Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

وزير خارجية لبنان الأسبق: الحياد للدول الضعيفة والتفاوض مع العدو ليس تنازلا

إيلي سالم يقول لـ"اندبندنت عربية" إنه وجه نصيحة لجمال عبدالناصر وحافظ الأسد وفيليب حبيب حذره من صعوبة التفاوض مع الإسرائيليين

ملخص

في لبنان، لا يشيخ سؤال التفاوض ولا تفقد الدولة حاجتها إلى من يقرأ المصلحة الوطنية بعيداً من الشعارات، ومن ذاكرة وزير خارجية سابق عايش واحدة من أصعب مراحل الحرب، يعود إيلي سالم لاتفاق الـ 17 من مايو (أيار) 1983، لا بوصفه سلاماً مع إسرائيل، بل محاولة لإخراج الاحتلال وحماية لبنان من الأسوأ، وفي هذا الحوار مع "اندبندنت عربية"، يتحدث سالم عن التفاوض مع العدو، وحدود الحياد، ومعنى السياسة الخارجية المستقلة، مؤكداً أن حماية لبنان لا تكون بالإعلانات وحدها، بل بدولة موحدة تعرف مصلحتها وتملك قرار الحرب والسلم.

في لبنان لا يشيخ التفاوض، بل يغير طاولاته وأسماء الجالسين إليها، لكنه يبقى السؤال الأصعب في بلد صغير تحاصره الجغرافيا، وتستدرجه الحروب إلى ما يفوق طاقته.

يعرف إيلي سالم هذا الامتحان جيداً، فقد جلس ذات يوم في قلب واحدة من أكثر المراحل اللبنانية حساسية، حين كانت إسرائيل في بيروت، وسوريا تمسك بكثير من مفاتيح اللعبة، وأميركا تحاول إدارة النار لا إطفاءها بالكامل.

ومنذ ذلك الزمن لم يفقد الرجل اقتناعه بأن الدولة، لا الطوائف ولا الساحات ولا البنادق، هي التي يجب أن تقرر متى تفاوض ومتى ترفض ومتى توقع، ولا يتحدث سالم عن التفاوض بوصفه ترفاً دبلوماسياً أو تمريناً في العلاقات العامة، بل يراه أحياناً الطريق الذي يجب أن تسلكه الدول الصغيرة كي تمنع الأسوأ، وفي قاموسه لا تَفاوض بين الأصدقاء، بل بين الخصوم والأعداء، ولا معنى للموقف الصلب إذا لم يكن قادراً على حماية القرى والناس والبيوت.

توجهنا إلى منزل وزير الخارجية اللبناني السابق إيلي سالم في قريته بترام في قضاء الكورة شمال البلاد، ذلك البيت العائد للقرن الـ 19، المحاط بأشجار الزيتون، كأن المكان نفسه يختصر شيئاً من سيرة الرجل ورمزية لبنان الذي يتحدث عنه، بيت قديم ثابت في أرضه، مفتوح على ذاكرة الريف، ومشدود إلى جذور عائلية وتاريخية عميقة، وهناك كانت لنا جلسة مطولة مع رجل يكاد عمره يكون من عمر لبنان الكبير، 100 عام، وحوار خاص حاولنا فيه أن نستعيد معه أسئلة المفاوضات والحرب والسلم والحياد والدولة، وكل ما يطرحه اللبنانيون اليوم، وهم يقفون مجدداً أمام امتحان الخوف على الحدود والكيان.

في تلك الجلسة لم يكن سالم يروي ماضيه فقط، بل كان يقرأ حاضر لبنان من ذاكرة رجل جلس يوماً إلى طاولات صعبة، وعرف أن الدول الصغيرة لا تحميها الشعارات

من الكورة إلى الدولة: كيف تتشكل القناعات الكبرى؟

حين يتحدث سالم عن بداياته، لا يبدأ من المناصب التي شغلها وزيراً للخارجية أو نائباً لرئيس الحكومة، بل يعود مباشرة لقريته في الكورة وللبيئة العائلية التي نشأ فيها، فقد خرج والده من ظروف الفقر التي أعقبت الحرب العالمية الأولى، وكان مقتنعاً بأن الطريق الوحيد إلى الاستقرار والكرامة يمر عبر التعليم.

