Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

المطبخ الصحراوي الجزائري حبيس الجغرافيا

يتبع سكان الجنوب طرقاً خاصة مثل الطهي تحت الرمل أو الجمر وتحضير خبز "الملة"

يتميز المطبخ الصحراوي الجزائري بأكلات بسيطة وغنية بالقيمة الغذائية من أبرزها خبز يُطهى تحت الرمال الساخنة (وسائل التواصل)

ملخص

المطبخ الصحراوي الجزائري... نكهات الجنوب التي لم تجد طريقها بعد إلى موائد الشمال

مع ذكر المطبخ الجزائري تبادر إلى الأذهان أطباق مثل الكسكس والشخشوخة والرشتة والمثوم، وهي أطباق ارتبطت بالمناسبات والموائد العائلية في مختلف أنحاء البلاد. لكن خلف هذا الحضور الطاغي لمطبخ الشمال والشرق والغرب، يظل المطبخ الصحراوي -الذي تنتجه ثلاثة أرباع مساحة الجزائر تقريباً- بعيداً من دائرة المعرفة الشعبية الواسعة، حتى بالنسبة إلى كثير من الجزائريين أنفسهم. فلماذا لا يزال هذا التراث الغذائي الغني حبيس جغرافيته، وكيف يمكن إنقاذه من الاندثار؟

مطبخ بمذاق الصحراء

يتميز المطبخ الصحراوي الجزائري بطابع خاص يعكس بيئة الجنوب وأسلوب حياته، فبينما تشتهر مناطق الشمال بالمرق الأبيض أو الأحمر الحار والتوابل المتنوعة كالكركم والزنجبيل والزعفران، يتبع سكان الجنوب طرقاً خاصة في الطبخ، من أبرزها الطبخ تحت الرمل أو الجمر، الذي يُحضّرون به خبز "الملة" والمشاوي.

وفي منطقة الأهقار وتمنراست، عاصمة الطوارق، يتميز المطبخ بأكلات صحراوية بسيطة وغنية بالقيمة الغذائية، من أبرزها خبز يُطهى تحت الرمال الساخنة ويُقدّم مع الزبدة أو العسل.

كذلك تزخر المنطقة الصحراوية بأطباق ذات أسماء وتقنيات تحضير خاصة، مثل الزفيطي، وهو خبز رقيق يُقدّم مع صلصة حارة وحليب بارد، يشتهر بصورة خاصة في المناطق الصحراوية، إضافة إلى الدوبارة، وهي طبق شتوي من الفول والحمص والبصل، يخصّ منطقة بسكرة. وحتى الشخشوخة، التي تُعدّ في الأصل طبقاً شرقياً، أخذت في الصحراء نسخاً محلية خاصة بها، حيث تتميز بسكرة "بوابة الصحراء" بشخشوختها الخاصة، إلى جانب الشخشوخة البوسعادية.

وتشتهر منطقة تيميمون في الجنوب الجزائري بطبق الرقاق الصحراوي التقليدي أو ما يعرف في الشمال بـ"الشخشوخة الصحراوية" ويحضر بالعدس و"التادلاغت"، وهو نوع من الفاصولياء صغيرة الحجم والبازلاء، محضر بلحم الخروف والدجاج، وعادة ما يحضر عند قدوم العروس إلى بيت زوجها.

ويعد طبق "الكنود" واحداً من الأطباق المشهورة كثيراً في المنطقة، وهو عبارة عن خبز يحضر بالقمح ويطبخ مع المرق، وعادة ما يجري تحضيره لاستقبال الضيف العزيز، إلى جانب طبق "المردود" المعد باللحم والدجاج والبقوليات مثل الجلبانة والحمص والعدس بالمرق الأحمر، و"التادلاغت" أو الفاصولياء البيضاء الصغيرة الحجم والسوداء، التي تعطي الطبق اللون حسب نوعية الفاصولياء المستعملة.

وتشتهر المناطق الصحراوية أيضاً بكسكسي الشعير المحضر بلحم الغنم أو الإبل والمطبوخ بمرق أحمر كثيف، يحضر منزلياً ويمتاز بطعم مميز ولذيذ. أما في ما يخص العجائن، فيوجد خبز "المخلعة" و"المختومة" و"خبز الشحمة" و"الرقاق" و"المردف"، وهي كلها أنواع يجري تحضيرها وتقدم مع كؤوس الشاي.

