Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

روايات جزائرية بين التخييل والتاريخ تكتبها أقلام شابة

تجارب جديدة تطرح أسئلة الهوية وتشرّح الذاكرة الفردية والجمعية

لوحة للرسام الجزائري أحمد صالح بارة (صفحة الرسام -  فيسبوك)

ملخص

 تشهد الحركة الروائية الجزائرية في الأعوام الأخيرة تحولاً لافتاً في الثيمات والتقنيات وأساليب معالجة الموضوعات التقليدية. ونلحظ تمرداً لدى الجيل الجديد على المدرسة الكلاسيكية وخروجاً من عباءة الكتاب المكرسين، لا سيما مع الانفتاح على الترجمة العالمية وسهولة الاطلاع على الكتب الرقمية.

على خلاف الجيل الأول الذي نجح معظم كتابه بنشر أعمالهم إما في المشرق باللغة العربية، أو في أوروبا باللغة الفرنسية، يحاول الكتاب الشباب اليوم الوصول من الداخل، رغم ما قد يتكبده النشر من بطء وصعوبة في الانتشار وافتكاك الاعتراف.

 ولعل أهم ما يميز الروايات الجزائرية الحديثة، هو اشتغال التخييل على مسارات تتقاطع مع تساؤلات الهوية وتشرح الذاكرة الفردية والجمعية على حد السواء، فضلاً عن التطرق للتاريخ من باب مختلف يرتكز على المساءلة والتفكيك أكثر مما كان عليه من توثيق وتأريخ.

وفي هذا الملف تقترب "اندبندنت عربية" من كتاب شباب قدموا تجارب روائية مختلفة، لاقت الاستحسان والاهتمام في الوسط الأدبي، لنحاورهم عن القضايا التي تشغلهم اليوم والثيمات التي تلهمهم لكتابة نصوصهم، وعن آرائهم حول ما أضافه الكتاب الشباب للرواية الجزائرية إضافة إلى استطلاع توقعاتهم للاتجاهات والألوان الأدبية التي ستطغى على الأعمال الروائية مستقبلاً.

مريم يوسفي: "نحن جيل يكتب تاريخه الخاص"

 تقول الكاتبة مريم يوسفي الفائزة بجائزة علي معاشي عن روايتها "أبي الجبل"، إن "موضوع الهوية" يشغلها كثيراً خصوصاً التفاصيل التي تدور حولها في حياة الناس اليومية، حيث تظهر البصمة الخاصة للمجتمعات والشعوب بشكل عفوي وفطري لا يحتاج إلى شواهد ولا إثباتات. وتوضح: "ذلك لأن بلدي الجزائر غنية بأعراقها المختلفة. وخلال سفرك من شمالها إلى جنوبها ومن شرقها إلى غربها يبدو لك وكأنك تقطع قارة كاملة ملأى بالتفاصيل الكثيرة المدهشة التي تحتاج إلى توثيق."

 وترى يوسفي أن الكتابة الشابة على بطء خطواتها واحتشامها، تكتب لجيل يحاول أن يعيش النجاة بقدر استطاعته، بعد أن التهمت الحربان (التحريرية والعشرية) أحلام آبائه وأجداده، انبثق هو بخطى متعثرة ليكتب تاريخه الخاص بكل ما فيه من تحديات. وتؤمن أن جيل الكتاب الشباب الحالي هو الأفضل فقط لو تحرر من الكليشيهات وحاول أن يقترب من نفسه.

 ومن قراءاتها، تذكر مريم يوسفي رواية "أنا والعجائز السبع" لجميلة مراني، وهي في نظرها أفضل نص محلي هوياتي فانتازي، إذ خلقت الكاتبة عوالم كاملة مدهشة تتحرك داخلها شخصيات غرائبية وتحيي أسطورة محلية في إبداع منقطع النظير. أما عن اللون الأدبي الذي سيميز الرواية الجزائرية مستقبلاً فهي تتنبأ بمساحات حرة ومواربة للكتابة عن الأيديولوجيا والفلسفة والدين والسياسة والحب والتاريخ بكل حرية. غير أن ذات المساحات قد تجعل هذا اللون فريسة للاستسهال، وتبقى الرواية الجيدة هي التي تستغل هذه المساحات من دون أن تستفيض فيها.

