ملخص
بعد ابتعاده لنحو عقد من الزمن من الأفلام الروائية وانشغاله بالمسلسلات التلفزيونية، يعود المخرج الدنماركي نيكولاس فيندينع رفن، 55 سنة، إلى السينما بفيلم "جحيمها الشخصي"، الذي يحملنا إلى طوكيو، المدينة المغطاة بالضباب، إذ تنطلق شابة في رحلة للبحث عن والدها المفقود وسط أجواء يكتنفها الخوف. وخلال سعيها تلتقي جندياً أميركياً يحاول إنقاذ ابنته من مصير أسود، بينما يكشف الضباب عن قوة قاتلة وخفية تهدد الجميع.
في مهرجان "كان" السينمائي الأخير حيث شارك نيكولاس فيندينع رفن، بفيلمه خارج المسابقة، تحدث فيندينغ رفن بصراحة وتأثر بالغين عن الوعكة الصحية التي ألمت به قبل ثلاثة أعوام، وكيف غيرت تلك الحادثة نظرته إلى الحياة والسينما معاً، إذ روى أنه عانى مشكلة خطرة في القلب اكتُشفت بالصدفة، وأدت إلى امتلاء رئتيه بالدم، فأبلغه الأطباء بأن فرص نجاته ضئيلة، مما استدعى إجراء عملية قلب طارئة.
كشف عن أنه كان في حال موت سريري لنحو 25 إلى 30 دقيقة قبل أن يتمكن الأطباء من إنعاشه بالصدمات الكهربائية. وعن بقائه بين الحياة والموت، قال: "كنت ميتاً لنصف ساعة، ثم عدت إلى الحياة بالكهرباء، مثل فرانكنشتاين". اعترف أن نجاته منحته ما اعتبره "فرصة ثانية من الله"، وأن مواجهة الموت أعادت إليه الرغبة في إنجاز الأفلام ومدته بإمكانية البدء من جديد. وربط هذه التجربة بفيلمه الأحدث، مؤكداً أنه عاد إلى الإخراج بطاقة مختلفة وشعور متجدد. "أدركت، قبل أن أموت، أنني مُنحت هدية. لقد بات في إمكاني أن أبدأ من جديد".
حين قدم فيلمه "شيطان ضوء النيون" في منتصف العقد الماضي، بدا رفن وكأنه يواصل مشروعه السينمائي كتجربة جمالية على حافة الانفجار. بعد النجاح العالمي الذي حققه مع "درايف"، ثم حضوره المتكرر في المسابقة "الكانية"، بات رفن اسماً يرتبط بسينما تجتمع فيها المعالجة البصرية الأخاذة مع العنف، حتى صار له جمهور أشبه بـ"المريدين" ينتظرون كل جديد له.
"لست عنيفاً"
يقول رفن: "لا يغويني العنف، ولست شخصاً عنيفاً"، لكنه يوضح أن "الفن هو فعل عنف، لأنه مخاض الانفعالات الإنسانية". الخلق، كما يراه، اقتحام للذات والواقع معاً، إذ يمكن للانفعالات أن تخرج بهدوء أو بانفجار. هذا التصور يضعه في موقع مختلف عن السينما السياسية المباشرة. فهو يعلن أنه "ليس سينمائياً مسيساً ولا يملك أجندة سياسية"، على رغم نشأته في بيئة مشبعة بخطابات الستينيات التي كانت تقسم العالم بين الخير والشر. بالنسبة إليه، وظيفة الفن هي الدفع بالمتفرج نحو التفكير، لأن "التفكير وحده يحمل التغيير، والتغيير مبادرة فردية". ومن هنا تأتي عبارته اللافتة: "الفن وأسلحة الدمار الشامل يتساويان قوة، لكن الأول يلهم والثاني يدمر".