وتستخدم التوابل المحلية المتنوعة مصدراً فريداً للنكهة، وتضم خلطات خاصة لكل طبق أعشاباً صحراوية نادرة كـ"القرطوفة" و"اللماد" و"الفيجل" و"الشيح" وغيرها، تُستخرج من البيئة الصحراوية وتعكس أصالة المطبخ المحلي.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

كذلك يوجد طبق "الزفيطي" الذي يتسم بمذاقه الحار جداً لاستخدام الفلفل الأخضر الحار والثوم والقصبرة والزيتون الأخضر، ويطبخ مع العجين ثم يقطع بالمهراس الخشبي، ويقدم في وعاء مصنوع من خشب البلوط القاسي.

وتعتبر الدوبارة من أشهى المأكولات الجزائرية التي تنتشر خصوصاً في مدينة بسكرة جنوب البلاد، وتوجد ثلاثة أنواع: دوبارة بالحمص أو دوبارة بالفول أو دوبارة مختلطة أي إنها تتضمن الفول والحمص معاً. ولتكون الدوبارة لذيذة لا بد من نقع الحمص والفول في الماء ليلة كاملة قبل التحضير وفي اليوم التالي نتركها تغلي في الماء من دون ملح.

أما في ما يخص الحلويات، فتشتهر المناطق بـ"الرفيس"، الذي له هو الآخر طريقة خاصة في التحضير، حيث يعتمد في تحضيره على معجون التمر والسميد المحمص والدهن الحار، مع بعض التوابل مثل القرفة والقرنفل والسانوج الأبيض.

أصالة وابتكار

وتقول الشيف آمال، المتخصصة في الطبخ التقليدي، إن مناطق الجنوب الجزائري معروفة بكثير من الأطباق اللذيذة لكن للأسف تبقى غير معروفة بالصورة المطلوبة في الشمال.

وأوضحت أن الجنوب الجزائري لا سيما منطقة بسكرة معروفة بالأطباق الحارة على غرار "الشخشوخ" وطبق "الحسوة" و"المحاجب" و"العيش" وطبق "تشيشة" وغيرها الكثير.

وأشارت إلى أن سبب عدم انتشار هذه الأطباق والوصفات يتمثل في كثرة الحصص والبرامج التلفزيونية الخاصة بالطبخ، التي يقدم فيها الطباخون كثيراً من الوصفات الجديدة والمبتكرة على حساب الوصفات التقليدية المعروفة.

وتابعت أن "مواكبة الجديد في الطبخ والوصفات العصرية شيء جيد، لكن ليس على حساب الطبخ التقليدي الذي يجب ألا ينسى ويبقى هو الأصل".

ويروي أصحاب خبرة أن وصفات "الرقاق" و"المردود" تُنقل شفويّاً ضمن العائلة فقط، وغالباً ما تحضر في الأعياد والمناسبات من دون ذكرها في وسائل الإعلام. على رغم ذلك، ثمة محاولات فردية للحفظ، ففي الجنوب الغربي قام بعض الحرفيين بإدراج الأطباق الصحراوية في مسابقات الطبخ الوطنية.

عوامل متشابكة

وتفسر عوامل متشابكة عدة محدودية انتشار المطبخ الصحراوي مقارنة بمطابخ مناطق أخرى، على غرار البعد الجغرافي والعزلة النسبية، حيث تمتد الصحراء الجزائرية على مساحات شاسعة، وتقع أهم حواضرها التقليدية، كتمنراست وأدرار وتندوف وإليزي، على مسافات بعيدة جداً عن المراكز السكانية الكثيفة في الشمال. فتمنراست وحدها تبعد عن العاصمة بما يقارب 2000 كيلومتر، هذا التباعد الجغرافي يحدّ طبيعياً من التواصل اليومي والتبادل الغذائي بين سكان الشمال والجنوب، خلافاً لما يحدث بين مناطق الشمال المتقاربة نسبياً.

وأصبحت أطباق معينة في الإعلام والمناسبات الوطنية الكبرى، الكسكس والشخشوخة وما شابهها، "أطباقاً موحِّدة" تُقدَّم في الأعراس والمناسبات في مختلف الجهات، وهو ما رسّخ حضورها في الذاكرة الجماعية على حساب الأطباق المحلية الصرفة لكل منطقة. كذلك فإن جزءاً كبيراً من المحتوى الرقمي والتلفزيوني الخاص بالطبخ الجزائري (المدونات وصفحات التواصل وبرامج الطبخ) يميل إلى التركيز على أطباق الشمال والشرق والغرب الأكثر شهرة وتداولاً.

