Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

كأس العالم في لبنان: وطن يرتدي أعلام الآخرين

البلاد لم تتأهل ولو لمرة واحدة للمباريات العالمية ومع ذلك يتابعها الجمهور بشكل استثنائي

ملخص

في هذه الأيام، ينقسم اللبنانيون بين تيار الماكينات الألمانية وتيار السامبا البرازيلية، مستنسخين الأشكال الأولية للتعصب "الكروي" ولكن بأشكال رياضية مستجدة. وبين هذا وذاك، تختصر شريحة مختلفة التي تُشجع البرتغال بسبب حضور اللاعب كريستيانو رونالدو فيما يرى آخرون في أرجنتين ليونيل ميسي الخيار الأقرب للانتصار. وتتجه الأنظار إلى مباريات الفرق الكبرى المرشحة لكأس العالم في مقدمها الأرجنتين وفرنسا وإسبانيا، فيما تزداد الآمال بتحقيق الفرق العربية مثل السعودية ومصر والعراق والأردن لنتائج إيجابية بعد الأداء المغربي المتقدم.  

على رغم أنه لم يتأهل ولو مرة واحدة في تاريخه إلى مباريات كأس العالم لكرة القدم، لكن لبنان معني أولاً وأخيراً بـ "المونديال"، أو هكذا أقله يشعر الزائر لشوارع المدن والبلدات في هذه الدولة من شمالها إلى جنوبها، وبالطبع العاصمة بيروت.

لا تكاد تمر سيارة من دون أن ترفع على زجاجها علماً من أعلام الدول المشاركة، ولا تمضي دقيقة من دون أن تسمع أصوات الزمامير التي تملأ الأرجاء. هذا الشيء ليس بجديد على لبنان، فقد اعتاد المواطنون على الانقسام "الرياضي" الذي يأخذ بشكله التقليدي التعصب لأحد قطبي الرحل بشكل تقليدي: البرازيل أم ألمانيا؟، إذ يرفض مشجعو الطرفين المعادلة الرمادية، ولا يعترفون بوجود أي طرف ثالث في نزالهما، وصولاً إلى تسخيف أي خيار سواء كان عربياً أم غربياً.

وجاءت الترتيبات والمسيرات الضخمة التي شاركت فيها المئات من السيارات والدراجات النارية في مدينة طرابلس شمال البلاد لتكرس قواعد الاشتباك بين جمهوري البلدين، إذ نجح كأس العالم في رفع خطوط التماس التقليدية، لتتحول مسيرات التشجيع إلى مشهد وطني عابر للخلافات السياسية الكلاسيكية.

أجواء استثنائية

يعيش لبنان حالة "متناقضة" يصعب تفسيرها، ففي وقت تستمر الهجمات الإسرائيلية المدمرة وأخبارها الموترة، يصل اللبنانيون الليل بالنهار لمتابعة مباريات المستديرة. لا بل ازدحمت محلات "اشتراك الأقمار الاصطناعية" بمحدودي الدخل من أجل تركيب الباقة الخاصة لبث مباريات كأس العالم منزلياً. وتختصر إجابة أحد كبار تجار الألعاب المشهد عندما يتحدث عن "بلوغ مرحلة انتهاء المخزون لديه من الأعلام والألبسة والهدايا الخاصة بمنتخبي ألمانيا والبرازيل على وجه التحديد"، وهو ما يشي إلى تحول كأس العالم إلى سلعة رابحة للعاملين فيها.

يشبه عزام سامي صاحب مؤسسة متخصصة ببيع العدد الرياضية الأجواء بـ "العرس"، لأن "الإقبال شديد على شراء الأشياء الخاصة بالكأس العالمي، مؤكداً "ننتظر كأس العالم كل أربع سنوات من أجل تنشيط التجارة والحركة، وما يجري اليوم هو أمر متوقع بسبب الحماسة الكبيرة في لبنان". ويعتبر سامي أن "المونديال يساوي ألمانيا والبرازيل إذ ينقسم السواد الأعظم من الناس بين المنتخبين، ويتبارى الأنصار على شراء الزينة المميزة لفريقهم".

يشير سامي إلى أن "القائمة الأساسية للتشجيع هي العلم، وربطة الرأس، ومن ثم تأتي أشياء أخرى كالقبعات والشعر الاصطناعي الملون بلون المنتخب وأغطية السيارات وغيرها"، معتبراً أن "المشاهد التي نراها في لبنان لا يمكن أن نجدها في أية دولة أخرى بسبب الانقسام اللبناني المطلق خلف الفرق الكبرى" في ظل عدم مشاركة المنتخب الوطني في البطولات الكبرى.