انتقل رفن بين الأنواع السينمائية كما لو أنه يقلب صفحات مجلة. يقر بأن أفلامه، خصوصاً الأخيرة، تقترب إلى ما يعرف بالـ"B-movie"، لكنه يرفض اعتبار ذلك انحطاطاً أو خياراً هامشياً. ما يهمه هو "عملية الخلق أكثر من المنتج النهائي"، وهذه الرغبة في التحرر من وطأة النتيجة تمنحه مساحة ارتجال، من شأنه اختبار أشكال سردية تبدو أحياناً بسيطة، لكنها تتشعب بصرياً.
هذا المنطق يفسر أيضاً اهتمامه بالأفكار البدائية التي تتحول لاحقاً إلى أفلام. فكرة شخص ينظر إلى يديه كانت كافية لولادة فيلم كامل مثل "وحده الله يغفر". تماماً كما أن جولة بسيارة مع الممثل راين غوسلينغ كانت الشرارة الأولى لـ"درايف". السينما في نظره، تبدأ من لحظة صغيرة، شبه عرضية، قبل أن تتضخم إلى بناء بصري متكامل. وخلف هذا الاقتصاد في الفكرة، هناك ميل صريح إلى التضخيم البصري.
ترتيب العالم بصرياً
يصر رفن أيضاً على فكرة الهرب من المنطق. بعد تجربته في ثلاثية "بوشر"، أدرك أنه قد يعيد نفسه إلى ما لا نهاية إذا بقي داخل حدود الواقع. لذلك، اختار "أقصى الخيال حيث لا منطق"، حتى لو كان هذا الخيال يتخذ شكل العنف المفرط. ولكن، كسر المنطق لا يعني بالضرورة الإذعان إلى الفوضى، وإنما إعادة ترتيب العالم وفق منطق بصري خاص به.
في سياق هذا المسار، جاء مشروعه التفاعلي By NWR ليكشف جانباً مختلفاً من هاجسه السينمائي. خلال تقديمه في ليون، طرح رفن هذا المشروع كمنصة رقمية تسعى إلى إعادة تعريف علاقة المتفرج بتاريخ السينما، عبر إحياء أفلام منسية ومهمشة وإخراجها من "غبار المخازن" إلى الفضاء الرقمي. وهذا من خلال موقع مجاني يقدم كل شهر فيلماً نادراً، محاطاً بسياقات بصرية ونقدية وفنية تولد حوله محتوى جديداً. وكل فيلم يصبح نقطة انطلاق لسلسلة من الإبداعات المعاصرة التي تتفرع عنه. "المستقبل باهر"، يقول رفن، "لكن علينا أن نفهم الماضي كي نتمكن من استخدامه".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
الحديث عن السينما مع رفن متعة لا تضاهى، لا سيما حين ينزلق إلى تأملات تبدو، في لحظات صفائها، كأنها تصلح لأن تُنقش في كتاب مقدس لصناع الأفلام. ولعل أفضل طريقة أختم بها هذه المقالة هي نشر تلك النظرية التي لخص بها ما سماه "أبجدية صناعة السينما": "هناك خمس قواعد أساس.
1: أن تنجز فيلماً عظيماً يحقق إيرادات عالية. 2: أن تنجز فيلماً عظيماً لا يدر أرباحاً طائلة، لكنه لا يسبب خسائر، مما يتيح لك الاستمرار طوال حياتك، لأن هناك دائماً من يؤمن بهذا النوع من السينما ويموله. 3: أن تنجز فيلماً عظيماً يخسرك المال، وهذا مسار متهور لا يمكن أن يستمر إلى الأبد، لأنك ستجد نفسك عاجلاً أم آجلاً أمام أزمات لا حلول لها، فهو خيار يفتقر إلى المسؤولية. 4: أن تنجز فيلماً سيئاً يجلب كثيراً من المال، لكنك لن تعثر فيه على تلك النشوة الفنية التي تبحث عنها. 5: أن تنجز فيلماً سيئاً يخسر المال، وهذه تجربة لا يفترض أن تحدث أكثر من مرة واحدة في العمر. هذه هي أبجدية البقاء في صناعة الأفلام. وبناءً على كل ما سبق، يبقى القرار لك: أين تريد أن تكون؟".