ملخص
باتت خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب للسلام في أوكرانيا مكتملة الأركان بنسبة 90%، بينما تنظر موسكو موفديه في القريب العاجل، وقد اطلع عليها كل من بوتين وزيلينسكي. أما عن التوقعات التي يمكن أن تشير إلى "حلحلة" الأزمة قبل نهاية العام الحالي، فهناك من يقول بنظرة تحمل بين طياتها ما قد يتباين بين "التفاؤل السياسي والتشاؤم الاستخباراتي".
أثارت المكالمة الهاتفية الأخيرة التي أجراها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مع نظيره الأميركي دونالد ترمب للتهنئة بعيد ميلاده الـ80، نوعاً من الحراك الدبلوماسي، وابتعاداً عن حال الجمود التي سيطرت على علاقات الزعيمين منذ اشتعال المعارك بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جانب، وإيران من جانب آخر. وقد كشف مساعد الرئيس الروسي يوري أوشاكوف عن أهم ما دار في تلك المكالمة الهاتفية التي استغرقت زهاء الـ55 دقيقة، حيث لم يقتصر الحديث بين الرئيسين على مجرد التهنئة بذكرى ميلاد الرئيس الأميركي، بل تجاوزها إلى كثير من القضايا الدولية، وأهمها الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، فضلاً عن تطورات الأزمة الأوكرانية، والأوضاع في الشرق الأوسط. وقال أوشاكوف إن المكالمة تطرقت كذلك إلى الاتفاق حول زيارة جديدة يقوم بها مبعوثا ترمب، ستيف ويتكوف، وجاريد كوشنير إلى موسكو في القريب العاجل. وكان مساعد بوتين أشار كذلك إلى أن الجانب الأميركي أعلن استعداده للتأثير في أوكرانيا، والاتحاد الأوروبي من أجل السلام. وكشف أوشاكوف عن مناقشة المسائل المتعلقة بما وعد به ترمب من مساعٍ للضغط من أجل وقف إطلاق النار، مشيراً في الوقت ذاته إلى "إصرار بوتين على موقفه العسكري الرافض لتغيير الواقع على الأرض، فضلاً عما قاله حول أن استمرار الضربات على البنية التحتية المدنية يشكل عقبة رئيسة أمام أي تقدم حقيقي".
نظرة مستقبلية
وكشفت المكالمة الهاتفية بين الرئيسين أن العلاقة بينهما جيدة على المستوى الشخصي، ونشطة على المستوى الدبلوماسي، وأن مستقبلها يظل مرهوناً بقدرتهما على ترجمة هذا التفاهم الشخصي إلى خطوات ملموسة، وبخاصة بالنسبة إلى إنهاء الحرب في أوكرانيا. وكشفت المصادر عن أن الرئيس الأميركي أعرب كذلك عن استعداده للتأثير في أوكرانيا والاتحاد الأوروبي، بما في ذلك في قمة مجموعة السبع الكبار التي جرت أخيراً في إيفيان الفرنسية.
أما عن الزيارة المرتقبة للمبعوثَين الأميركيَين إلى موسكو فثمة من يقول إنها ستكون الاختبار الحقيقي لما إذا كانت هذه المكالمة الودية ستتحول إلى اتفاقات فعلية أم لا". وفي هذا الإطار اتفق بوتين وترمب على عودة ويتكوف وكوشنير إلى روسيا قريباً. وأكد بوتين في حديثه أيضاً أنه وفي حال توفر الرغبة من جانب الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي للقائه، فيمكنه الحضور إلى موسكو، في إشارة من جانبه إلى ما تضمنته رسالة زيلينسكي التي سبق ووصفها بوتين بأنها مفعمة بعناصر "تتسم بالوقاحة".
من جهته عاد ترمب إلى التأكيد على ضرورة إنهاء العمليات العسكرية في أوكرانيا. وذكر أن الضربات الأوكرانية على أهداف مدنية في روسيا تعرقل التوصل إلى تسوية سلمية.
وتوقف بوتين ليشير إلى اعتقاده بأن الاتحاد الأوروبي وأوكرانيا يركزان على قصف البنية التحتية والمواقع المدنية في روسيا كمبرر لإطالة أمد الصراع الأوكراني. على أن ذلك، وكما قال بوتين "لن يغير من تضاريس الوضع الحرج على أرض المعركة بالنسبة إلى القوات المسلحة الأوكرانية، في وقت تتقدم فيه القوات الروسية في طريقها لإحراز مزيد من الانتصارات على طريق استكمال تحرير ما بقي من أراضي جمهورية دونيتسك"، وهو ما حدده بوتين بنسبة 15 في المئة.
زيلينسكي ومغازلة "النازيين الجدد"
ولم يكن بوتين ليغفل ما فعله زيلينسكي خلال الأسابيع القليلة الماضية من "مغازلته" للقوميين الأوكرانيين الذين يصفهم الرئيس الروسي بـ"النازيين الجدد"، من خلال استعادته لرفات بعض رموزهم من الخارج لإعادة دفنهم في كييف.
وفي هذا الصدد طرح بوتين على ترمب أن ينقل نصيحته إلى زيلينسكي بعدم نسيان "مأساة المحرقة"، و"عبثية" محاولات تخليد ذكرى من بعتبرهم "مجرمي الحرب النازيين"، مشيراً في الوقت ذاته إلى ضرورة عدم نسيان تحالف الاتحاد السوفياتي مع الولايات المتحدة وإسهاماتهما المشتركة في الحرب العالمية الثانية، وقال ترمب إن "إنهاء الصراع في أوكرانيا سيفتح الباب أمام علاقات جديدة بين الولايات المتحدة وروسيا".
وكان بوتين سبق وأعرب عن دهشته أكثر من مرة عند ذلك "الغزل" الذي يمارسه زيلينسكي "اليهودي الأصل"، تجاه القوميين الأوكرانيين أو كما يسميهم "النازيين الجدد" ممَن ارتكبوا كثيراً من جرائمهم الدموية ضد اليهود، فضلاً عما اقترفوه في حق عشرات الألوف من أبناء الشعب البولندي.
خطة السلام "كاملة الأركان" بنسبة 90%
وفي ما يتعلق بالزيارة المرتقبة التي اتفق الرئيسان الأميركي والروسي على أن يجريها المبعوثان ويتكوف وكوشنير في المستقبل القريب، فهي حلقة في سلسلة زيارات سبق وقاما بها إلى موسكو في الـ22 من يناير (كانون الثاني) الماضي، وفي الثاني من ديسمبر (كانون الأول) 2025، حيث ناقشا مع الجانب الروسي خطة السلام الأميركية لأوكرانيا، خلال محادثاتهما مع الرئيس بوتين وكبار مساعديه في الكرملين.
وكان ويتكوف أعلن في يناير أن العمل على خطة السلام بين موسكو وكييف قد اكتمل بنسبة 90 في المئة، وصرح بأن جميع الأطراف "منخرطة في العملية" وملتزمة بالتوصل إلى اتفاق سلام.
إلا أن هناك مَن يقول بغير ذلك، ففي مايو (أيار) الماضي ذكرت صحيفة "فايننشال تايمز" البريطانية أن روسيا وأوكرانيا فقدتا الاهتمام بالمفاوضات التي ترعاها الولايات المتحدة، وهو ما لم تعلق عليه موسكو. وأشارت مصادر الصحيفة إلى "أن بوتين كان يركز على السيطرة على أراضٍ أوكرانية جديدة، ويعتزم توسيع قائمة مطالبه للسلام، بينما اعتقدت سلطات كييف، بعدما أوقفت تقدم القوات الروسية ووسعت نطاق الغارات الجوية في عمق الأراضي الروسية، أنها أصبحت أقل تأثراً بضغوط الولايات المتحدة".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وفي أوائل يونيو (حزيران) الجاري، وجّه زيلينسكي رسالته المفتوحة إلى بوتين يقترح فيها عقد محادثات مباشرة في أي من سويسرا أو تركيا أو أي من البلدان العربية، إلا أن الرئيس الروسي سخر منها ووصفها بأنها مفعمة بـ"الوقاحة"، إضافة إلى ما قاله المتحدث الرسمي باسم الكرملين دميتري بيسكوف حول أنه إذا رغب زيلينسكي في لقاء بوتين، فبإمكانه القدوم إلى موسكو في أي وقت.
وفي الجلسة العامة لمنتدى سانت بطرسبرغ الاقتصادي السنوي، صرح بوتين بأنه لا يرى جدوى من لقاء زيلينسكي، وتوقف بالكثير من التفاصيل عند الهجوم الأخير الذي شنته القوات المسلحة الأوكرانية على مسكن طلابي في ستاروبيلسك في دونيتسك وراح ضحيته عشرات من الموجودين في المبنى.
استراتيجية بوتين حتى عام 2036
تلك هي الاستراتيجية التي سبق ونُشرت العام الماضي، على بوابة الوثائق القانونية على موقع الكرملين، ونصت على ما يلي:
"بهدف تنسيق أنشطة الهيئات الحكومية الاتحادية، والهيئات الحكومية التابعة للكيانات المكونة لروسيا الاتحادية، والهيئات الحكومية الأخرى، والهيئات الحكومية المحلية في مجال السياسة الوطنية لدولة روسيا الاتحادية، وضمان تفاعلها مع مؤسسات المجتمع المدني في تنفيذها، أُقرّ بموجب هذا المرسوم:
استراتيجية السياسة الوطنية للدولة في روسيا الاتحادية المرفقة حتى عام 2036".
ونص المرسوم على أن هذه الاستراتيجية تتشكل من ستة أقسام، تضم 61 بنداً، وتدخل حيز التنفيذ اعتباراً من الأول من يناير، وتنص على ما يلي:
"يسهم تنفيذ هذه الاستراتيجية في الحفاظ على وحدة الدولة القائمة تاريخياً وسلامة أراضي روسيا الاتحادية، واستقرارها الداخلي، والتنمية المتناغمة وازدهار شعوب الدولة الروسية الاتحادية، وتعزيز وحدة الشعب الروسي المتعدد القوميات (الأمة الروسية) باعتبارها أساساً لدولة حضارية مميزة". بناءً على آخر التطورات حتى الـ17 من يونيو 2026، فإن المشهد معقد، فهناك حراك دبلوماسي مكثف، لكن التوقعات في شأن حلحلة جذرية للأزمة قبل نهاية العام تبدو غير مؤكدة، بل تتخللها عقبات كبيرة.
آفاق الوساطة بين روسيا وأوكرانيا
أعلن مساعد الرئيس الروسي للشؤون الخارجية يوري أوشاكوف في الـ14 من يونيو الجاري، أن بوتين وترمب اتفقا على أن ويتكوف وكوشنير، سيزوران موسكو "في المستقبل القريب". وتأتي الزيارة لمناقشة تفاصيل تنفيذ المقترحات الأميركية. وأكد المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف أنه لا يوجد تاريخ محدد للزيارة بعد. ومن المتوقع أن تتم بعد التوقيع على مذكرة التفاهم الأميركية الإيرانية في سويسرا نهاية هذا الأسبوع.
ومن جانبه، أعرب ترمب بعد اتصالاته مع كل من بوتين وزيلينسكي عن كثير من التفاؤل، واصفاً إياهما بأنهما "منفتحان جداً" على السلام.
وأكد بوتين أن مقترحات ترمب "قد تشكل أساساً" للسلام. وتحدث ويتكوف في ما سبق عن إحراز "تقدم كبير". غير أن الوساطة الأميركية لم يتسن لها أن تجد الطريق إلى التنفيذ حيث سرعان ما توقفت جهود الوساطة في فبراير (شباط) الماضي بسبب العملية العسكرية الأميركية ضد إيران. ولا تزال العملية "متوقفة" حالياً، مع استمرار القنوات المفتوحة مع الأوكرانيين.
أما عن التوقعات التي يمكن أن تشير إلى "حلحلة" الأزمة قبل نهاية العام الحالي، فهناك من يقول بنظرة تحمل بين طياتها ما قد يتباين بين "التفاؤل السياسي والتشاؤم الاستخباراتي"، أما التفاؤل الحذر فيعكسه ما يراه دبلوماسيون أميركيون أن الظروف الحالية تهيِّئ لإجراء محادثات سلام محتملة في وقت لاحق من صيف العام الحالي. وعن التشاؤم الاستخباراتي، فيكشف عنه مسؤولو استخبارات أوروبيون بقولهم "إن روسيا لا تريد إنهاء الحرب سريعاً، وتستخدم المحادثات كورقة للضغط لتخفيف العقوبات".
وفي ما يتعلق بالضغوط الدولية، فتتمثل في ما طرحه السبعة الكبار في اجتماعهم الذي عقد في إيفيان الفرنسية من اقتراحات، منها ما يستغله ترمب من قرارات القمة للضغط على روسيا لـ"إبرام صفقة" على حد قول مراقبين كُثُر، بينما يتعهد الستة الآخرون، بزيادة الدعم العسكري لأوكرانيا.