قبل وصول المستعمرين الأوروبيين بما يراوح ما بين 5 إلى 10 ملايين نسمة، لكن هذا العدد تراجع بحلول عام 1900، وفقاً لسجل تعداد الولايات المتحدة إلى 237 ألف نسمة، نتيجة الحروب مع المستعمرين الأوروبيين والأمراض والمجاعات.
وهذا انخفاض كبير في عدد السكان مقارنة بارتفاع عدد السكان من أصل أوروبي. (عدد السكان الأصليين الآن نحو 4 ملايين ينتمون إلى 575 قبيلة معترف بها فيدرالياً وغالبيتهم يسكنون المدن الحضرية الأميركية وليس المحميات).
كان هذا نمطاً معتاداً في القرنين الـ18 والـ19، لدرجة أن الرئيس الذي سُميت عشرات المدن والبلدات الأميركية تيمناً باسمه "أبراهام لينكولن"، والذي يعلم كل طالب في المرحلة الابتدائية أنه أعاد توحيد البلاد وحرر العبيد، أمر أيضاً بأكبر عملية إعدام جماعي في تاريخ الولايات المتحدة، عندما أرسل إلى المشنقة 38 رجلاً من داكوتا لأنهم قاتلوا لاستعادة أراضيهم وإنقاذ شعبهم من المجاعة في شتاء عام 1862.
تهجير قسري
مهّد تراجع عدد هؤلاء السكان الطريق للتوسع الاستعماري، حيث لم يعد لدى القبائل في كثير من الأحيان العدد الكافي من الناس لمقاومة العنف الاستعماري الذي لا هوادة فيه حيث أجبر السكان الأصليين على نقلهم من أوطانهم إلى الغرب نحو الأراضي المعروفة اليوم باسم أوكلاهوما، التي أصبحت أرضاً للقبائل الأصلية غير المرغوب فيها
واضطرت كثير من تلك القبائل إلى السير لمئات الأميال إلى أوكلاهوما وفقدت آلافاً من مواطنيها على طول الطريق، وأصبحت هذه المسيرات تُعرف باسم "مسارات الدموع" والأكثر شهرة "مسيرة دموع الشيروكي" وهي من أكبر القبائل حتى الآن.
ووصف كالواي قانون ترحيل الهنود لعام 1830 الذي أجبر القبائل على الانتقال من شرق الولايات المتحدة إلى الأراضي الواقعة غرب نهر المسيسيبي، بما في ذلك أوكلاهوما وكانساس بأنه "سياسة وطنية للتطهير العرقي" حيث مات ما يقارب 4000 من أصل 16000 من قبيلة الشيروكي وحدها.
تطهير عرقي
أدت معاناة الجيش الأميركي أيضاً الخسائر الكثيرة في حرب التهجير القسري للسكان الأصليين، بما في ذلك هزيمته في ولاية أوهايو عام 1791، حيث قُتل أكثر من 800 جندي في معركة واحدة على يد المحاربين الأصليين، إلى إجبار الحكومة الفيدرالية على تغيير نهجها في إزالة القبائل من أوطان أجدادهم.
وشمل هذا التحول تجويع القبائل من طريق حرق حقول الذرة وذبح كل الجاموس تقريباً في السهول الكبرى التي كانت تغذي قبائل مثل لاكوتا وشيان، مما ترك المحاربين وزوجاتهم وأطفالهم وكبار السن تحت قسوة البرد والجوع مكشوفين وليس لديهم خيار سوى ترك أراضيهم وهو ما يرقى إلى عمليات التطهير العرقي بمفهومها الحديث.
وتشير المؤرخة في مؤسسة سميثسونيان في واشنطن العاصمة، سوزان هارغو إلى أن طرد السكان الأصليين من أوطانهم لا يتعلق فقط بإفساح المجال للمستوطنين غير الأصليين، فقد كان جهداً ولد من الخوف والكراهية والغيرة، وهو السبب في غياب الشعوب القبلية عن بعض الولايات تماماً، إذ لم تكن إزالتهم من أرضهم مجرد صفقة على الأرض، بل كانت محاولة لكسر روح السكان الأصليين في جميع أنحاء البلاد.
وشهدت أواخر القرن الـ19 إجبار آخر القبائل الأصلية على مغادرة أراضيها أو مواجهة خطر الإبادة، وشكلت سلسلة من المجازر في أماكن مثل ساند كريك عام 1864 في ولاية كولورادو الحالية، ووندد ني عام 1890 في ولاية ساوث داكوتا، الجهود الأخيرة للجيش الأميركي لإجبار القبائل على مغادرة أراضيها.
إجبار على الاندماج
تضمنت إحدى المراحل اللاحقة من جهود أميركا لدمج السكان الأصليين انتزاع أطفالهم من عائلاتهم وإلحاقهم بمدارس داخلية حيث تعرضوا للعقاب والإيذاء لمجرد تحدثهم بلغاتهم الأصلية وممارستهم عاداتهم.
بدأ عصر المدارس الداخلية في القرن الـ19 واستمر حتى القرن الـ20، وشمل انتزاع عشرات الآلاف من أطفال السكان الأصليين قسراً من عائلاتهم للالتحاق بأكثر من 400 مدرسة داخلية تديرها الحكومة الفيدرالية والكنائس، حيث عملت المدارس وفق سياسة استيعاب قسري عزلت الأطفال عن عائلاتهم وثقافتهم ولغتهم.