يقول سالم إن عائلته كانت "عادية ومتواضعة، عاشت على الراتب الحكومي، إذ كان والدي كاتب عدل، فيما ربت والدتي سبعة أولاد، جميعهم تعلموا ونالوا شهاداتهم"، مؤكداً أن "التوجه العائلي كان دائما نحو العلم لا نحو المال ولا السياسة"، ومن هنا تشكلت لديه قناعة باكرة بأن "بناء الإنسان يسبق بناء الدولة، وأن العلم هو الاستثمار الحقيقي القادر على تغيير مصير الأفراد والمجتمعات".

ويرى سالم أن "بيئة الكورة الأرثوذكسية أسهمت في تكوين نظرته إلى لبنان والدولة والهوية"، موضحاً أن "الأرثوذكس كانوا يرون أنفسهم من لبنان وفلسطين وسوريا، لكن بانتماء لبناني واضح".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

درس أميركي باكر: ما الذي يحكم الشرق الأوسط؟

من تلك البيئة الريفية التي جعلت العلم طريقاً إلى العالم، انتقل سالم شاباً إلى الولايات المتحدة، حيث تلقى باكراً درساً في معنى القوة وكيف تنظر الدول الكبرى إلى منطقتنا، ويروي حادثة بقيت عالقة في ذاكرته منذ شبابه عندما كان طالباً في أميركا، مستذكراً دعوة إلى مأدبة عشاء في منزل وزير الخارجية الأميركي جون فوستر دالاس، رفقة السفير اللبناني شارل مالك.

خلال النقاش يقول سالم إن مالك تحدث عن أهمية المشرق العربي باعتباره منطقة تلتقي فيها الأديان والحضارات المختلفة، وعن ضرورة أن تنظر واشنطن إلى هذه المنطقة من منظور حضاري وتاريخي، غير أن دالاس اختصر رؤيته للمنطقة بصورة مختلفة تماماً "صحراء وإسرائيل والنفط وطرق إمداد الطاقة"

شكّلت هذه الحادثة بالنسبة إليه درساً باكراً في فهم كيفية نظر القوى الكبرى إلى المنطقة، فبينما يرى أبناء المنطقة أنفسهم من خلال التاريخ والثقافة والدين والهوية، تنظر القوى العظمى غالباً من خلال المصالح الإستراتيجية والاقتصادية والأمنية.

في السياق نفسه يروي سالم أنه كان "على صداقة شخصية مع الرئيس المصري الراحل جمال عبدالناصر، وكان كان يحرص على تزويده بالكتب والدراسات السياسية"، محذراً إياه "من أخطار التسرع في مواجهة إسرائيل من دون توافر مقومات الانتصار"، وأضاف أنه كان يلفت عبدالناصر إلى أن "إسرائيل ليست مجرد دولة في المنطقة، بل أصبحت جزءاً لا يتجزأ من منظومة الدفاع الأميركية"، داعياً إلى "قراءة موازين القوى بواقعية قبل اتخاذ قرارات الحرب"

وأكد أن "ما جرى لاحقاً من احتلال للجولان السوري والضفة الغربية في فلسطين أثبت صحة هذه المخاوف"، مشدداً على أن "الحروب لا ينبغي أن تُخاض إلا عندما تكون هناك قدرة فعلية على تحقيق النصر"..

واستعاد سالم بعض مواقف عبدالناصر المتعلقة بالتضامن العربي، معتبراً أن "الدول الصغيرة لا تستطيع الاعتماد على الشعارات أو التحالفات الضعيفة وحدها، بل تحتاج إلى بناء علاقات متوازنة مع القوى الكبرى لحماية مصالحها الوطنية"، مؤكداً أن "السياسة الرشيدة تقوم على العقل والحسابات الواقعية، لا على الاندفاع العاطفي".