ويعتقد أن "ما يحدث شيء جميل للغاية، على رغم ما يسببه من إزعاج بالنسبة إلى البعض وخصوصاً كبار السن، لأنه يُشعر الناس بلحظات من الفرح"، متحدثاً بطرافة عن موقف التاجر من المونديال لأنه "يجد نفسه بموقف مشجع لجميع المتنافسين"، إذ يجيب سائليه "أنا أُشجع الفريق الذي تشتري علمه"، و"ما أثار إعجابي الإقبال المتزايد لشراء أعلام الدول العربية المشاركة، بعد أن منحت المشاهدين نفساً بإمكانية الإنجاز والوصول إلى الكأس عربياً".

انتعاشة ألمانية

خلق الانتصار الألماني على المغمورة كوراساو موجة من الثقة بالنفس لدى الجمهور الألماني في لبنان، إذ عاشت البلاد لحظات لا تُنسى بفعل الاحتفالات السابقة واللاحقة التي نظمها الجمهور الألماني. أراد جمهور الماكينات الألمانية تحويل لبنان افتراضياً إلى مقاطعة بافارية- ألمانية. فقد ارتدت المقاهي والطرقات والشرفات والسيارات الألوان الألمانية في مؤشر على العاطفة الجامحة لدى جمهور هذا الفريق.

والأمر نفسه كاد أن يحصل على الضفة البرازيلية، لولا أن كبح أسود الأطلس والمنتخب المغربي طموحات جمهور بطل العالم لخمس مرات وأيقونة الكرة الجنوب أميركية. فقد تفنن الجمهور في إبراز حبهم المفرط لمنتخباتهم، ولم يكن أمراً عابراً شراء العلم العملاق، أو تغطية واجهة المنزل، أو حتى أواني المنزل وأغطية النوم.

يقول محمد العلي وهو مشجع ألماني مخضرم "منذ عام 1978، وأنا أشجع ألمانيا، ولا يمكن أن يمر كأس العالم مرور الكرام بحيث أقوم بشراء كافة الأكسسوارات الشخصية أو أغطية أجزاء السيارة بالعلم الألماني"، واضعاً هذا الأمر في خانة "الوفاء للمنتخب الذي يشجعه". ويتحدث عن "فعاليات كبيرة" يحضرها الجمهور الألماني في لبنان للتعبير عن وفائهم لمنتخبهم، والتي تظهر كل يوم في أرجاء مختلف المناطق وبصورة عفوية. من جهته، يقارن الشاب مارك عارف أحد مشجعي المنتخب البرازيلي بين أسلوب التشجيع اللبناني والموجود في الخارج، انطلاقاً من تجربته الخاصة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويلفت "أنا أحمل جواز السفر والجنسية البرازيلية فقد عشت وترددت على البرازيل وما زلت لثلاثة عقود، هناك يتحمس الناس لمنتخبهم انطلاقاً من مشاعر وطنية، ولكن في لبنان تأتي الحماسة والتعصب انطلاقاً من حبهم بالكرة وإعجابهم بالأداء"، متحدثاً عن "إفراط في التشجيع في لبنان"، وهو ما جسده في سلوكه الشخصي، إذ قام بتغطية المبنى الذي يقطنه والمؤلف من سبعة طوابق بأكبر علم برازيلي في لبنان. ويكشف أن "بعض الجيران من مشجعي ألمانيا اعترضوا من منطلق المحبة، لأنه لم يسمح لهم بالتعبير عن رأيهم الخاص".

لا تُخفي تلك الانقسامات حضور مجموعات من المشجعين التقليديين للكرة الأوروبية، أو بطل العالم المنتخب الأرجنتيني، ويفيد عماد بدر أنه "حتى في كرة القدم يحضر الشعور بوجود أكثريات وأقليات، إذ يستغرب البعض أنه يُشجع المنتخب الهولندي الذي يُعد حالة في تاريخ كأس العالم بسبب تقديمه بطولات عظيمة على رغم عدم الظفر بالبطولة، علماً أن هولندا كانت الأكثر ثباتاً في الأداء والمشاركة خلال العقود الأربعة الماضية لولا حظها العاثر"، منوهاً أن "هولندا تجسد المدرسة الأوروبية المتطورة في كرة القدم، وهو مُصر على تشجيعها بغض النظر عن حظوظ الربح والخسارة".

في الموازاة، يجد مشجعو بعض الفرق غير المتأهلة أنفسهم في لحظات من الضياع، وهو ما نجده لدى الجمهور الإيطالي الذي فشل بالتأهل، إذ يبحثون عن فريق "قريب بالهوية" على غرار فرنسا أو إسبانيا أو حتى تفضيل فرق عربية على غرار مصر والمغرب أو السعودية.

