Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

إسرائيل كما يراها مسيحيو لبنان: روايات الذاكرة وأسئلة الحرب

لفهم طبيعة النظرة المسيحية اللبنانية إلى الدولة الإسرائيلية، لا بد من العودة إلى التاريخ بعيداً من الأحكام المسبقة والتوظيف السياسي

لا يُقرأ الموقف المسيحي اللبناني من إسرائيل بمعزل عن منظومة تاريخية متشعبة الجذور (اندنبدنت عربية)

ملخص

قبل قيام دولة إسرائيل، كانت تربط مسيحيي لبنان، ولا سيما أبناء الجنوب، علاقات اقتصادية واجتماعية راسخة مع فلسطين في عهديها العثماني والبريطاني. وكانت الزيارات إلى بلدة أورشليم (القدس حالياً) متكررة، بخاصة من رجال الدين، في ظل مناخ من الألفة الجغرافية والتواصل اليومي، بخاصة أنه في الديانة المسيحية فإن السيد المسيح هو ابن هذه الأرض وولد في بيت لحم، وفيها صلب، ومنها انطلقت الديانة المسيحية وأتباعها. وحين قامت دولة إسرائيل على أنقاض النكبة الفلسطينية عام 1948 لم يتحول المسيحيون اللبنانيون إلى خصوم لها، فقد آثروا المطالبة بحق الفلسطينيين في دولتهم انسجاماً مع قرار الأمم المتحدة رقم 181 القاضي بإنشاء دولتين، من دون أن يتضمن خطابهم هجوماً صريحاً على الكيان الإسرائيلي الناشئ في المنطقة. 

لا يوجد في لبنان سؤال أكثر تعقيداً وحساسية من ذلك المتعلق بطبيعة نظرة مسيحييه إلى إسرائيل والدولة اليهودية، الجارة جغرافياً، العدوة تاريخياً.

فهذا السؤال لا يختزل في إجابة واحدة، بل يتشعّب في تضاريس التاريخ والهوية والسياسة والخوف والأمل، ويعكس تناقضاً جوهرياً بين ذاكرة جماعية لا تزال حية، وواقع إقليمي يفرض إعادة النظر في ثوابت كثيراً ما بدت راسخة.

منذ أن أطلق "حزب الله" حرب الإسناد في أكتوبر (تشرين الأول) 2023، التي امتدت تداعياتها لتطاول جنوب لبنان بشكل مباشر والعاصمة بيروت، والبقاع شرقاً، وحتى ببعض الغارات شمال البلاد، بات المسيحيون اللبنانيون أمام مفترق طرق داخلي دقيق، بين التضامن الإنساني مع المدنيين الضحايا في كل مكان، ومصالحهم الاستراتيجية ونضالهم الدائم في سبيل لبنان، وتاريخ علاقاتهم المعقدة مع الدولة الواقعة على الحدود الجنوبية.

قراءة في التاريخ والعلاقة الملتبسة

لفهم طبيعة النظرة المسيحية اللبنانية إلى إسرائيل، لا بد من العودة إلى التاريخ بعيداً من الأحكام المسبقة والتوظيف السياسي.

فقبل قيام دولة إسرائيل، كانت تربط مسيحيي لبنان، ولا سيما أبناء الجنوب، علاقات اقتصادية واجتماعية راسخة مع فلسطين في عهديها العثماني والبريطاني. وكانت الزيارات إلى بلدة أورشليم (القدس حالياً) متكررة، بخاصة من رجال الدين، في ظل مناخ من الألفة الجغرافية والتواصل اليومي، بخاصة أنه في الديانة المسيحية فإن السيد المسيح هو ابن هذه الأرض وولد في بيت لحم، وفيها صلب، ومنها انطلقت الديانة المسيحية وأتباعها.