تجربة وزارة الخارجية بين الشكل والمضمون

عندما تولى إيلي سالم وزارة الخارجية بين عامي 1982 و1984، فوجئ بأن "بعض المسؤولين ركزوا على تفاصيل تتعلق بالمظهر والبروتوكول أكثر من تركيزهم على جوهر العمل السياسي"، ويتذكر كيف تلقى نصائح تتعلق بشكل الجوارب والحذاء وربطة العنق وأسلوب اللباس، وبالنسبة إليه "كانت هذه الحادثة تعبيراً عن أزمة أعمق، إذ اعتبر أن الدولة تحتاج إلى رجال فكر أكثر مما تحتاج إلى رجال مظهر، فالسياسة الخارجية لا تُبنى على الأزياء الرسمية، بل على فهم العالم وصياغة المصالح الوطنية والدفاع عنها"

ومن ذلك الفارق بين الدبلوماسية بوصفها شكلاً، والدبلوماسية بوصفها فهماً لموازين القوى، يدخل سالم إلى أكثر المحطات حساسية في تجربته وزيرا للخارجية، اتفاق لبنان مع إسرائيل في الـ 17 من مايو (أيار) 1983، إذ يعتبر أنه "مسؤول عن كل كلمة وردت فيه"، وأنه لا يزال، في رأيه، "أسير تسمية سياسية حمّلته ما لم يكن فيه"، مؤكداً أن ما "عُرف باتفاق '17 أيار' لم يكن اتفاق سلام مع إسرائيل، بل كان في الأصل "اتفاق جلاء القوات الإسرائيلية من لبنان"..

ويقول إن "سوريا عارضت الاتفاق منذ البداية"، مستعيداً حواره مع الرئيس السوري السابق حافظ الأسد "الذي رفض مبدأ التفاوض مع إسرائيل"، فيما رأى سالم أن "لبنان لا يستطيع انتظار الحلول التاريخية وهو تحت الاحتلال"، مشدداً على أن "الاتفاق لم يتضمن اعترافاً بإسرائيل، أو إقامة علاقات دبلوماسية أو فتح الحدود، بل اقتصر على إنهاء الاحتلال وتنظيم الوضع الأمني"..

ويرى أن "سوريا عملت على تصويره كاتفاق سلام لإسقاطه، في حين أسهمت إسرائيل نفسها في إفشاله عندما ربطت انسحابها من لبنان بانسحاب القوات السورية"، مؤكداً أن "كثيرين حكموا على الاتفاق من شعاراته السياسية لا من نصه الفعلي"، موضحاً أنه "كان محاولة لإخراج إسرائيل من لبنان من دون تطبيع أو معاهدة سلام"..

ورداً على سؤال عما إذا كان أصحاب الاتفاق أخطأوا، قال سالم "نحن لم نخطئ ولم نقع ولم نخن، ونفتخر بكل ما عملناه"، مبيناً أن الاتفاق كان "أكبر إنجاز دبلوماسي"، لأنه حاول إخراج إسرائيل من لبنان من دون معاهدة سلام"..

وروى أن "المسؤول السوفياتي ألكسندر سولداتوف أبلغني ألا دولة عربية أخرجت إسرائيل من أرضها من دون معاهدة سلام"، لكنه أقر بأن "مهمة السوفيات كانت إسقاط نجاح السياسة الأميركية في الشرق الأوسط"، مؤكداً أنه لو عاد به الزمن لتلك المرحلة لما بدّل قراراته خلال مفاوضات الـ 17 من مايو، ورأى أن "المسار الذي سلكته المفاوضات كان منسجماً مع المصلحة اللبنانية"، مشيراً إلى أن "الاتفاق حظي يومها بتأييد عربي واسع، باستثناء موقف الرئيس السوري حافظ الأسد والرئيس الليبي معمر القذافي"، ومشيداً بموقف "الملك السعودي فهد بن عبدالعزيز آل سعود الذي تعامل مع لبنان بوصفه دولة مستقلة يحق لها أن تقرر ما يخدم مصلحتها".

ومن الدفاع عن "اتفاق 17 مايو" بوصفه "خياراً لبنانياً اضطرارياً"، ينتقل سالم إلى جوهر التجربة نفسها، وكيف تُفاوض دولة صغيرة عدواً يحتل أرضها، وكيف تحاول أن تنتزع مصلحتها من ميزان قوى لا يعمل لمصلحتها..

يرفض سالم اعتبار التفاوض مع العدو شكلاً من التنازل، ويقول إن "المفاوضات لا تجري عادة بين الأصدقاء، بل بين الخصوم والأعداء، لذلك فإن التفاوض ليس هدفاً بحد ذاته، بل وسيلة لحماية المصلحة الوطنية"، مضيفاً أن "لبنان في تلك المرحلة كان تحت الاحتلال الإسرائيلي، وبيروت كانت مدمرة، والدولة لم تكن تملك القدرة العسكرية اللازمة لتحرير الأرض بالقوة"، ومن هنا يرى أن "التفاوض كان الخيار الواقعي الوحيد المتاح لحماية لبنان، وبالتالي فالخيار الواقعي كان الاستعانة بالأميركيين للتأثير في إسرائيل"، موضحاً أن "الفرصة اليوم قد تكون عبر الضغط الأميركي لإخراج إسرائيل من لبنان، من دون تدمير القرى"..

وتوقّف سالم عند أسلوب الإسرائيليين في التفاوض، واصفاً إياه بـ "الصعب جداً"، لا لأنه "يقوم على المطالب المباشرة وحسب"، بل لأنه، بحسب تجربته، "يقوم على رفع السقف باستمرار، وإدخال شروط إضافية كلما اقترب الاتفاق من نهايته"، وروى أن المبعوث الأميركي فيليب حبيب حذّره يومها من "صعوبة التعامل معهم، ومن قدرتهم على تحويل كل تفاهم إلى باب لمطلب جديد"..

وبحسب سالم "فلم تكن المطالب الإسرائيلية محصورة بترتيبات الانسحاب أو الأمن الحدودي، بل اتسعت لتشمل التفاوض في القدس، والدخول في مفاوضات سياسية، وإقامة محطات إنذار داخل لبنان، واستعادة جثث القتلى الإسرائيليين في الحروب اللبنانية"، وكان يرى أن "الأخطر في هذا الأسلوب أن إسرائيل، حتى بعد التوصل إلى اتفاق، تحاول أن تأخذ شيئاً إضافياً في اللحظة الأخيرة"..

من هنا، دعا سالم "أي مفاوض لبناني إلى أن يدخل المفاوضات بعينين مفتوحتين"، مدركاً أن "كل تفصيل قد يتحول إلى تنازل إذا لم يُحسن ضبطه"، ومشدداً على أن "التفاوض لا يعني التفريط، وأن حماية كرامة لبنان ومصالحه يجب أن تبقى القاعدة الأولى على أية طاولة"، فلبنان، كما يراه سالم، "قيمة قائمة بذاتها في العالم العربي، بحريته وانفتاحه وقبوله للآخر، وتعدد لغاته، ولا ينجح في التفاوض إلا من يفهم أن العلم وبناء الدولة والحضارة والقيم الإنسانية هي جوهر القوة اللبنانية"..

التفاوض تحت ضغط الواقع

من هنا يعود السؤال للحاضر، وإذا كان الإسرائيليون يقرأون تلك المفاوضات اليوم بوصفها جزءاً من "اتفاق إستراتيجي" تطور أثره مع الزمن، فهل استطاع لبنان أن يراكم بدوره على ما تحقق، أم أنه بقي، كما في محطات كثيرة، يراوح مكانه؟.

