ملخص
من المرجح كذلك أن يصبح "الشمول المالي" أحد المحركات الرئيسة لإعادة بناء الاقتصاد، فإدماج النساء والشباب وأصحاب المشروعات الصغيرة والمزارعين في النظام المالي الرسمي، يمكن أن يعزز الادخار والاستثمار والإنتاج ويقلص حجم الاقتصاد غير المنظم الذي ظل يستنزف موارد الدولة عقوداً.
لم تقتصر آثار الحرب السودانية منذ أكثر من ثلاثة أعوام على تراجع الإنتاج وتعطل سلاسل الإمداد، بل امتدت إلى البنية المؤسسية للدولة والجهاز المصرفي، الذي تعرض لخسائر وتشوهات عميقة نتيجة تدمير الفروع وتعطل الخدمات وتراجع الثقة في القنوات المالية الرسمية. وفي هذا السياق، تكتسب الرؤية التي طرحتها محافظ بنك السودان المركزي، آمنة ميرغني التوم، أهمية لأنها تتجاوز مفهوم الإصلاح المصرفي التقليدي نحو مشروع أوسع لإعادة بناء الدورة الاقتصادية من القاعدة الاجتماعية والاقتصادية نفسها.
وتقوم هذه الرؤية على جعل "الشمول المالي" ركيزة للاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، عبر إدماج ملايين السودانيين خارج النظام المصرفي في الخدمات المالية الرسمية، وتوسيع فرص الوصول إلى الحسابات المصرفية والمحافظ الرقمية والتمويل الأصغر، مع تركيز خاص على النساء والشباب وصغار المنتجين والمزارعين وأصحاب المشروعات الصغيرة. وترى المحافظ أن الاقتصاد لا يمكن أن يستعيد عافيته ما لم تصبح الخدمات المالية متاحة وآمنة وميسرة للفئات التي ظلت عقوداً بعيدة من المنظومة المصرفية.
وفي موازاة ذلك، طرحت محافظ البنك المركزي التحول الرقمي بوصفه المسار الأكثر واقعية لتجاوز آثار الحرب واستعادة النشاط الاقتصادي. وتشمل الخطة إعادة تأهيل البنية التحتية التقنية للقطاع المصرفي وتشغيل المحول المصرفي القومي والتوسع في المدفوعات الرقمية والمحافظ الإلكترونية والخدمات المصرفية عبر الهاتف، وربط الأنظمة المصرفية بالمنصات الحكومية بما يحد من الاعتماد على النقد ويعزز الشفافية وكفاءة إدارة السيولة، كذلك ترتبط هذه الجهود بخريطة طريق أوسع للانتقال من مرحلة "الصمود" إلى مرحلة "التعافي" وبناء قطاع مالي أكثر مرونة وقدرة على الاندماج في الاقتصاد الرقمي العالمي.
غير أن الرهان الحقيقي لا يكمن في إطلاق المبادرات بحد ذاتها، بل في قدرة هذه السياسات على استعادة الثقة وتوسيع نطاق الخدمات المالية الرسمية وإعادة ربط السودان بشبكات التمويل والمدفوعات الدولية، فهل يشكل مشروع الشمول المالي والتحول الرقمي نقطة الانطلاق التي تعيد السودان تدريجاً إلى موقعه الطبيعي داخل النظام المصرفي الإقليمي والعالمي؟
جذور التدهور
تمتد جذور تدهور العمل المصرفي إلى تحولات عميقة شهدها الاقتصاد السوداني على مدى أكثر من ثلاثة عقود، فمنذ بداية التسعينيات، ومع تزايد عزلة السودان عن الأسواق المالية الدولية، بدأت المصارف المحلية تفقد تدريجاً قدرتها على الوصول إلى مصادر التمويل الخارجية والخدمات المصرفية العابرة للحدود. وجاءت العقوبات الأميركية التي فُرضت في عام 1997 لتشكل نقطة تحول مفصلية، إذ دفعت عدداً كبيراً من البنوك العالمية إلى إنهاء أو تجميد علاقات المراسلة مع المصارف السودانية، مما أدى إلى إبطاء التحويلات الخارجية وارتفاع كلفتها وتراجع كفاءة التجارة الدولية.
وخلال العقد الأول من الألفية الجديدة، حاولت السلطات النقدية احتواء آثار العزلة عبر تطوير البنية التحتية المحلية للمدفوعات وإنشاء أنظمة للتسوية الإلكترونية وربط المصارف بشبكات داخلية حديثة، غير أن هذه الجهود واجهت تحديات مستمرة بسبب ضعف الاستثمارات التقنية وصعوبة الحصول على الأنظمة المصرفية المتطورة نتيجة القيود المالية الدولية.
وجاء انفصال جنوب السودان عام 2011 ليضيف ضغوطاً جديدة على القطاع المصرفي بعد فقدان البلاد معظم إيرادات النفط، المصدر الرئيس للنقد الأجنبي، وأدى تراجع الاحتياطات الأجنبية إلى اتساع الفجوة بين السعر الرسمي والموازي للعملة، وتفاقم أزمة السيولة داخل المصارف، وهي أزمة بلغت ذروتها بين عامي 2018 و2019 عندما واجه العملاء صعوبات واسعة في السحب النقدي، في مشهد كشف هشاشة البنية المالية وتراجع الثقة في النظام المصرفي.
