ملخص
قلبت إنجلترا المواجهة المعقدة أمام كرواتيا إلى عرض هجومي مذهل بفضل تألق جود بيلينغهام وفاعلية هاري كين، لتبعث برسالة قوية في كأس العالم 2026 على رغم استمرار بعض الثغرات الدفاعية المقلقة.
بدا جود بيلينغهام وكأنه قادر على الوفاء بكل ما يعد به ذلك القدر الهائل من الموهبة، لكن توماس توخيل كان قد أوفى بالفعل بوعدٍ آخر. فقد وعد مدرب إنجلترا بأن مباراة كهذه في كأس العالم 2026 "ستظهر أفضل ما لدينا"، لكنها ربما فعلت أكثر من ذلك.
وربما كانت هذه أفضل فترة لعب للمنتخب الإنجليزي في بطولة كبرى منذ عقود، وربما الانتصار الأكثر إقناعاً منذ فترة طويلة.
انتهت المباراة بنتيجة (4 - 2)، لكنها كانت قريبة فعلاً من أن تنتهي (7 - 2)، استناداً إلى الدقائق الـ10 التي تلت الاستراحة مباشرة. ولم يعد المنتخب الكرواتي يعرف إلى أين يتجه، فضلاً عن معرفة أين ينظر.
وبحلول تلك المرحلة، كان هاري كين قد عادل الرقم القياسي لغاري لينيكر في نهائيات كأس العالم بتسجيله 10 أهداف، بفضل ثنائيته في المباراة، لكن ذلك بدا مجرد تفصيل جانبي، وكأنه تحقق في مباراة مختلفة تماماً وأكثر تباعداً في أحداثها.
مباراة أخرى مقسمة إلى أربعة أرباع - مع صافرات استهجان من جماهير إنجلترا تجاه فترة التوقف لشرب المياه - كانت بالفعل مباراة بشوطين مختلفين تماماً.
هدف بيلينغهام نقطة التحول الحاسمة
وجاء ذلك الاندفاع الهجومي في الشوط الثاني بفضل هدف فردي حاسم ومميز في التنفيذ من بيلينغهام، وربما شكل أيضاً مؤشراً إلى تغييرات مهمة داخل هذا الفريق.
أولى تلك التغييرات كانت التحول الكبير مقارنة بالشوط الأول. وإذا كان من الممكن الاستدلال بشيء من المقابلة الصريحة بشكل لافت التي أجراها أنتوني باري بين الشوطين، فإن توخيل وجهازه الفني كانا، كعادتهما، في غاية الوضوح والصراحة.
فبعدما لعبت إنجلترا سابقاً بطاقة عصبية كبيرة أفرزت "شوطاً أول معقداً ومربكاً"، أصبحت فجأة تقدم أداءً يتسم بالعدوانية المركزة والوضوح الحقيقي. وذلك هو بالضبط "وضوح الهدف" الذي يحاول توخيل ترسيخه في لاعبيه باستمرار.
وتجسد ذلك بصورة مثالية في الانطلاقة القوية لبيلينغهام، إذ لم يكن لديه أي شك أو تردد في شأن ما ينوي فعله. كان يتجه مباشرة نحو المرمى.
وكان في ذلك أيضاً قدر إضافي من التحدي، لا سيما أن بيلينغهام وإليوت أندرسون كانا إلى حد كبير مسؤولين عن الهدف الكرواتي الرائع الأول.
استعادة السيطرة وحسم معركة الوسط
ومن خلال ذلك، ظهر التحول الأكبر على الإطلاق. فطوال جزء كبير من الشوط الأول، بدا الأمر وكأنه القصة المعتادة للمنتخب الإنجليزي. وبعد عامين من دون اختبار حقيقي، ها هو مجدداً يجد صعوبة في فرض سيطرته ويتنازل عن معركة خط الوسط أمام أول منتخب قوي يواجهه.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
لكن يمكن وضع ذلك جانباً الآن، حتى وإن لم تكن هذه كرواتيا نسخة 2018 أو 2022.
فقد استعاد المنتخب الإنجليزي المباراة بفضل الشدة الكبيرة والخصائص الفريدة التي يمتلكها. وبينما كانت كرواتيا تفرض سيطرتها على الاستحواذ سابقاً، استحوذت إنجلترا على زمام كل شيء آخر.