عانى هؤلاء الأطفال أهوالاً جمة، منها قص شعرهم والتعرض للإيذاء النفسي والجسدي ولم يعد كثر منهم إلى ديارهم، أما من عادوا، فغالباً ما واجهوا صعوبة في الاندماج في مجتمعاتهم القبلية، بل واجهوا تحديات في التواصل مع أقاربهم بعد فقدانهم بعضاً من قدرتهم على التحدث بلغاتهم الأصلية أو كلها، والتواصل مع أقاربهم الذين أجبروا على تركهم. ولهذا يشير أستاذ القانون بجامعة في نورث داكوتا، دان لورينز، وهو من قبيلة آيوا في كانساس ونبراسكا، إلى أن الخسارة الهائلة للغات الأصلية التي تواجهها القبائل اليوم بدأت فعلياً خلال حقبة المدارس الداخلية.
لكن مع تحول السياسة الفيدرالية في القرن الـ20، والمعروفة اليوم بعصر "تقرير المصير"، منحت السياسات والقوانين الفيدرالية القبائل سيطرة أكبر على شؤونها، وسمح لها بتوليد الموارد المالية من خلال جهودها التنموية الاقتصادية مما مكنها من البدء في تمويل جهود إحياء اللغات الأصلية.
ومع ذلك، أدت حقبة المدارس الداخلية إلى معاناة أجيال من السكان الأصليين في التغلب على الصدمة التي لحقت بهم، والذين وجدوا أنفسهم غير قادرين على الاندماج مجدداً في مجتمعاتهم، ولم يروا قيمة تذكر في مواصلة العادات التقليدية أو الحفاظ على لغاتهم القبلية بعدما اقتنعوا، من خلال تعليمهم في المدارس الداخلية، بأن هذه الطرق لن تؤدي إلا إلى عجزهم عن الاندماج بفاعلية في المجتمع الأميركي، كما قال كالواي.
سيطرة حكومية
من بين القوانين التي أصدرها الكونغرس بين عامي 1790 و1834، المعروفة باسم قوانين التجارة والتبادل، منعت بيع أراضي السكان الأصليين أو المتاجرة بها أو التنازل عنها دون موافقة الحكومة الفيدرالية، حيث نصت هذه القوانين على أن الحكومة الفيدرالية هي الجهة الوحيدة المخولة بالاستيلاء على أراضي السكان الأصليين أو شرائها.
كان الهدف المعلن من هذه القوانين منع المشترين عديمي الضمير من استغلال ملاك الأراضي من السكان الأصليين الفقراء، لكنها سمحت أيضاً للحكومة الفيدرالية بتحديد المبلغ الذي ترغب في دفعه للقبائل مقابل أراضيها، دون أدنى اعتبار لقيمتها الحقيقية، وسمحت للحكومة الفيدرالية بتحديد كيفية توزيع أراضي القبائل التي تعتبرها فائضة، على حد قول دان لورينز.
وهذا يعني أن الحكومة الفيدرالية ستحصل على سعر جيد لأنها لن تضطر أبداً إلى المنافسة مع أي جهة أخرى، ويعني أن أراضي السكان الأصليين كانت تقيم بأقل من قيمتها الحقيقية تاريخياً لوجود مشتر واحد فقط.
الطعن في سيادة القبائل
كما انشغل المشرعون الفيدراليون بسياسات دمج السكان الأصليين، انشغلت أيضاً المحاكم الفيدرالية في أميركا بسلسلة من القضايا التي طعنت في قدرة القبائل على حكم نفسها وسكان أراضيها.
ومن بين هذه القضايا، أصدرت المحكمة العليا حكماً عام 1831 بأن القبائل ليست دولاً أجنبية، بل تابعة للسلطات الفيدرالية، وقارنت علاقة القبيلة بالولايات المتحدة بعلاقة الوصي بوصيه، ومنح هذا الحكم الحكومة الفيدرالية السلطة المطلقة في ما يتعلق بالعلاقات القبلية، وهي سلطة مطلقة تفعل ما تشاء في أراضي السكان الأصليين دون أي قيود دستورية، وهذا المبدأ هو أساس كثير من أسوأ القرارات في القانون الفيدرالي المتعلق بالسكان الأصليين، كما يقول لورينز.
وبعد أكثر من قرن، أصدرت المحكمة العليا أحكاماً في قضايا عدة تضمنت تحديات أخرى لسيادة القبائل، وعلى رغم أن المحكمة حكمت في بعض الأحيان لمصلحة حقوق السكان الأصليين خلال الـ50 عاماً الماضية، فإن تلك القضايا لم تمنحهم أي حقوق إضافية، إذ لم يمنح القانون القبائل سلطة الحكم الذاتي، بل حافظ على الحقوق التي تتمتع بها القبائل أصلاً.
معالجة الإخفاقات
الآن، ومع الاحتفال بالذكرى الـ250 لتأسيس البلاد، يدعو كثر من الباحثين والناشطين إلى مواصلة العمل على معالجة إخفاق الولايات المتحدة المستمر في استعادة حقوق المعاهدات القبلية، واللغات المفقودة، والأراضي القبلية، والوفاء بوعود حقبة التهجير التي وعدت فيها الحكومة بتقديم مساعدات اقتصادية وفرص عمل لسكان المدن من السكان الأصليين.
ينبع القلق من أن الاحتفالات السابقة سواء بالذكرى المئوية الثانية عام 1976، والاحتفال بيوم كولومبوس عام 1992، كانا أيضاً أشبه بسردية طمس هوية السكان الأصليين وتجاهل حقيقة أن تأسيس الولايات المتحدة كان قائماً على الاستعمار الاستيطاني والعبودية، والإبادة الجماعية ضد السكان الأصليين، واستعباد السود، ولهذا على الأميركيين ألا ينسوا أبداً الجرائم التي ارتكبها أسلافهم ضد السكان الأصليين، والوعود الكثيرة التي لم يفوا بها.