ملخص
شكّلت الخارجية العراقية لجنة عليا لتحسين تصنيف جواز السفر العراقي ورفع القيود عن سفر المواطنين، مؤكدة أن العمل يجري على توسيع قائمة الدول التي تمنح تسهيلات الدخول، وربطت تصنيف الجواز بالوضعين الأمني والاقتصادي داخل البلاد.
كان سيف يتهيأ للسفر إلى مؤتمر مهني خارج العراق، بعد دعوة وصلته قبل أسابيع، مصحوبة بحجز وترتيبات له، وبات كل شيء على أساس موعد محدد، ووصل إلى مطار بغداد في الصباح الباكر، يحمل حقيبة صغيرة وملف الدعوة وحجز الفندق، وبالنسبة إليه فقد كان المؤتمر فرصة عمل نادرة، وارتبط حضوره بموعد لا يمكن تعويضه بسهولة.
جلس سيف في صالة المغادرة ينتظر نداء التوجه إلى الطائرة، وبعد وقت قصير بدأت الأخبار تصل بين المسافرين قبل الإعلان الرسمي عن إغلاق المجال الجوي العراقي وتوقف الرحلات، وظل الركاب يتابعون الشاشات والنداءات داخل المطار.
ويقول الشاب العراقي إن الموظفين طلبوا من المسافرين انتظار التعليمات، ثم بدأ الحديث عن إلغاء الرحلات تدريجاً، لكنه بقي في المطار لساعات ومعه ركاب أجانب وطلاب وعائلات ومسافرون لديهم مواعيد علاج، وكان يفتح هاتفه كل بضع دقائق ليتابع صفحة المطار وشركة الطيران، ولا يحصل شيء.
ومع نهاية اليوم خرج من المطار من دون سفر وبقيت تذكرته معلقة، ولم يصل إليه مبلغها، وقد حاول تغيير الحجز أكثر من مرة، لكن الرحلات لم تعد بصورة منتظمة، وبعض الشركات كانت تمدد تعليق رحلاتها إلى العراق أو تؤجل استئنافها.
استمر انتظار سيف نحو شهرين، وكان يفترض أن يحضر المؤتمر ويعود لبغداد خلال أيام، لكنه كغيره ظل محاصراً ولم يتمكن من تحقيق حلمه، ويقول "بعدها حاولت التقديم على تأشيرة أخرى لتعويض الفرصة التي خسرتها، فوجدت مركز التأشيرات مغلقاً بسبب الوضع الأمني".
ويوضح سيف أن جوازه العراقي جعل خسارته أثقل، فالمسافر الذي يملك جوازاً أقوى يستطيع تغيير وجهته أو اختيار بلد عبور آخر خلال ساعات، أما هو فكان يحتاج إلى تأشيرة وموعد بصمة وحجز جديد وموافقة جديدة، لكن في لحظة واحدة أصبح كل شيء مرتبطاً بمزاجيات السياسة والحرب، وجواز غير قادر على فتح أبواب عدة.
أما آلاء محمد، فتقول إن تركيا ولبنان كانتا من بين الوجهات الأقرب لكثير من العراقيين، للسياحة والعلاج والعبور وزيارات العائلة، لكن خلال الأزمة الأخيرة، تراجعت فاعلية حتى هذين الخيارين فلبنان بقي تحت تحذيرات سفر دولية بسبب النزاع المسلح، أما تركيا فتحتاج إلى تأشيرة للعراقيين حاملي الجواز العادي بين 15 و50 سنة، مما يجعل السفر إليها مرتبطاً بقبول الطلب أو عدمه، وبكُلف الحجز والتذكرة والإقامة.
وتضيف آلاء أن "ضعف الجواز العراقي يعوق حرية تنقل المواطنين، ويفرض عليهم إجراءات معقدة للحصول على التأشيرات، مما يؤدي إلى تراجع فرص العمل والتعليم والعلاج خارج البلاد، ليبدو كل شيء متأخراً عن الآخرين الذين يتمتعون بجوازات أفضل".
الحرب تحمل أسباباً كثيرة
أواخر فبراير (شباط) الماضي بدأ إغلاق المجال الجوي العراقي مع تصاعد الأخطار الأمنية في المنطقة وتوقف واسع في حركة المطارات وشركات السفر منذ الـ 28 من الشهر نفسه، وخلال هذه الفترة توقفت الرحلات في عدد من الدول أيضاً، واستمر إغلاق المجال الجوي العراقي 40 يوماً، قبل إعلان إعادة فتح الأجواء والمطارات في الثامن من أبريل (نيسان) الماضي، وخلال فترة الإغلاق توقفت حركة الإقلاع والهبوط في المطارات العراقية، وتعطلت الرحلات المجدولة من بغداد وبقية المطارات، فيما بقيت حجوزات المسافرين مرتبطة بقرارات الفتح وإشعارات شركات الطيران.