الكرات الثابتة وعمق الدكة الهجومية
وساعدت الكرات الثابتة إنجلترا على البقاء في أجواء المباراة قبل ذلك، وقد تشكل سلاحاً بالغ الأهمية إذا ما وجدت نفسها في مواجهات أكثر صعوبة من هذه.
ولا بد أن ميكيل أرتيتا ابتسم بسخرية خفيفة. فقد أسفرت تمريرات ديكلان رايس الثابتة عن الخطأ الذي ارتكبه لوكا مودريتش ضد نوني مادويكي وأدى إلى ركلة الجزاء الأولى لكين - التي أعيد تنفيذها لاحقاً - ثم عن رأسية هجومية سجل منها كين هدفاً آخر.
ومن المزايا الكبيرة أيضاً، خصوصاً في ظروف هذه النسخة من كأس العالم، قوة دكة بدلاء المنتخب الإنجليزي، فقد دخل ماركوس راشفورد وسجل هدفاً، بعد أن كان بوكايو ساكا قد نجح أيضاً في خلق مساحات واسعة.
ثغرات دفاعية ومخاوف أمام الكبار
وعلى رغم ذلك، شهدت الدقائق الـ90 بعض المؤشرات التحذيرية التي قد تحتاج إلى الانتباه أمام منافسين أعلى مستوى، لا يضمون مجموعة من النجوم الذين تجاوزوا أوجهم ووصلوا إلى أواخر الثلاثينيات من العمر أو أكثر.
فالطريقة التي صنع بها المنتخب الكرواتي هدفيه في الشوط الأول شكلت تناقضاً واضحاً مع أهداف إنجلترا الأربعة، وبخاصة في ما يتعلق بأداء خط الوسط.
ولم تكن المشكلة فقط في عجز أندرسون ورايس وبيلينغهام عن السيطرة على المباراة، بل في مدى سهولة فقدانهم للكرة وتركهم للمساحات. ففي الهدف الأول، بدا بيلينغهام ضعيفاً بشكل ملحوظ في وسط الملعب، ثم وجد أندرسون نفسه بعيداً من مركزه بعد تمريرة سيئة منه، بينما اندفعت كرواتيا إلى الأمام. ولم يكن أمام جون ستونز سوى الانزلاق بلا جدوى بعدما أعيدت الكرة إلى مارتن باتورينا. وسدد الأخير كرة رائعة، لكن كان بإمكان جوردان بيكفورد أن يكون أكثر قوة في التعامل معها.
ويمكن قول الشيء نفسه عن كامل الخط الدفاعي في الهدف الثاني. إذ كيف يمكن أن يكون لديك سبعة لاعبين على حدود منطقة الجزاء الخاصة بك، ثم تُرفع الكرة فوقهم بهذه السهولة؟
وجاءت لمسة بيتر موسا النهائية من التمريرة الرأسية الذكية التي هيأها إيفان بيريسيتش بشكل أنيق، لكنها لم تكن لتمنح كل تلك المساحة.
ويمكن الإشارة أيضاً إلى أن أفضل فترات إنجلترا تزامنت مع ظهور علامات الإرهاق الشديد على مودريتش إلى درجة اضطراره لمغادرة الملعب قبل مرور ساعة من اللعب.
وعد تحقق واختبار أصعب في الانتظار
وقد يقول باري - وقد شاهد الجميع الآن مدى صراحته الشديدة - إن الفارق كان يعود بدرجة أكبر إلى عدم التزام الفريق بالتعليمات واختياره المتكرر للقرارات الخاطئة. لكن الفريق تماسك بالفعل.
أما ما إذا كان قادراً على التماسك بالطريقة نفسها مجدداً، فذلك سؤال آخر. فقد استند التحول الإنجليزي في الشوط الثاني إلى تغيير في طريقة التطبيق، لكنه اعتمد أيضاً على ضغط هجومي شرس. وكان ذلك ممكناً في ملعب مغلق كهذا، لكن هل سيتمكن الفريق من فعل الأمر نفسه في أجواء الرطوبة والحرارة؟
ومع ذلك فالمسألة لا تتعلق بالجانب البدني فقط، بل تتعلق أيضاً بالجانب النفسي.
فعلى رغم التطور الذي حققته إنجلترا خلال العقد الماضي، ظل لديها نوع من العقدة تجاه مباريات كهذه. تجاه المواجهات الكبرى. وبدا في البداية أن القصة ستتكرر.
لكن توخيل ولاعبيه أحدثوا أول تغيير كبير من نوعه. وقد تحقق أحد الوعود.
© The Independent