هشام بوشامة: "تشغلني الكتابة عن الذاكرة غير الرسمية"

 حظي الكاتب هشام بوشامة بقراءات نقدية متنوعة عن عمليه "نعيق البوم" و"سلطة الحذاء الضيق"، مما شجع على الانتباه لتجربته الروائية. ويقول عن ثيماته إن أكثر ما يشغله هو فكرة الكتابة عن الذاكرة غير الرسمية وتقاطعاتها مع الهشاشة اليومية في أحيائنا. مشيراً إلى أنه ينجذب إلى شخصية "البطل غير الخارق"، البطل الإنسان الذي يفشل في إيجاد الطريقة السحرية للنجاة من المآسي.

 وبرأيه فإن الكتاب الشباب قد أضافوا أساليب جديدة تمردوا بها على الروايات الكلاسيكية، بتوظيف جرأة لغوية مدهشة مزجوا فيها الدارجة والأمازيغية، في توليفة حية أعطت للرواية بعدها الجزائري، كما قدموا هموماً جديدة كالحرڤة ومواجهة المجتمع القبلي. ويعتقد بوشامة أن ما سيميز الروايات الجزائرية مستقبلاً هو المزج بين الواقعية والسير الذاتية الخيالية، والحديث عن هامش المدينة، العقائد المجتمعية الرجعية، التخلص من الأبطال الخارقين وتقديم شخصيات هشة عفوية ضعيفة أمام أسئلة الكون.

رشدي مازيغ: "الرواية التاريخية لها مناخها الذي يشغل أذهاننا"

 برز اسم رشدي مازيغ بعد نشره لرواية بوليسية بعنوان: "حتى الملائكة تموت"، إذ شغلت اهتمام القراء في مواقع التواصل الاجتماعي. خصوصاً مع قلة النصوص التي تتناول الحبكة البوليسية في الروايات الجزائرية. ويتحدث رشدي عن مجالات عدة تحثه على كتابة الرواية، إلا أن الرواية التاريخية هي ما قد يلهمه للكتابة في قادم الوقت، ذلك لأنه يرى أن تجربة القراءة في الرواية التاريخية لها ذوقها الخاص، ومناخها الذي يشغل أذهاننا كلما عرفنا شيئاً مخفياً لم نكن نعلمه في زمن ما. لذلك يعتقد أن الثيمة التاريخية وحدها ما تستطيع جذبه لهذا المجال.

 أما عن رأيه في أعمال كتاب جيله، فصرح مازيغ بأن هناك من يضيف للرواية ويعيد كتابتها على الصورة نفسها في قالب جديد حداثي مثل الرواية التاريخية كأعمال عبدالوهاب عيساوي. ومن يكتب لوناً جديداً سواء كان اجتماعياً أو سياسياً أو كوميدياً ساخراً كأعمال سمير قسيمي وحتى سعيد خطيبي وهي أعمال تختلف في الألوان والأيديولوجيات والمكان والزمان. ويعود رشدي مازيغ للحديث عن الرواية التاريخية، فيقول إنها ستبقى حاضرة في النصوص الجزائرية مستقبلاً لأنها تملك عديداً من السمات التي تجعلها كذلك، وتاريخ الجزائر يزخر بعديد من المحطات التي قد تجذب نظر الكاتب لها وتجعله يبحث بحثاً معمقاً عنها والكتابة من أجلها. ويذكر من آخر قراءاته عملاً لفت انتباهه وينصح القراء به، وهو رواية مدن المرجان للكاتبة زهرة كشاوي.