 وحين قامت دولة إسرائيل على أنقاض النكبة الفلسطينية عام 1948 لم يتحول المسيحيون اللبنانيون إلى خصوم لها، فقد آثروا المطالبة بحق الفلسطينيين في دولتهم انسجاماً مع قرار الأمم المتحدة رقم 181 القاضي بإنشاء دولتين، من دون أن يتضمن خطابهم هجوماً صريحاً على الكيان الإسرائيلي الناشئ في المنطقة. وكان زعماؤهم، بغالبيتهم، في الوقت ذاته راسخين في انتمائهم العربي، حتى إن الرئيس كميل شمعون لُقِّب في أعوامه الدبلوماسية في لندن بـ" فتى العروبة الأغرّ".

تحالف ضرورة الوجود لا خيار العقيدة

في سبعينيات القرن الماضي وثمانينياته، قلبت الحرب الأهلية (1975- 1990) المعادلات، مع تمدد الوجود الفلسطيني المسلح وما عرف بـ"الفدائيين الفلسطينيين" ونمو الميليشيات اليسارية، وجد المسيحيون أنفسهم أمام تهديد وجودي حقيقي، فلجأت الأحزاب اليمينية المسيحية، أي حزب "الكتائب" ثم "القوات اللبنانية"، وكذلك ما عرف بـ"النمور الأحرار"، إلى التعاون مع إسرائيل طلباً للسلاح والدعم، ولا يُخفي المسيحيون هذه الصفحة من تاريخهم، بل يصفونها صراحة بأنها كانت خياراً قسرياً لحماية الوجود لا انحيازاً أيديولوجياً، على رغم رفض هذا الخيار من قبل جزء من اللبنانيين.

 وقد بلغ هذا التقارب ذروته باتفاق الـ17 من مايو (أيار) 1983 التي أبرمتها حكومة الرئيس السابق أمين الجميل، وصوت عليها البرلمان اللبناني بالموافقة، قبل أن تُلغى تحت وطأة الضغوط الداخلية والسورية والإقليمية.

وبالتوازي مع ذلك، نشأت تجربة "جيش لبنان الجنوبي" بقيادة العميد أنطوان لحد، الذي تعاون مع إسرائيل أعواماً في مناطق، كان يؤكد وأعضاء هذا الجيش أن الدولة اللبنانية تخلت عنها، بالتزامن مع تنامي السلاح الفلسطيني وبرزو ما عرف بـ"فتح لاند"، في إشارة إلى سيطرة حركة "فتح" الفلسطينية بقيادة الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات على مساحات واسعة من جنوب لبنان.

وعلى رغم أن قيادة هذا الجيش وضباطه الكبار كانوا في معظمهم مسيحيين جنوبيين، فإن صفوفه ضمّت أيضاً عدداً كبيراً من أبناء شيعة جبل عامل، جنوب لبنان. وحين انسحبت إسرائيل عام 2000 تحول عناصر هذا الجيش وذووهم إلى لاجئين، بعضهم داخل إسرائيل وبعضهم في المهجر، في مأساة إنسانية لا تزال تُثقل كاهل أسر مسيحية كثيرة حتى اليوم.

بين اللاهوت والسياسة وحسابات السيادة

لا يُقرأ الموقف المسيحي اللبناني من إسرائيل بمعزل عن منظومة تاريخية متشعبة الجذور، تتداخل فيها الهوية الدينية والوعي الوطني والحسابات الاستراتيجية، فثمة تمييز راسخ في الوجدان المسيحي اللبناني بين "اليهودي" بما يحمله من دلالات دينية وثقافية، و"الإسرائيلي" بما يعنيه من انتماء سياسي وعسكري وموقف من الاحتلال. وهذا التمييز ليس مجرد مناورة خطابية، بل هو نتاج لاهوتي عميق تجلّى في مجمع الفاتيكان الثاني عام 1965، حين قطعت الكنيسة الكاثوليكية رسمياً مع أي خطاب عدائي تجاه اليهودية كدين، وأكدت أن المسيحية تجد جذورها في التقليد الإبراهيمي المشترك.