أزمة مواطنية؟

تسترعي الانتباه العاطفة الشديدة لدى المشجع اللبناني تجاه منتخبات أجنبية، في ظل عدم مشاركة أو تأهل الفريق الوطني لمرة واحدة إلى كأس العالم الذي انطلق للمرة الأولى  في عام 1930. ويعتقد الصحافي الرياضي حسن شرارة أن "ثمة حماسة مفرطة لدى الجمهور اللبناني"، ويعزوها إلى عوامل نفسية ترتبط بمفهوم المواطنة لدى اللبناني، وهناك تفتيش دائم عن الانتماء إلى فكرة أو فريق ما. كذلك يعتبر أن "الشعب اللبناني يُعاني كثيراً من الحروب والأزمات، وهو يبحث عن متنفس من تلك النكبات والأوجاع التي يُعايشها، وهو ما يدفعه أحياناً للتعلق المُبالغ فيه بأمر ما، والتي تتخذ في حالة كأس العالم شكل الكرة الجميلة والإنجازات الكبرى".

ويعتبر أن "عدم نجاح الفرق الوطنية في الوصول إلى تلك البطولات، يجعل منه باحثاً عن فريق ينتمي إليه". وينوه شرارة في المقابل بإنجازات فريق كرة السلة، لأنه "عندما وجد الجمهور اللبناني منتخباً قوياً وقادراً على الإنجاز، التف الجميع حوله في المنافسات الدولية"، و"يتضح أن الجمهور اللبناني يبحث عن إنجازات وأداء جميل للتجمع خلفها، ولتنسيه مآسيه".

كذلك يتطرق شرارة إلى دور الإعلام اللبناني في تعزيز الروابط بين اللبناني والمنافسات العالمية، مستذكراً "أيام تلفزيون المستقبل (التلفزيون الرسمي)، عندما كان يقدم تغطيات طويلة ومتخصصة بصحبة زملائه وضاح صادق وعلي علوية وذلك للتخفيف من وطأة عدم امتلاك الإعلام اللبناني لحقوق النقل الخاصة"، معتبراً أن "الدولة لم تقصر في الاستحواذ على حقوق البث، لأن المشكلة باتت ذات أبعاد كونية وعالمية بسبب اتساع دائرة الاحتكار في مجال بث مختلف الرياضات الجماهيرية، وهو يعيد تعريف تلك الرياضات، لأنه من غير المعقول أن تتحول ألعاب الفقراء إلى سلعة مدفوعة لا يمكن أن يتابعها إلا الأغنياء والمقتدرين مادياً.

كذلك يشكك حسن شرارة بخلفيات توسيع دائرة فرق المونديال إلى 48 منتخباً، وإطالة أمد البطولة، إضافة إلى توسيع سيادة فترات الإعلان، وتكريس حصرية البث، وكلها لغايات الربح المادي.    

فرصة للقطاع السياحي

يشكل كأس العالم فرصة للربح وتنشيط قطاع المطاعم وبعض المرافق الاقتصادية والسياحية. ويشهد معرض رشيد كرامي الدولي في طرابلس إطلاق أول FAN ZONE في لبنان، حيث يتحدث المنظمون عن استنساخ تجربة مونديال قطر لعام 2022.

ويشير إيهاب كبارة أحد المنظمين إلى أن "الانقسام بين الفرق الكبرى يترجم في الحجوزات الكبيرة على تذاكر المباريات الخاصة بهم ضمن مدرجات المسرح المكشوف في المعرض الدولي"، منوهاً إلى الاستفادة من خبرات شبان شاركوا في كأس العالم الأخير، إذ لا يقتصر التنظيم على عرض المباراة أو تقديم الطعام، وإنما يشهد المعرض عروضاً ترفيهية، وعرض مجسم لكأس العالم، رقصات شعبية وعروض النار ومواكب الفرح، ومجموعة من أكبر المطاعم اللبنانية ومراكز تجمع للعائلات، إضافة إلى مساحة مفتوحة للعب تتجاوز مساحتها 2500 متر مربع. وخلقت تلك الفعاليات أجواءً من الفرح والمنافسة الشديدة بين جمهور المنتخبات الكبرى، والتي ضاعفها حضور معلق محترف على المنصة. في الموازاة، ازدحمت المقاهي في كافة المناطق بالجماهير، وخصص عدد كبير من المطاعم مساحات للتشجيع، وخصصوا قاعات تضم شاشة وكراسي لاستقبال الوافدين، كذلك فطنوا إلى تقديم "وصفات" وأطباق خاصة بالمونديال.

اقرأ المزيد

المزيد من منوعات