عن المفاوضات الحالية، لا يضع سالم المسألة في خانة "الخيار الإستراتيجي الهادئ"، بقدر ما يراها "نتيجة واقع ضاغط يفرض نفسه على لبنان"، فبحسب سالم "حين تكون الأرض محتلة والقرى مدمرة والناس يبحثون عن حد أدنى من الأمان، يصبح التفاوض أحد السبل المتاحة لحماية المصلحة الوطنية، حتى لو عرّض المسؤول للاتهام أو التخوين"، مشدداً على أن "قرار الحرب والسلم أو الذهاب إلى التفاوض لا يجوز أن يكون خارج الدولة، فالقرار، كما يقول، يجب أن يبقى محصوراً في المؤسسات الدستورية، وهي الحكومة المنبثقة من الانتخابات والبرلمان ورئاسة الجمهورية، ورئاسة مجلس النواب ورئاسة الحكومة والوزراء"..

ومن هنا يوضح سالم أن "موقف رئيس الجمهورية في الملفات المصيرية لا ينبغي أن يكون فردياً، بل تعبيراً عن موقف الحكومة وتوازنات الإجماع الوطني داخل المؤسسات، وعلى رغم كل عيوب النظام اللبناني فإنه يرى أنه لا يزال من أكثر الأنظمة العربية رحابة، لأن الإجماع فيه، متى أمكن، يتكون عبر المؤسسات لا خارجها"..

وعمّا إذا كان مشاركاً اليوم في الوفد التفاوضي، يعود سالم للحظة قبوله تولي وزارة الخارجية في عهد الرئيس أمين الجميل، ويومها، كما يروي، لم يسأل عن "المنصب ولا المكاسب"، بل سأل سؤالاً واحداً: هل لبنان مرتبط باتفاق سلام مع إسرائيل؟ ولما جاءه الجواب بالنفي قبِل المهمة، أما لو كان الأمر يتعلق بسلام سياسي شامل، فيقول إنه كان سيعتذر عن الخارجية ويفضل "حقيبة أخرى"..

ولا يرى سالم أن هناك توقيتاً مثالياً للتفاوض في بلد صغير يعيش تحت ضغط الاحتلال والدمار، "فاحترام لبنان وحماية قراه وناسه يتقدمان"، ولذلك يرى أن "اللبنانيين يريدون حلاً، وأن الممكن اليوم ليس سلاماً شاملاً، بل اتفاقات أمنية عبر دولة كبرى مثل الولايات المتحدة"، لأن ظروف السلام، كما يقول، "غير ناضجة بعد"، محذراً من أن "فشل المفاوضات سيعيد فتح الباب أمام حرية الحركة الإسرائيلية"، وأنه "لا قوة عربية أو أجنبية تستطيع وحدها ضبط هذا المسار، إذا غاب الدور الأميركي"، ولذلك يؤكد أن "ما يبقى للبنان، في مثل هذه اللحظات، هو التمسك بوحدته الداخلية والعمل مع الدول الكبرى من أجل تثبيت حدوده وحمايتها، لا الاكتفاء بالشعارات أو انتظار تبدل موازين القوى".

أية سياسة خارجية للبنان؟

من ملف التفاوض ينتقل سالم إلى السياسة الخارجية، بوصفها امتداداً للمعنى نفسه، "أن يعرف لبنان مصلحته أولاً"، فهو يؤكد أن "لبنان امتلك دائماً سياسة خارجية مستقلة عندما كانت قراراته تنطلق من مصلحته الوطنية، لا من مصالح الآخرين"، وفي نظره فإن "لبنان ليس تفصيلاً في الجغرافيا، بل دولة عربية ذات شرعية عربية ودولية، وصاحب رسالة حضارية نابعة من موقعه وتاريخه كملتقى حضارات وأديان وثقافات"..

ويشرح سالم أن "استقلال السياسة الخارجية لا يعني أن ينعزل لبنان عن العالم، ولا أن يقف على الحياد في كل الملفات، بل أن يعرف أين تكمن مصلحته، ومن يستطيع مساعدته في كل مرحلة"، ومن هذه الزاوية يبرر خياره بالعمل مع الولايات المتحدة لإخراج إسرائيل من لبنان، باعتبارها "الدولة الأكثر قدرة على التأثير في القرار الإسرائيلي"..