ويظهر هذا التوجه جلياً في المؤسسات التعليمية الكاثوليكية اللبنانية، حيث يُدرَّس العهد القديم إرثاً مشتركاً لا نصاً غريباً، فيما تحافظ الكنيسة المارونية على صلات لاهوتية منتظمة مع مؤسسات يهودية دولية، وتشكّل زيارات بطاركتها ولقاءاتهم مع الطوائف اليهودية في أوروبا وأميركا جزءاً من المشهد الدبلوماسي الكنسي المألوف.

أما سياسياً فقد ظل الشارع المسيحي تاريخياً أكثر ميلاً نحو السلام مع إسرائيل، مؤمناً بأن التفاوض المباشر ضرورة براغماتية لإنهاء حالة اللاستقرار وانتزاع الحقوق السيادية المعلّقة. غير أن هذه المعادلة اهتزت حين أبرم "التيار الوطني الحر"، بقيادة الرئيس السابق ميشال عون، ورقة تفاهمه مع "حزب الله" في اتفاق عرف باسم اتفاق "مار مخايل"، فانتقل بشريحة مسيحية من ضفة إلى أخرى، وبات خطابه يقترب لغةً ومفاهيماً من خطاب اليسار و"حزب الله".

وبالعودة إلى الحرب الأخيرة يتجلى أنها فرضت على الوعي المسيحي تحديات أخلاقية مضاعفة، فالأغلبية المسيحية لا تتخلى عن إدانة الاعتداءات الإسرائيلية ورفض التهجير القسري والعمليات العسكرية التي طاولت المدنيين، لكنها ترفض في الآن نفسه أن يُستخدم لبنان ورقةً في صراع أكبر منه، أو ساحةً تحسم فيها إيران شروط تفاوضها على حساب الدم اللبناني.

ومن هذه المعادلة المركّبة نبع الموقف الذي أطلقه رئيس الجمهورية جوزاف عون، ولقي دعماً مسيحياً واسعاً، وفيه حصر السلاح في يد الدولة، والمطالبة بانسحاب إسرائيل من الأراضي المحتلة، والانخراط في مفاوضات مباشرة وفق القرار 1701. موقف يختصر الحال المسيحية اللبنانية بامتياز،  رفض الاحتلال لكن من دون تبنّي خطاب محور الممانعة، والسعي إلى السلام من دون التفريط بالسيادة.​​

الاعتداءات على الرموز المسيحية في جنوب لبنان

في المقابل، شكلت الاعتداءات الإسرائيلية على المواقع والرموز الدينية المسيحية في جنوب لبنان منعطفاً بالغ الحساسية في تشكيل الموقف المسيحي اللبناني الراهن خصوصاً أن هذه الاعتداءات تتجاوز في دلالتها النفسية والرمزية مجرد الأضرار المادية لتطعن في صميم الهوية الدينية والحضارية لمجتمعات عاشت في تلك الأرض منذ فجر المسيحية.

ولعل أبرز هذه الحوادث وأوسعها صدى ما جرى في قرية دبل الجنوبية في أبريل (نيسان) الماضي، حين أقدم جنود إسرائيليون على تحطيم تمثال المسيح، بل صوروا أنفسهم خلال ذلك في مشهد احتفالي استفزازي، وقد أحدثت هذه الواقعة موجة غضب واسعة لم تُخمدها الاعترافات الرسمية، ولا إبعاد الجنديين عن الخدمة القتالية، ولا الحكم بسجنهما 30 يوماً، إذ بدت هذه الإجراءات في نظر كثيرين أقل بكثير من أن تعالج حجم الإساءة الرمزية، وعلى النمط ذاته جاء الاعتداء على كنيسة القديس جاورجيوس الملكية الكاثوليكية في دردغيا في قضاء صور، حين أغارت قوات الجيش الإسرائيلي عليها مباشر  في أكتوبر 2024، مما أسفر عن مقتل ثمانية أشخاص كانوا لجأوا إليها، فتحولت الكنيسة من ملاذ آمن إلى موقع مجزرة، مضاعفة الصدمة الإنسانية بصدمة رمزية لا تُنسى.