وقد شمل الإغلاق الرحلات المغادرة والقادمة، وأثر ذلك في المسافرين الذين كانت لديهم مواعيد سفر محددة للعلاج أو الدراسة أو العمل أو العودة لبلدان الإقامة، وكذلك واجه أصحاب الحجوزات المسبقة مشكلة تبديل المواعيد أو انتظار استئناف الرحلات، في وقت بقيت بعض الشركات تتعامل بحذر مع العودة للعراق بعد فتح الأجواء.
ومع إعادة فتح المجال الجوي احتاجت حركة السفر مدة حتى تعود بصورة منتظمة، بسبب تراكم الحجوزات وتغير أسعار التذاكر، واستمرار بعض الشركات في مراجعة جداولها وفق الوضع الأمني، وبالنسبة إلى المسافر العراقي فقد ارتبط ذلك بكلفة إضافية وانتظار أطول، خصوصاً وأن رفاهيات الجواز العراقي محدودة للغاية، ومحاصرة ببروتوكولات معقدة، تلقي بثقلها على المواطن.
ضعف الجواز
يقع العراق ضمن منطقة تتداخل فيها حركة الطيران المدني مع أخطار أمنية متكررة، بينها الصواريخ والمسيّرات وأنظمة الدفاع الجوي، وقد نصحت "وكالة سلامة الطيران الأوروبية" في أحدث نشراتها بعدم التحليق فوق العراق على أي ارتفاع، ضمن تقييم مرتبط بالأخطار الأمنية في المنطقة، لتضع هذه التحذيرات شركات الطيران أمام حسابات إضافية قبل استئناف الرحلات، وحتى بعد صدور قرارات رسمية بإعادة فتح المجال الجوي، وقد أعلنت الخطوط القطرية استئناف رحلاتها إلى بغداد والبصرة وأربيل ابتداء من الـ 10 من مايو (أيار) الماضي، أي بعد أكثر من شهر على إعلان العراق إعادة فتح المجال الجوي في الثامن من أبريل الماضي، أما الرحلات المرتبطة بتركيا فتشير بياناتها إلى عودتها تدريجاً، من بينها استئناف رحلات كركوك ـ تركيا في الأول من مايو الماضي، بعد أسابيع من التوقف.
وبالنسبة إلى العراقيين فإن أزمتهم لم تنته بإعلان فتح المجال الجوي، فبعد ذلك أصبحت كلفة السفر أعلى من المعتاد، ومع أن القرار الرسمي سمح باستئناف الرحلات لكن عودة الطيران احتاجت إلى جداول تشغيل جديدة، وتقييمات أمنية من الشركات، وتحديد مقاعد بديلة للمسافرين الذين تعطلت حجوزاتهم خلال فترة الإغلاق.
يقول محمد الساعدي، وهو صاحب شركة سفر، إن ارتفاع الأسعار حصل بسبب عوامل كثيرة مجتمعة، ومنها أن عدد المقاعد المتاحة انخفض بعد توقف الرحلات، ثم عادت بعض الشركات بجداول محدودة وبطيئة للغاية، علاوة على أن الرحلات البديلة احتاجت إلى خطوط أطول لتجنب الأجواء الخطرة في العراق وإيران والخليج، وزيادة زمن الرحلة رفعت استهلاك الوقود وساعات التشغيل، بينما زاد الطلب مع محاولة أعداد كبيرة من المسافرين إعادة ترتيب رحلاتهم خلال فترة قصيرة.
وتشير "رويترز" إلى أن أسعار الرحلات بين آسيا وأوروبا ارتفعت بصورة كبيرة بعد إغلاق مطارات رئيسة في الشرق الأوسط، وكذلك فإن تذاكر كثيرة بقيت محجوزة بالكامل لأيام، موضحة أن تجاوز الأجواء المغلقة عبر خطوط بديلة يطيل الرحلة ويرفع استهلاك الوقود، في وقت شهدت أسعار النفط ارتفاعاً بسبب الحرب.
تبريرات رسمية
بحلول منتصف أبريل الماضي أعلنت وزارة النقل العراقية أن تذاكر الرحلات التي توقفت بسبب ظروف الحرب لا تزال فعالة، ويمكن إعادة استخدامها عبر مراكز الحجز داخل العراق وخارجه، مشيرة إلى أن عودة رحلات الخطوط الجوية العراقية تجري تدريجاً للوجهات المختلفة.
وأوضح الساعدي أن كثيراً من العراقيين يعتمدون على رحلات الترانزيت للوصول إلى أوروبا أو أميركا أو آسيا، وتمثل إسطنبول والدوحة ودبي وعمّان محطات رئيسة لهم، لأن الرحلات المباشرة من العراق محدودة، مضيفاً أنه "عند تراجع عدد الرحلات أو تأخر عودة شركة ما، يضطر المسافر إلى اختيار شركة أغلى أو رحلة بعد أيام أو بلد عبور لا يناسب وضع جوازه وتأشيرته".