وإذا عدّ بعضهم هذا الخيار خيانة، يرد بسخرية "فما أحلى الخيانة"، موضحاً أن "الخيانة الحقيقية، في رأيه، ليست في طلب مساعدة دولة كبرى لحماية لبنان، بل في تعطيل مصلحة لبنان أو تركه وحيداً أمام الاحتلال"..

وبالنسبة إليه يجب أن "تنطلق السياسة الخارجية اللبنانية من حقيقة أن لبنان دولة عربية رائدة ومتحضرة، لها علاقات مع كل العالم، لكنها في الوقت نفسه محكومة بجغرافيتها وصلاتها التاريخية مع سوريا وفلسطين والعراق ومحيطها العربي"، ومن هنا فهو يضع "دعم القضية الفلسطينية وقيام دولة فلسطينية مستقلة في صلب أية سياسة خارجية لبنانية"، موضحاً أن "بقاء الفلسطينيين بلا دولة ليس ظلماً لهم وحدهم، بل جرحاً مفتوحاً في استقرار المنطقة كلها"..

الحياد لا يحمي لبنان

في كتابه "في حوار مع لبنان"، كما في مواقفه السياسية، لا يخفي سالم تحفظه على فكرة حياد لبنان، فهو يعد أن "الحياد للدول الضعيفة، ومهما بدا جذاباً نظرياً فهو لا يشكل ضمانة فعلية لدولة صغيرة، تعيش في قلب منطقة مفتوحة على النزاعات"، متسائلاً "إذا أعلن لبنان حياده ودخلت إسرائيل في اليوم التالي، فمن يحميه؟".

ويرى سالم أن "لبنان لا يستطيع أن يكون محايداً تجاه العدالة أو قضايا المنطقة، لأنه دولة عربية تتأثر بما يجري مع دول الجوار في سوريا وفلسطين والأردن، وكذلك فإنه يحتاج في الوقت نفسه إلى علاقات قوية مع دول الخليج والدول الكبرى"، ولذلك يرفض فكرة "الحياد المطلق"، عاداً أن "الحياد لا يقوم بإعلان لبناني منفرد، بل يحتاج إلى قبول الدول المتنازعة وضمانات قادرة على حمايته"..

ويرفض سالم أن يُختصر لبنان بـ "دور الجسر أو الوسيط أو المترجم بين الآخرين، أو أن يبقى مجرد ساحة لما سمّاه الصحافي والمفكر الراحل غسان تويني "حروب الآخرين على أرضه"، فلبنان في نظره "كيان سياسي ووطني مستقل، سيد وحرّ، لا يحدد موقعه وفق رغبات الخارج، بل وفق مصلحته الوطنية أولاً"..

أما حماية لبنان من صراعات المنطقة، فبحسب سالم "تبدأ من الداخل، والمدخل الأول هو الوحدة الوطنية، أي أن يتصرف اللبنانيون كشعب واحد لا كمجموعة طوائف متقابلة"، مشدداً على أن "النظام اللبناني ينطلق من الطوائف إلى كل لبنان، لا من الطائفة إلى الطائفة، وأن الدستور، في جوهره، علماني يستند إلى أرفع ما في الإسلام والمسيحية من قيم"، والمطلوب، برأيه، هو "ترجمة هذه القيم إلى دولة ديمقراطية تخدم الإنسان وتحميه"..

ويشير سالم إلى أن "السياسة الخارجية المستقلة تبدأ من هذا الوعي الداخلي، فلبنان لا يستطيع أن يتحدث بصوت واحد في الخارج إذا كان عاجزاً عن تعريف نفسه في الداخل"، ويرى أن "استقلال القرار اللبناني لا يتحقق فقط برفض التدخلات الخارجية، بل أيضاً بالتوقف عن تحميل الخارج وحده مسؤولية كل أزمة، وبناء دولة تعرف مصلحتها العامة وتتصرف على أساسها"..