ثم جاءت حادثة قصف دير راهبات المخلص في بلدة يارون الجنوبية في مايو الماضي لتُضيف إلى هذه السلسلة حلقة وصفها الفاتيكان بلغة تُنبئ عن قلق مؤسسي عميق، إذ اعتبر وكأنما الهدف ليس فقط إخلاء المكان بل محو ذاكرته، وفي إشارة الفاتيكان إلى هذا النمط بوصفه منهجية ممنهجة، ارتقت القضية من شأن محلي إلى ملف يلامس الضمير الكنسي العالمي. ولم تسلم حتى المقامات ذات البُعد المشترك بين الطائفتين، كمقام شمعون الصفا في بلدة شمع، المنسوب إلى الرسول بطرس، الذي يحتفظ به الوجدان الإسلامي الشعبي أيضاً احتراماً راسخاً، فكان استهدافه إساءة طاولت نسيج التعايش الذي نسجته قرون من الجوار.

وما يمنح هذه الحوادث مجتمعةً طابعها الخاص ويُخرجها من خانة أضرار الحرب العرضية، هو ما وثّقته منظمة العفو الدولية من مشاهد تُظهر جنوداً يضعون متفجرات يدوياً داخل مواقع دينية فيما يُصوّر رفاقهم العملية كأنها احتفال.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ثنائية العداء أو القبول

يقرأ المدير التنفيذي لملتقى التأثير المدني الدكتور زياد الصائغ في هذا الملف، ويقول إنه "من منظور السياسات العامة والجيوبوليتيك، لا يمكن اختزال الموقف المسيحي اللبناني تجاه إسرائيل في ثنائية العداء أو القبول، بل يجب فهمه ضمن رؤيةٍ أشمل ترتبط بمفهوم الدولة والسيادة والعدالة والاستقرار الإقليمي والدولي. فالمسيحيون اللبنانيون، على اختلاف توجهاتهم السياسية، يتشاركون إلى حد بعيد تطلعاً تاريخياً إلى السلام، لكن ليس أي سلام. إنهم يتطلعون إلى سلام عادل ومستدام يقوم على احترام سيادة الدول وحقوق الشعوب والقانون الدولي، لا على موازين القوة أو منطق الغلبة".

ويعتبر أنه بعد حرب غزة وما رافقها من تداعيات على لبنان، برزت قناعة متزايدة لدى شرائح واسعة بأن استمرار لبنان كساحة مفتوحة للصراعات الإقليمية يشكل تهديداً وجودياً لمستقبله، "لذلك، لم تعد الأولوية مرتبطة بتحديد الموقف من إسرائيل بحد ذاته، بل بكيفية حماية لبنان من الانخراط القسري في نزاعات الآخرين. في هذا السياق، تتشكل تدريجاً مقاربة جديدة داخل البيئة المسيحية ترتكز على ثلاثة مبادئ، أولاً دولة سيدة تحتكر قرار الحرب والسلم، ثانياً حياد إيجابي يخرج لبنان من سياسة المحاور، وثالثاً سلام عادل مع جميع دول المنطقة عندما تتوافر شروط العدالة والاستقرار والاعتراف المتبادل بالسيادة".

ويضيف "من هنا، فإن التطلع إلى السلام مع إسرائيل لا يختلف جوهرياً عن التطلع إلى السلام مع سوريا أو فلسطين أو سائر دول الشرق الأوسط. إنه جزء من رؤية حضارية تعتبر أن استقرار المنطقة وتعاون شعوبها يشكلان المدخل الحقيقي لازدهار لبنان ودوره التاريخي كمساحة لقاء وحوار وتعددية".