وتزيد قيود الجواز العراقي كلفة الأزمة، فالمسافر الذي يحمل جوازاً أقوى يستطيع تغيير بلد العبور بسرعة أكبر، أما العراقي فيحتاج غالباً إلى تأشيرة مسبقة، أو شروط ترانزيت محددة، أو حجز مؤكد قبل التقديم على موعد قنصلي، لذلك لا يختار بين بدائل عدة متقاربة، بل يبحث عن الخيار المتاح فعلاً، حتى حين يكون أغلى من قدرته.
ويبيّن الساعدي أن في هذه الحال يدفع المسافر فرق السعر ويعيد ترتيب موعد سفره، وقد يخسر موعد تأشيرة أو علاج أو مؤتمر، وكلما تأخرت عودة الشركات لجداولها السابقة، بقيت التذاكر القريبة أعلى كلفة، وظلت الخيارات العملية أمام العراقي أقل من حاجة السوق.
ويضع مؤشر "هينلي" لجوازات سفر 2026 العراق في المرتبة 99 من أصل 101، مع إمكان الدخول إلى 29 وجهة فقط من دون تأشيرة مسبقة، وهو ما وضع بلاد الرافدين في مرتبة متأخرة جداً عربياً، متقدماً على سوريا فقط، وتُظهر نسخة عام 2026 اتساعاً قياسياً في الفجوة المتعلقة بحرية التنقل للفرد العراقي.
ويعطي المؤشر جواز السفر العراقي درجة حركة 41 مع ثمان وجهات فقط من دون تأشيرة، و29 وجهة بتأشيرة عند الوصول، و157 وجهة تحتاج تأشيرة مسبقة، ويقول أستاذ الدراسات السياسية أحمد منصور إن "معظم العالم مغلق أمام العراقي بإجراء مسبق، وحتى مع استيفاء شروط التقديم فإن كثيراً من الدول بإمكانها رفض الطلبات، وهذا كله يرتبط بصورة الدولة في الخارج ومدى ثقة الدول الأخرى بقدرتها على ضبط وثائقها وحدودها وحركة مواطنيها".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ويؤكد منصور ضعف الاتفاقات الثنائية، قائلاً إن "الدبلوماسية العراقية تلقي المسؤولية كلها على كاهل المواطن العراقي الذي عليه وحده أن يثبت للدول بأنه جدير بالتأشيرة، وهذا عبء جديد تتخلى عنه الدولة ووزارة الخارجية التي عليها مسؤولية خمول نشاطها مع الدول، وحماية المواطن وتسهيل سفره"، موضحاً أن "للحروب دوراً كبيراً في جعل العراق خطاً أحمر بالنسبة إلى كثير من الدول، لكن الجانب العراقي يتحمل المسؤولية الأكبر الآن بتغيير هذه الصورة، وتذيّل الجواز العراقي القائمة بصورة مستمرة لا يعني أن مواطنيه هم السبب".
من ناحية أخرى تظهر بيانات "شنغن" الخاصة بالعراق أن دول التكتل الأوروبي رفضت 27.688 طلباً من العراق عام 2023، بنسبة 36.47 في المئة، وفي عام 2024 بلغت النسبة 33.33 في المئة بـ 21.976 طلباً مرفوضاً، وهذه الأرقام تثبت أن العراقي يبدأ من وضع صعب حتى قبل أي إغلاق جوي أو ارتفاع للأسعار.
وبالنسبة إلى التأشيرة الأميركية فقد أظهرت أرقام وزارة الخارجية في واشنطن أن نسبة رفض تأشيرات الزيارة والأعمال للعراقيين بلغت 33.44 في المئة خلال السنة المالية 2024، ثم ارتفعت إلى 39.86 في المئة خلال السنة المالية 2025، وفي الـ 17 من أبريل الماضي، أعلنت وزارة الخارجية العراقية تشكيل لجنة عليا لتحسين تصنيف الجواز العراقي ورفع القيود عن سفر المواطنين، مشيرة إلى أن العمل يجري على توسيع قائمة الدول التي تمنح تسهيلات دخول للعراقيين، وربطت تصنيف الجواز بالوضعين الأمني والاقتصادي داخل البلاد.
محاولة لتوسيع الاتفاقات
رئيس الدائرة القنصلية في وزارة الخارجية، السفير فلاح عبدالحسن الساعدي، ذكر أن العراق لديه حالياً اتفاقات دخول من دون تأشيرة مع عدد من الدول، بينها إيران وتونس ولبنان، إضافة إلى دول عربية وآسيوية أخرى، مضيفاً أن الوزارة تسعى إلى توسيع هذه القائمة، لأن زيادة الدول التي تسمح للعراقي بالدخول من دون تأشيرة ترفع تصنيف الجواز عالمياً.
وأوضح الساعدي أن غياب اتفاقات مع دول "شنغن" يعود للإجراءات الأمنية المشددة حتى على الجوازات الدبلوماسية، وربط تحسين ترتيب الجواز باستقرار الوضع الأمني والاقتصادي داخل العراق، بسبب تأثير ذلك في ملفات الهجرة واللجوء التي تزامنت مع دخول "داعش".