وعلى رغم رفع العقوبات الاقتصادية الأميركية عام 2017 وشطب السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب في 2020، فإن عودة المصارف السودانية إلى النظام المالي العالمي جاءت أبطأ من المتوقع، فقد استمرت المؤسسات المالية الدولية في التعامل بحذر بسبب متطلبات الامتثال والحوكمة وإدارة الأخطار، مما أبقى القطاع المصرفي السوداني في حال انتقالية بين إرث طويل من العزلة وطموحات الاندماج مرة أخرى في الأسواق المالية العالمية.
هشاشة البنية المصرفية
منذ اندلاع الحرب في أبريل (نيسان) 2023، وجد القطاع المصرفي نفسه في قلب واحدة من أعنف الأزمات، فالمعارك التي تمركزت بداية في الخرطوم، حيث تتركز الإدارات العامة للمصارف والبنك المركزي والبنية التحتية المالية الرئيسة، أدت إلى شلل في الخدمات المصرفية، وأخرجت أجزاء واسعة من الشبكة المصرفية عن الخدمة منذ الأسابيع الأولى للحرب.
وتعرضت عشرات الفروع المصرفية لعمليات نهب وتخريب واسعة، فيما فقدت بنوك عدة إمكان الوصول إلى مراكز بياناتها وأنظمتها التشغيلية، كذلك تعطلت شبكات الاتصالات والكهرباء فترات طويلة، مما أدى إلى توقف عمليات السحب والتحويل والتسويات بين البنوك في أجزاء واسعة من البلاد. ودفعت أزمة السيولة، التي كانت تمثل تحدياً هيكلياً قبل الحرب، السودانيين إلى البحث عن بدائل خارج النظام المصرفي الرسمي.
قالت الباحثة في العلوم المصرفية أماني ساتي "أظهرت الأزمة أهمية البنية الرقمية التي أسست خلال الأعوام السابقة، فقد تحولت التطبيقات المصرفية، وفي مقدمها (بنكك) التابعة لبنك الخرطوم، إلى شريان مالي رئيس لملايين السودانيين داخل البلاد وخارجها، فيما أصبحت التحويلات الرقمية الوسيلة الأكثر اعتماداً في التجارة اليومية وتحويل الأموال وسداد الالتزامات المالية".
وأوضحت ساتي "غير أن هذه المرونة الرقمية كشفت في الوقت نفسه هشاشة البنية المؤسسية للقطاع، فقد واجهت شركة الخدمات المصرفية الإلكترونية، التي تمثل العمود الفقري لمنظومة المدفوعات الوطنية، صعوبات كبيرة بعد فقدان الوصول إلى عدد من الأنظمة الحيوية خلال الأشهر الأولى للحرب، الأمر الذي أثر في خدمات المقاصة والتسويات والتشغيل البيني بين المصارف".
وأفادت الباحثة "في خضم هذه التطورات، تسارعت عملية إعادة تشكيل سوق المدفوعات الرقمية، فقد تراجع الاحتكار التقليدي للخدمات المالية الإلكترونية مع دخول شركات اتصالات وتحالفات مصرفية جديدة إلى القطاع، مستفيدة من التعديلات التنظيمية التي سمحت بتوسيع خدمات الأموال عبر الهاتف المحمول، غير أن ضعف تغطية الإنترنت وتضرر البنية التحتية للاتصالات وغياب شبكات الوكلاء بالقدر الكافي، ظلت جميعها عوامل تحد من انتشار الخدمات المالية الرقمية في الأرياف والمناطق البعيدة".
تحديات معقدة
قال المتخصص في القطاع المصرفي صلاح إبراهيم إن الحرب وضعت الجهاز المصرفي أمام تحديات تتجاوز الأضرار المادية المباشرة التي لحقت بالفروع والمنشآت البنكية، لتشمل تحديات سياسية واقتصادية وأمنية ودبلوماسية ألقت بظلالها على مجمل النشاط المالي في السودان.
وأشار إبراهيم إلى أن التحديات الاقتصادية تمثل أحد أكبر الضغوط على القطاع، في ظل تراجع النشاط الإنتاجي والتجاري وتوقف أعداد كبيرة من المنشآت الصغيرة والمتوسطة عن العمل، إضافة إلى انخفاض التدفقات الاستثمارية وتراجع حركة الصادرات والواردات. وأضاف أن هذه التطورات انعكست مباشرة على قدرة البنوك على التمويل وتوفير السيولة وإدارة المحافظ الائتمانية بكفاءة.
وأورد أن التحديات الدبلوماسية لا تقل أهمية عن الجوانب الاقتصادية، إذ لا تزال المصارف السودانية تواجه صعوبات في استعادة علاقاتها الطبيعية مع البنوك المراسلة والمؤسسات المالية الدولية، بسبب ارتفاع الأخطار المرتبطة بالعمل في بيئة نزاع، الأمر الذي يحد من سهولة التحويلات الخارجية والتعاملات المالية العابرة للحدود.