وركّزت الجهود المبذولة للتعريف بالموروث الصحراوي حتى الآن بصورة أكبر على الجوانب الفلكلورية والملبسية واللغوية، أكثر من تركيزها على الجانب الغذائي بعينه. فعلى سبيل المثال، سجّلت الجزائر لدى "اليونسكو" عناصر ثقافية لامادية عدة مرتبطة بالجنوب والصحراء، من بينها أهليل قورارة والسبيبة والسبوع وصناعة القندورة والملحفة، وهي عناصر تعكس عمق الاهتمام الرسمي بالتراث الصحراوي عموماً، لكنها لا تشمل بعد تسجيلاً خاصاً بالأطباق والوصفات التقليدية الصحراوية في حد ذاتها.

تراث متنوع

وتقول فايزة رياش، الباحثة في علم الآثار، إن الإقبال على الأطباق التقليدية الصحراوية كان خجولاً قبل تفشي كورونا، لكنه ارتفع بصورة ملحوظة بعد انحسار الوباء.

وأوضحت رياش أن الولايات الجنوبية تقدم تراثاً غذائياً متنوعاً على غرار مناطق جانت وتمنراست وتيميمون وتمنطيط وورقلة وبوسعادة والوادي وبسكرة وغيرها، ونرى كثيراً من أطباق هذه المناطق على طاولات مطاعم شمال البلاد، ولو بصورة محدودة.

وأضافت أن أطباق "الشخشوخة" و"الزفيطي" و"المهراس" وغيرها أصبحت تقدم في المطاعم في ولايات الشمال كالجزائر العاصمة أو وهران وقسنطينة، أو داخل مطاعم خاصة بها تعرف بـ"الخيمة"، إضافة إلى انتشار دكاكين بيع الشاي الصحراوي التي تلقى إقبالاً من طرف الشباب والعائلات.

وترى رياش وهي رئيسة "الجمعية الوطنية تراث جزايرنا" المعتمدة من طرف "اليونسكو"، أن التعريف بالأطباق الصحراوية يكون من خلال توثيق كل هذه الوصفات التقليدية الصحراوية عبر أفلام وثائقية قصيرة ونشرها في مواقع التواصل الاجتماعي أو داخل المؤسسات السياحية كالفنادق ومواقع الهيئات الرسمية الخاصة مثل مديريات السياحة، وتحويل بعض الوصفات إلى منتج سياحي قابل للتسويق، عبر المطاعم التقليدية في المدن الصحراوية والخيم السياحية التي تستقبل الزوار، بما يضمن استمرارية اقتصادية لهذه الأطباق، بدل أن تبقى حبيسة الاستهلاك المنزلي المحدود.

وأشارت إلى ضرورة العمل على إدراج المطبخ الصحراوي ضمن برامج الجرد الخاصة بالتراث اللامادي باعتباره جزءاً من الممارسات والمعارف التقليدية المحلية، ومن خلال تنظيم المهرجانات كمهرجان تيميمون السينمائي مثلاً للتعريف بكل الأطباق الصحراوية، وإشراك الحرفيين والمرأة الماكثة بالبيت في عملية نقل الخبرات للأجيال القادمة من خلال معارض خاصة، وأيضاً تشجيع البحث العلمي في مجال التراث الغذائي الصحراوي وعلاقته بالهوية والتنمية المحلية.

وخلصت إلى القول إن "المطبخ الصحراوي ليس فقط أطباقاً ومأكولات، إنما هو جزء أصيل من التراث الثقافي الجزائري غير المادي الذي يعكس تاريخ المجتمع المحلي وعلاقته بالبيئة التي تنتج له الإضافات الخاصة بأكله وأطباقه".

وبالمحصلة، لا يعاني المطبخ الصحراوي الجزائري نقصاً في الغنى أو التنوع، بل يعاني نقصاً في الرؤية والتعريف. فالجنوب الذي يشكّل الجزء الأكبر من خريطة الجزائر يختزن تقاليد طهي فريدة تستحق أن تأخذ مكانها مثل الكسكس والشخشوخة في الذاكرة الغذائية الجمعية للجزائريين. وبين جهود التوثيق والتسجيل لدى "اليونسكو" وتفعيل السياحة الصحراوية والانفتاح الإعلامي الذكي، تبقى فرصة إنقاذ هذا التراث من الاندثار قائمة، بشرط أن تتحول الجهود المتفرقة إلى استراتيجية واضحة المعالم تُعيد الاعتبار لمطبخ الصحراء بقدر ما أُعيد الاعتبار لألبستها وفنونها وموسيقاها.

اقرأ المزيد

المزيد من منوعات