العلاقة مع سوريا اختبار السيادة

إذا كانت سياسة لبنان الخارجية، في نظر سالم، تبدأ من معرفة المصلحة الوطنية وعدم الارتهان لمحاور الخارج، فإن العلاقة مع سوريا كانت الاختبار الأصعب لهذه المعادلة، وفي السياق استعاد سالم جانباً من المناخ الصعب الذي حكم تعامل لبنان مع دمشق خلال تلك المرحلة، فلم يقدم القصة بوصفها سجالاً شخصياً مع نائب الرئيس السوري السابق عبدالحليم خدام وحسب، وقد حدث ذلك، بل بوصفها اختباراً لموقع لبنان نفسه في علاقته مع الجار الأقوى، فحين كان يسمع كلاما ينتقص من سيادة لبنان، أو يتعامل معه كدولة صغيرة قابلة للإملاء، كان يرد من موقع وزير خارجية يرى أن "كرامة الدولة لا تقاس بحجمها ولا بعدد سكانها"..

ومن هنا قال سالم إنه كان يتصرف كوزير خارجية دولة كبرى، "لا لأن لبنان دولة عظمى بالمعنى العسكري، أو الاقتصادي"، بل لأن تمثيل الدولة، في رأيه، "يفرض على صاحب المنصب أن يحمي هيبتها كما لو كانت كذلك"، فلبنان بالنسبة إليه "لا يجب أن يقبل بأن يكون "رقم اثنين" في علاقاته مع أحد"، وفي هذه العبارة تختصر فلسفة سالم في السياسة بأنه لا استعلاء على الآخرين، لكن لا قبول بالدونية أيضاً..

 

"الطائف" ليس المشكلة

بعد عقود أمضاها بين قاعات التفاوض وصدامات السياسة الإقليمية، واختبارات السيادة والعلاقة مع سوريا، يعود سالم للمحطة التي لا يزال اللبنانيون يختلفون حولها حتى اليوم، "اتفاق الطائف"، الذي أنهى الحرب الأهلية عام 1990، ويرى أن "ربط فشل بناء الدولة بعد 'الطائف' بالاتفاق وحده تبسيط لا يطابق الوقائع، فالمشكلة ليست فقط في النصوص الدستورية أو التسويات السياسية، بل في طريقة إدارة الدولة بعد ذلك، وفي عجز اللبنانيين عن ترجمة أي اتفاق إلى مؤسسات، تعمل وفق منطق الدولة لا وفق منطق المحاصصة والتعطيل"..

الاعتماد على الذات

بعد كل هذه المحطات، يختصر سالم الدرس الأهم في كلمة واحدة: "الاعتماد على الذات"، ويوضح وزير خارجية لبنان السابق أن أكبر خطأ يمكن أن يكرره الجيل الجديد هو انتظار الخارج، والاتكال على الآخرين، فلبنان، في نظره، "لا ينهض إلا حين يثق اللبنانيون بأنفسهم وبقدرتهم على بناء دولتهم"، ويقول إن "اللبنانيين يكونون في أقوى حالاتهم عندما يعتمدون على أنفسهم، لأن قوة البلد لا تقاس بعدد سكانه، بل بموقفه وحضارته وانفتاحه وقدرته على العيش بسلام"..

ويختم سالم بأن "إعادة بناء لبنان لا تحتاج إلى انتظار ظرف مثالي، بل تبدأ من الآن، ومن أداء كل مسؤول واجبه من موقعه، فوزير التربية مسؤول عن التربية الوطنية، ووزير الخارجية عن تقوية علاقات لبنان العربية والدولية، ورئيس الجمهورية عن حماية الدولة من الفساد والمحيطين به، وعبر الخروج من حفرة الكذب والنفاق واستثمار الدولة، وأن يبدأ كل واحد بتحمل مسؤوليته من الآن وليس غداً"..

اقرأ المزيد

المزيد من حوارات