وبيّن أن الجانب الأمني فرض بدوره تحديات معقدة تتعلق بحماية البيانات والأنظمة التشغيلية وضمان استمرارية الأعمال، خصوصاً في ظل الانقطاعات المتكررة للاتصالات والكهرباء وصعوبة الوصول إلى بعض المناطق.
وفي المقابل، أوضح أن الحرب كشفت عن بعض الجوانب الإيجابية، أبرزها التسارع الملحوظ في استخدام الخدمات المصرفية الرقمية والمدفوعات الإلكترونية، التي أسهمت في الحفاظ على الحد الأدنى من النشاط الاقتصادي على رغم الظروف الاستثنائية، وأضاف أن الأزمة عززت كذلك قناعة صناع القرار بأهمية "الشمول المالي" وضرورة تحديث البنية التحتية الرقمية للقطاع المصرفي، وتابع "لكن في الوقت ذاته، كشفت الحرب حجم الفجوة بين التحول الرقمي والجاهزية المؤسسية"، وأشار إلى أن استمرار تعطل أجزاء من البنية المصرفية وضعف علاقات المراسلة الخارجية وتأخر إعادة تأهيل الأنظمة التشغيلية، فضلاً عن محدودية اندماج السودان في منظومات المدفوعات الإقليمية، كلها عوامل تجعل إعادة بناء القطاع المصرفي من أكثر ملفات التعافي الاقتصادي تعقيداً خلال المرحلة المقبلة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
مسارات متوازية
يمكن أن يحسم مستقبل القطاع المصرفي في ثلاثة مسارات متوازية، الاستقرار السياسي والإصلاح التنظيمي والتحديث التقني، وعلى رغم حجم الدمار الذي أصاب البنية المصرفية، فإن التجربة التي فرضتها الحرب كشفت عن تحول هيكلي، وأثبتت المدفوعات الرقمية والتطبيقات المصرفية قدرتها على إبقاء جزء كبير من النشاط الاقتصادي خارج نطاق الفروع التقليدية، مما يرجح أن يشهد السودان خلال الأعوام المقبلة انتقالاً متسارعاً نحو نموذج مصرفي أقل تعويلاً على النقد وأكثر اعتماداً على الخدمات الرقمية والمحافظ الإلكترونية والتكنولوجيا المالية.
غير أن هذا التحول لن يكون كافياً لاستعادة موقع السودان في النظام المصرفي العالمي ما لم يترافق مع إصلاحات عميقة في الحوكمة والامتثال، فإعادة بناء شبكة المراسلين الخارجيين للبنوك السودانية تمثل التحدي الأكثر حساسية خلال المرحلة المقبلة، إذ إن المصارف الدولية لا تنظر إلى البنية التقنية وحدها، بل تقيم مستويات الشفافية والامتثال لمعايير مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وكفاءة أنظمة "اعرف عميلك"، وإدارة الأخطار والرقابة الداخلية. وكلما نجح بنك السودان المركزي في مواءمة الإطار الرقابي مع المعايير الدولية، ازدادت فرص استعادة العلاقات المصرفية العابرة للحدود وعودة السودان تدريجاً إلى شبكات التحويل والتسويات العالمية.
وفي هذا السياق، تبدو الأولوية العاجلة أمام بنك السودان المركزي متمثلة في ضمان استمرارية الخدمات الأساسية وحماية الودائع واستعادة الثقة في النظام المصرفي وإعادة تشغيل البنية التحتية للمدفوعات بكفاءة واستقرار، أما على المدى المتوسط فستبرز الحاجة إلى إعادة تقييم أوضاع المصارف ومعالجة مواطن الضعف في رؤوس الأموال وتطوير منظومات الأمن السيبراني وتحديث مراكز البيانات وإنشاء بنية مالية أكثر مرونة وقدرة على مواجهة الأزمات.
ومن المرجح كذلك أن يصبح "الشمول المالي" أحد المحركات الرئيسة لإعادة بناء الاقتصاد، فإدماج النساء والشباب وأصحاب المشروعات الصغيرة والمزارعين في النظام المالي الرسمي، يمكن أن يعزز الادخار والاستثمار والإنتاج ويقلص حجم الاقتصاد غير المنظم الذي ظل يستنزف موارد الدولة عقوداً.
وعلى رغم تعقيدات المشهد الراهن، فإن التجارب الدولية تشير إلى أن فترات ما بعد النزاعات كثيراً ما تتحول إلى لحظات تأسيسية لإعادة بناء المؤسسات الاقتصادية، وإذا تمكن السودان من الجمع بين الإصلاح التنظيمي والتحول الرقمي واستعادة الثقة الدولية، فإن القطاع المصرفي قد يخرج من هذه الأزمة أكثر حداثة وكفاءة مما كان عليه قبل الحرب، من خلال بناء منظومة مالية جديدة قادرة على الاندماج في الاقتصاد العالمي وخدمة متطلبات التنمية وإعادة الإعمار في آن.