أميرة حساني: "تستهويني مساءلة المسَلّمات"

 عرفت الكاتبة الشابة أميرة حساني بروايتي: "غريب في مارسيليا" و"موت أبيض"، إذ تناولت روايتها الأخيرة موضوع الهوية التاريخية وشخصيات مقاومين نفاهم المستعمر الفرنسي إلى كاليدونيا. مع ذلك تقول أميرة إنه ليس هنالك ثيمة محددة تلهمها أو قضية واحدة تعود إليها باستمرار، وما يشغلها أكثر هو محاولة العثور على صوتها الخاص، فهي تكتب أحياناً انطلاقاً من سؤال، وأحياناً من شعور بالانزعاج تجاه فكرة تبدو للجميع بديهية. وتضيف قائلة: "تستهويني مساءلة المسَلمات، سواء كانت اجتماعية أو فكرية أو حتى عاطفية، لكنني أعترف أنني أفعل ذلك بكثير من التردد، ربما لأن الكاتب يكتب دائماً داخل مجتمع يعرف حدوده جيداً. لهذا تبدو الكتابة بالنسبة لي مساحة تفاوض مستمرة بين ما أريد قوله وما أجرؤ فعلاً على قوله. وربما لهذا السبب لا أبحث في الكتابة عن الدفاع عن فكرة معينة بقدر ما أبحث عن كشف هشاشة الأفكار التي نتعامل معها وكأنها حقائق نهائية."

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

 وفي ما يخص الرواية الشبابية مع تحفظها على التصنيف، لا تتردد أميرة حساني في التصريح بأن هناك مبالغة في الحديث عن جرأة الجيل الجديد، مقارنة ما يكتب اليوم ببعض ما كتبه الروائيون الجزائريون في أجيال سابقة أمثال الطاهر وطار، آسيا جبار ورشيد بوجدرة، نجد أن الجرأة ليست بالضرورة السمة التي تميزنا. وتوضح أن ما أضافه الكتاب الشباب، في رأيها هو شيء آخر: التجريب والاهتمام بالفرد. فلم تعد الرواية منشغلة فقط بالتاريخ والجماعات والقضايا الكبرى، بل أصبحت أكثر اقتراباً من الإنسان في هشاشته وتناقضاته وأسئلته النفسية والوجودية. لكن هذا الجيل يعيش أيضاً حالة من التخبط بين الرؤية الفنية التي يحلم بها الكاتب وبين المعايير الاجتماعية التي يدرك أن القارئ لا يزال يحملها معه إلى النص.

 وترى أميرة حساني أن الرواية الجزائرية ستتجه أكثر نحو استكشاف العالم الداخلي للإنسان إن لم نقل تأليه الإنسان. ليس لأن الواقع الخارجي فقد أهميته، بل لأن الفرد نفسه أصبح ساحة للصراع. وأن الرواية النفسية والوجودية مرشحة لأن تكون أكثر حضوراً، بخاصة مع تراجع السرديات الكبرى التي كانت تمنح الأفراد شعوراً جاهزاً بالانتماء والمعنى برغم بعض المحاولات النادرة. وتضيف كاتبة موت أبيض أن الاهتمام سيتوجه أكثر إلى الأسئلة الفردية المعقدة، وبالمناطق الرمادية التي يصعب تصنيفها أخلاقياً أو فكرياً. وتذكر بأن أكثر الأعمال التي تلفت انتباهها هي تلك التي تملك شجاعة طرح الأسئلة أكثر من امتلاك الأجوبة. فهي كقارئة، لا تبحث عن الرواية التي تؤكد قناعاتها، بل عن تلك التي تربكها وتدفعها إلى إعادة النظر في ما تعتقد أنها تعرفه. لهذا تميل إلى تقدير النصوص التي تخاطر فنياً وفكرياً، حتى عندما لا تكون مكتملة تماماً، أكثر من النصوص التي تبدو متقنة لكنها لا تترك أثراً حقيقياً بعد الانتهاء منها.

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة