Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الشرع في معادلة ترمب و"حزب الله"... أين الفرار؟

محللون: لا الزمان ولا الواقع يسمحان بتلك المواجهة المستحيلة لكنه لا يزال يمتلك أوراقاً قد تمثل طوق نجاة

هذا الطرح من وجهة نظر القراءة السياسية أقرب إلى الكارثة لأنّه لا يراعي الاحتراب السوري الداخلي القائم أساساً (أ ف ب)

ملخص

يطرح عسكريون ومهتمون سؤالاً بارزاً يتعلق بما إذا كانت سوريا قادرةً فعلاً على خوض مواجهات خارجية، ويطرحون سؤالاً آخر يتعلق بمدى انضباط وجهوزية الجيش واستعداده لقتال "حزب الله" المدرب على مستويات عليا، وماذا عن احتمال صدامٍ مع بيئات متعددة في لبنان تنتهي إلى تفتيته؟

لا تُقرأ التصريحات السياسية الكبرى، بخاصة تلك الصادرة عن أقطاب عالمية كمجرد كلام عابر في علم السياسة، تحديداً إذا ما ارتبطت بملفات شائكة وغاية في التعقيد ضمن نطاق إقليمي لا يحتمل تأويل الأحاديث والمجريات، ومن هذا المنطلق تتعامل الأوساط السياسية الرسمية والعامة مع حديث الرئيس الأميركي حول إمكانية الاعتماد على الرئيس السوري أحمد الشرع للتعامل مع ملف "حزب الله" في لبنان.

تصريحات ترمب الأخيرة، بحسب المحلل السياسي السوري مؤيد نحلاوي، جاءت لتعيد رسم المشهد ومعه الأدوار الإقليمية في شرق المتوسط، وعن ذلك يقول "سوريا كانت بيئة تجريبية خصبة تقاطع فيها نفوذ دول الإقليم والشرق الأوسط والعالم في تركيبة غايةٍ في التشابك خلال الحرب السورية، وبعد سقوط النظام وجدت دمشق نفسها محاصرةً أكثر من قبل داعميها ومقادة نحو الخوض في ملفات لا الزمان ولا الواقع يسمحان بالخوض بها، وعلى رأسها مواجهة (حزب الله) برياً".

وأضاف "هذا الطلب قد يكون مبنياً على انحسار النفوذ الإيراني، وعلى اعتبار دمشق شريكاً شرعياً في ملفات أمنية وسياسية حساسة خارج الحدود، لكنّ هذا الطرح من وجهة نظر القراءة السياسية أقرب إلى الكارثة، لأنّه لا يراعي الاحتراب السوري الداخلي القائم أساساً بين المكونات والسلطة، ولا يراعي رغبة (هيئة تحرير الشام) نفسها في الأمر، بل ويتجاوز تصريحات سابقة للشرع عن مسامحة (حزب الله)، ومن هذه العوامل تتركب المعضلة أمام دمشق".

حدود الدور الممكن

دمشق تعي جيداً حدود الموقف الذي يمكن أن تتولاه، وتفهم جيداً إمكانية وأبعاد هذا الدور في سلبياته وإيجابياته، وهي الأكثر قدرةً على تقييم مخاطره في ظلّ بيئة قتالية هشّة ستنطلق منها وسيسود معها مشاكل تنعكس على الداخل وفرص تمرد محتملة، كما يوضح محللون سياسيون لـ"اندبندنت عربية"، وفي السياق كان رسم حدود الدور الممكن واضحاً تماماً وفق التصريحات التي أدلى بها أخيراً مستشار الرئاسة أحمد موفق زيدان.

ففي الـ15 من الشهر الجاري، قال زيدان إنّ "الولايات المتحدة اقترحت على دمشق التدخل في الشأن اللبناني تماشياً مع التطورات الأمنية المتسارعة هناك، لكن سوريا رفضت هذه الطرح وقالت إنّها غير معنية بأي تدخل أمني أو عسكري في الشؤون اللبنانية". وأكمل "سوريا تدعم لبنان في سيطرتها على أراضيها، ودعم الحكومة هناك لا يكون بالتدخل العسكري الخارجي من قبلنا، بل من خلال دعم مؤسسات دولتهم لتعزيز سلطتها الشرعية، كما أنّ دمشق تنظر إلى موضوع استقرار لبنان كمصلحة إقليمية مهمة، شرط احترام سيادتها وعدم التدخل في شؤونها الداخلية".

 

وفي الوقت ذاته طالب مستشار الرئاسة "حزب الله" بوقف تدخلاته في الداخل السوري، مشيراً إلى أنّ الحزب يتسبب بمشكلات داخلية لسوريا، وبعض تحركاته لا تخدم استقرار سوريا ولا مصالحها الوطنية، متهماً إياه بالاستمرار حتّى الآن بدعم شخصيات مرتبطة بالنظام السوري السابق.

وحول تصريحات المستشار يعقب أستاذ القانون الدولي حسن نخلي لـ "اندبندنت عربية"، بالقول "المهم في كلامه هو التوقيت والرسالة، ومنصب مستشار الرئيس منصب رفيع يعبّر عن توجه الدولة عامةً، فيكون مدروساً بعناية ومتفقاً عليه بوضوح في الداخل، وهنا دمشق أوصلت رسالة أنّها لا تعارض أي تعاون مع أميركا ولكنّها لا يمكن أن تتحمل كلفةً باهظة لمغامرة عسكرية جديدة، ولا حتى إعادة إنتاج الماضي المظلم بين الدولتين، سيما في ظلّ وجود قطعات عسكرية سورية غير منضبطة، منها أجنبية، وعدم اتفاق سيادي داخلي على الملف، وهذا ما كان بين سطور حديثه".

وتابع "الرئاسة بشكل غير مباشر أوصلت رسالتها الهادفة إلى تبريد التوقعات الدولية منها ليكون التعامل معها محصوراً في نطاق تعزيز التعاون الأمني لا القفز فوقه، وعلى رغم أن دمشق تدرك مغبة رفض هذا الطلب، لكنها تحاول التحرك في المنطقة الآمنة لعدم خسارة أميركا من جهة، وعدم التحول لأداة إقليمية مأجورة تنطلق من بيت داخلي ينقصه ترتيب كامل".

"الداخلية" تتدخل أيضاً

على اعتبار أنّ تصريحات المستشار الرئاسي زيدان رسمت البعد السياسي للموقف، فإنّ تصريحات المتحدث الرسمي باسم وزارة الداخلية السورية نور الدين البابا، جاءت أكثر إيضاحاً في ما يتعلق بالقضية من جوانب أكثر شمولية، إذ أكد أن سوريا في صفٍّ واحد مع رؤية الرئيس اللبناني جوزاف عون حول ضرورة الحفاظ على الصف اللبناني وسيادة لبنان، "لذلك نحن في خندق واحد، ونعتبر أن القبول والتنسيق مع الشقيق لبنان هو الركيزة الأساس لأي دور ستلعبه سوريا في حل الملفات اللبنانية، وفي ما يخص تصريحات الرئيس ترمب فإن الجانبين اللبناني والسوري بما يمتلكانه من تواصل جيّد هما الأقدر على تفسير هذه التصريحات والاتفاق على الصيغة التي تخدم البلدين، لبنان دولة وليس ساحة خلفية لنا، وأي عمل إن قمنا به في لبنان فهو لخدمة الشعب اللبناني وبالتنسيق معه، وأخوتنا مع الشعب اللبناني هي أهم من أية مصالح سياسية لسوريا".

في الوقت ذاته كانت تسريبات إعلامية نقلت تأكيد الرئيس الشرع في معرض حديثه عن الملف اللبناني أمام زوار له خلال الأيام الماضية، بأنّ كل ما يجري الحديث عنه حول دخول سوري محتمل إلى لبنان "لا يعدو كونه إشاعات".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

اللافت في كلّ ذلك أنّ كلّ المستويات السياسية والإعلامية التي تناولت الموضوع أو ردت بشكل مباشر أو غير مباشر على الطلب الأميركي، لم تصف "حزب الله" بالخصم أو العدو، وبالضرورة لم تصفه بالحليف، بل كانت العبارات محمولة على مطالب للحزب بالتوقف عن دعم خلايا النظام السابق أو التدخل في المشهد السوري.

ما سمعه السوريون من تصريحات في هذا الشأن لا يمكن توصيفه على أنّه مجرد تفاصيل لغوية تعبّر عن رؤى فردية بقدر ما يعتبر محاولة لكسب أميركا صاحبة الطلب من جهة عبر إبداء كل سبل التعاون معها في شؤون مكافحة الإرهاب وضبط الحدود ومنع أي تهديد إقليمي بعد أن صارت سوريا جزءاً من التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب، ورسالة إلى الداخل بأنّ السلطة الجديدة لا تسعى إلى معارك خارجية ذات كلفة مرهقة، والأهم في هذه الرسالة هو توجيهها إلى الأنصار المقاتلين من السلطة والمنقسمين في هذا الشأن، بالتالي إفراغ المطلوب من أي محتوي أيدويولوجي وحصره في نطاق مؤسساتي ضيّق.

يقول المتخصص في شؤون الجماعات الإسلامية عبد الرحمن صائب "من يضمن ألّا يتحول التدخل السوري في لبنان إلى مذبحة تجرّ معها ويلات يستحيل الخروج منها، والرئيس اللبناني نفسه وصف الدخول إلى لبنان بالمستنقع، والشرع يعي جيّداً إمكانية حصول مجازر وصعوبة إيقافها كما حصل في السويداء والساحل، بالتالي يكون دخوله هو نهاية نظامه السياسي، بخاصةً إذا ما ارتكن في العملية العسكرية إلى القوات غير المنضبطة وهي الأكثرية في الجيش، وكذلك القوات الأجنبية وقسم كبير من هؤلاء مرابط منذ فترة على حدود لبنان من جهة حمص، باختصار يحتاج الشرع معجزة سياسية للخروج من المأزق، لأنّ دخوله سيصيب نظامه في مقتل سوري - لبناني، وعدم دخوله سيصيبه في مقتل إسرائيلي – أميركي".

لا وقت للخارج

يطرح عسكريون ومهتمون سؤالاً بارزاً يتعلق بما إذا كانت سوريا قادرةً فعلاً على خوض مواجهات خارجية، ويطرحون سؤالاً آخر يتعلق بمدى انضباط وجهوزية الجيش واستعداده لقتال "حزب الله" المدرب على مستويات عليا، وماذا عن احتمال صدامٍ مع بيئات متعددة في لبنان تنتهي إلى تفتيته؟

تلك الأسئلة يجيب عنها المتخصص الأمني والعسكري لؤي أمين، لـ"اندبندنت عربية" بقوله "هناك نقص بشري واضح في تعداد القوات السورية عامة، ويشوب هذا النقص فداحة في مدد التدريب العسكري التي يغلب عليها الطابع الشرعي، يضاف إليها عدم الجهوزية على صعيد العتاد والتكتيك، بالتالي سيتم إلقاء المقاتلين إلى مستنقع فعلي، ومواجهة (حزب الله) لن تنقضي بألف وألفي مقاتل كما يتصور البعض، وتكمن الكارثة من احتمال انكشاف ظهر سوريا داخلياً".

ويتابع "المشكلة الأخطر هي من الذي يستطيع تقديم ضمانات بألا تحصل صدامات مع مجتمعات غير شيعية؟ وبالأساس ما مصير البيئة الشيعية المدنية؟ هذه مشاكل قد تفضي لارتكاب جرائم ضدّ الإنسانية، ولن يكون القتال محصوراً بالحزب فقط بل ببيئته أيضاً ومناصريه، مع الأخذ بعين الاعتبار أنّ إمكانية كبرى قد تقود الشمال اللبناني لمناصرة الجيش السوري، وحينها ستنتهي المعركة على ما تنتهي إليه ولكنّ لبنان لن يعرف الاستقرار بعدها".

الذاكرة المريرة

استمر تواجد الجيش السوري السابق في لبنان حوالي ثلاثة عقود في عهد الأسدين، قبل أن يخرج منكسراً عقب واقعة اغتيال الرئيس الحريري في فبراير (شباط) 2005، ذلك العهد الأسود بين البلدين يقود لمحاذير سورية آنية تكرارها يعني العودة إلى إحياء ذاكرة مثقلة بالآلام، وكذلك فإنّ الجيش السوري في تلك السنوات استنزف دولته المركزية لصالح أفرادها الأقوياء، مما وضع دمشق كطرفٍ أساسي يحمل تشابكاً معقداً داخل واقعٍ لبناني مكتنزٍ بالصراعات والخلافات والتحالفات والتناقضات.

ماجد منصورة ضابط خدم في القوات الخاصة السورية في لبنان وتقاعد عام 2006 يقول لـ"اندبندنت عربية"، "على رغم هيمنتنا المطلقة على لبنان لكنّ الأمور لم تكن وردية كما يتصورها البعض بالنسبة إلينا، فقط كنا هناك على صفيح ساخن استفادت منه السلطة السورية وضباطها الكبار لا شعبها، وقد وضع حافظ ومن بعده بشار سوريا بسبب هذا التدخل في موضع حرج ومحاصر دولياً تحديداً بعد اغتيال الرئيس الحريري، ومن خبرتي في لبنان فإنّ الدخول إن تجدد الآن فلن يكون بندقية لبندقية وتنتهي الأمور، مخيم واحدٌ كان يوقفنا ويستدعي طيراننا وكل مدفعياتنا للمشاركة، ولا أريد الحديث عن تلك الفترة، لكنّ القصد أنّ الأمر ليس نزهة، بل لربما يكون طريقاً بلا عودة".

ويستطرد "الآن أنا مع بلدي، لكنّ الشرع أمام خيارين أحلاهما مر، (حزب الله) يمتلك أساليب مواجهة قد تعجز جيشاً مدرباً، وقد رأينا أنّ تدخله البري في سوريا كان حاسماً أكثر من إيران وروسيا نفسيهما، فتلك مواجهة مصيرية، ودائماً يكون المدافع أقوى وأعلم بنقاط قوته، ولو لم يدخل الشرع فسيكون ضحى بأبعد مما هو متوقع، بالسلطة نفسها، فعلى أي جانبيه يميل الآن والضغوط تحاصره ميمنة وميسرة؟ قد يكون المخرج تنازلات كبرى وغير متوقعة مقابل عدم دخول لبنان كالتضحية الرسمية بالجنوب السوري وجبل الشيخ والجولان مع اتفاق أمني شامل، ولو أنني أرى الأمور أكثر تعقيداً، ومطالبة الدخول هي النهاية من وجهة نظري".

صراع مع المحور

يذهب محللون في السياسة بتصوراتهم نحو أفق أبعد من مجرد معركة مع الحزب لو حصلت، مستندين إلى تاريخ ارتباط "محور المقاومة" ببعضه، واستمرار اعتبار إيران لـ"حزب الله" ركيزتها الأساسية في المنطقة، مما قد يدفع لوحدة ساحات جديدة وحرب إقليمية تمنع سقوط الحزب بأي ثمن، وهو الدعم ذاته الذي تلقاه مراراً منذ عقود لئلا يسقط في مواجهة إسرائيل على رغم الخسائر التي مني ويمنى بها في تلك المواجهات.

 

يرى المتخصص في علم السياسة المقارنة رواد البشير، أنّ "التنبؤ بنتائج تلك المعركة مستحيل إن وقعت، يظلّ خيار التملص منها أكثر سهولة وأقل كلفة بكثير، فالأمر لن يتعلق حينها بمواجهة (حزب الله)، بل بقدرة سوريا على خوض معارك في اتجاهات متعددة مع من يمثلهم الحزب، وجميعهم يملكون ثأراً مع السلطات الحالية، فاحتمالية التشويش من اليمن قائمة، والدعم الاستخباراتي والناري البعيد من إيران قائم، والأخطر في كل ذلك موقف (الحشد الشعبي) في العراق، وما سيرافق تلك الأمور من تحركات داخلية محتملة سواء من قبل خصوم السلطة المحليين أو (داعش)".

ويعتقد البشير أنّ الشرع لا يزال يمتلك أوراقاً قد تكون طوق نجاة، وهي أبواب السعودية وقطر وتركيا ومصر وفرنسا وبريطانيا، "قولاً واحداً الشرع لا يريد هذه المعركة لأنه يعلم كيف ستكون، وفي ظل الدعم الدولي الذي يلقاه من بعض الدول سيحاول إيجاد مخرجٍ مرضٍ عبر وسطاء أياً كان الثمن مقابل ذلك، وهذه الدول التي قادت مجيء السلطة الحالية إلى دمشق كما تحدث وزير خارجية تركيا كاهان فيدان قبل أشهر، بإمكانها الضغط للحفاظ على مكاسبها الحيوية".

من داخل الهيئة

يعتبر الشيخ السعودي عبدالله المحيسني واحداً من أبرز منظري السلطة السورية خلال مرحلة الحرب، وأحد أكبر داعميها اليوم حيث لا يزال في سوريا، ولمقولته على الدوام صدى يسمع، وبخصوص التدخل في لبنان قال "من يعرف الرئيس الشرع يدرك يقيناً أنّه أبعد ما يكون عن جر سوريا إلى صراعات في لبنان أو العراق وغيرهما، هذا رجل خاص الحرب مضطراً ليصل بشعبه إلى السلام، لا ليبدد السلام ويكون أول الساعين لإشعال الحرب من جديد".

ولكنّ الأخطر في كلّ ذلك هو ما قاله الشرعي السابق في "جبهة النصرة" وشريك الجولاني (الشرع) في تأسيس "هيئة تحرير الشام"، والذي انشقّ عنها وتحول إلى معارض لها، إذ أوضح مستنداً إلى معلومات وارتباطات غربية، أنه تم الطلب من الشرع بوضوح حمل المحور الشمالي عن إسرائيل بمواجهة "حزب الله" بالإنابة، وكذلك توقيع اتفاق أمني شامل معها.

وأضاف "الآن أميركا تطالب الشرع بسداد الديون، فهم تركوا له الجهاديين بعد أن اشترطوا إخراجهم بداية، ثم تركوهم لمواجهة (حزب الله) لاحقاً، وعليه بدأ الشرع من تحت الطاولة بنقل قوات من الفرقة 70 التي تتبع مختار جفتشي ذي الجنسية التركي إلى حدود لبنان مع فرق أخرى، وكذلك نقل الفرقة 44 من ريف دمشق إلى حمص، فيما ستتأجل مباحثات ملف لبنان لما بعد لقاء أردوغان – ترمب".

وقال "الشرع تلقى تحذيرات مراراً في الآونة الأخيرة قبل لقاء ترمب لئلا يجبره على تنازلات كبرى، لكنه سيلتقيه نهايةً لأن هذا ثمن السلطة، فإما أن ينفذ وبعدها يبقى لمدة متفق عليها من الأساس في السلطة، أو يرفض وتقع الكارثة على سلطته".

كيف يمكن التملص؟

يقول سياسيون ومطلعون، أنّ الافتكاك من الطلب الأميركي لا يزال ممكناً، وليس فقط عبر تقديم تنازلات كبرى لإسرائيل، إذ يمكن تقديم تنازلات حيوية ومنطقية أخرى تسهم في صناعة شكل دولة مؤسسات كشريك عالمي موثوق لا دولة فصائل وثأر، وذلك بتقديم تنازلات اقتصادية في مختلف المجالات والابتعاد عن المحاصصة الضيقة والمنفّرة للمال الخارجي، وفتح سوريا كمساحة اقتصادية استراتيجية أقرب لسوق حرّة عالمية، وأيضاً قبول السلطة بالمشاركة الفعلية والتامّة والكاملة مع المكونات السورية بمختلف توجهاتها، وهذا الملف بالأساس مطلب غربي ملح، وكذلك بناء جيش وطني خالص، وإيجاد طريقة لإبعاد الأجانب، وما إلى ذلك بما يتضمن تفكيك الهيئة والتنازل عن وزارات أساسية والقبول بتشكيل مجلس حكم انتقالي، وغير ذلك من أمور كانت مرفوضة حتّى الأمس القريب، وضمناً إيقاف الإقصاء وخطاب الكراهية والاعتماد على الولاء بدل الكفاءة وتوزيع المناصب كمكاسب ثورية.

الأكاديمي المتخصص في العلاقات السياسية، والذي حملت أطروحة الدكتوراه الخاصة به عنوان "العلاقات السورية– اللبنانية بعد استقلال الدولتين" يقول لـ"اندبندنت عربية"، "بالمسار الدبلوماسي الواثق والقوي يمكن حلّ قضايا صعبة، والالتفاف على ضغوط واقعة كما يعلمنا التاريخ، وسوريا يمكنها أن تحول الفرضية من أنّ المشكلة ليست في (حزب الله) بل في ضعف الدولة اللبنانية، لذا يكون العمل على تقويتها وهي تتكفل بحل صراعاتها الداخلية، وهنا تنقل سوريا المسؤولية إلى لبنان، فتدعم أي مسار سياسي لجارتها وتخرج من ضغط العبء الأمني، لأنّ ما سيبدأ كعملية عسكرية محدودة سيتحول إلى صراع مفتوح الاحتمالات والنتائج".

ويستطرد "أرى الآن أنّ الشرع تلقى نصائح بألّا يغلق الباب أمام مطالب (البيت الأبيض)، بل أن يطالب بإعادة هيكلة المهمة المطلوبة منه بما يجعل تنفيذها معقولاً ومتاحاً وبلا خسائر تدمر بلدين معاً، وهنا يكون التملص غير قائم على الرفض، بل على توزيع المسؤوليات بين الأطراف المتضررة، أما ما يخشى منه فهو أن يكون أي جواب غير نعم من دمشق مرفوضاً، وأن يكون وراء الأكمة ما وراءها، فتصبح سوريا في قلب النار أياً كان جوابها، وبالمناسبة حتّى لو دخلت سوريا أخيراً ونجحت بمهمتها على أكمل وجه فإنّ هذا النجاح سيتحول إلى عبء لأنّه سيفتح عليها أبواب تكليفات إقليمية أكبر وأكثر تعقيداً، والحل الآن بالدبلوماسية والارتكان إلى الدول الداعمة لحلّ هذه العقدة".

المزيد من تقارير