ورداً على سؤال "هل تعتقد أن الحديث المتكرر عن علاقة بعض القوى المسيحية بإسرائيل خلال الحرب الأهلية يُستخدم اليوم كأداة سياسية في الصراع الداخلي أكثر مما يُستخدم لفهم التاريخ نفسه؟"، يجيب "في معظم الأحيان، نعم. فالنقاش حول تلك المرحلة يجري اليوم في إطار الصراع السياسي الراهن أكثر مما يجري في إطار القراءة العلمية للتاريخ. فيما المقاربة الجادة للحرب الأهلية تقتضي الاعتراف بأن مختلف الأطراف لجأت خلال مراحل مختلفة إلى الاستقواء بقوى خارجية متباينة، نتيجة انهيار الدولة وتفكك المؤسسات الوطنية. لذلك، فإن التركيز الانتقائي على علاقة فريق معين بإسرائيل، مع تجاهل علاقات أطراف أخرى بقوى إقليمية ودولية مختلفة، لا يندرج ضمن منهجية البحث التاريخي بقدر ما يندرج ضمن أدوات التعبئة السياسية".

في السياق يقول الصائغ إن "الأهم من ذلك أن المسيحيين اللبنانيين اليوم لا ينطلقون من مفهوم "حلف الأقليات"، بل من مفهوم الشراكة الوطنية الكاملة ضمن دولة المواطنة. وهذه نقطة جوهرية في فهم التحولات الفكرية والسياسية التي شهدتها البيئة المسيحية خلال العقود الأخيرة. فالتجارب التاريخية أثبتت أن أمن أي جماعة لبنانية لا يتحقق عبر الارتهان لقوة خارجية أو عبر بناء تحالفات أقلياتية عابرة للحدود، بل من خلال دولة عادلة وقادرة تحمي جميع مواطنيها بالتساوي. وعليه، فإن استعادة صفحات الماضي يجب أن تهدف إلى منع تكرار أخطائه، لا إلى توظيفه في نزاعات الحاضر".

الانقسام حول موقع لبنان الجيوسياسي

عن الانقسام اللبناني حول إسرائيل اليوم، وما إذا كان انقساماً سياسياً أو طائفياً، يعتبر الصائغ أن "الانقسام اللبناني الراهن لا يتعلق بإسرائيل بحد ذاتها بقدر ما يتعلق بتحديد موقع لبنان الجيوسياسي وطبيعة الدولة التي يريدها اللبنانيون. فهناك رؤية تعتبر أن لبنان يجب أن يكون دولة طبيعية مكتملة السيادة تحتكر مؤسساتها الشرعية قرار الحرب والسلم والعلاقات الخارجية، وأن أمنه القومي يتحقق عبر الدبلوماسية الفاعلة والشرعية الدولية والحياد الإيجابي والشراكات المتوازنة. وفي المقابل، هناك رؤية تربط الأمن اللبناني بموازين القوى الإقليمية وباستمرار أدوارٍ تتجاوز إطار الدولة ومؤسساتها"، ويعتبر أنه من هنا، يصبح الموقف من إسرائيل انعكاساً لهذا الخلاف الأعمق حول مفهوم الدولة والسيادة والأمن القومي، وليس تعبيراً مباشراً عن انقسام طائفي تقليدي.

وختم "أما بالنسبة إلى المسيحيين اللبنانيين، فإن الغالبية الساحقة منهم لا تنظر إلى السلام كخيار موجه نحو إسرائيل وحدها، بل كخيار استراتيجي شامل تجاه المنطقة بأسرها. فهم بحكم تراثهم الثقافي والإنساني وانفتاحهم التاريخي على الشرق والغرب، يرون أن رسالتهم ليست إنتاج محاور جديدة أو اصطفافات هوياتية، بل المساهمة في بناء فضاء شرق أوسطي أكثر استقراراً يقوم على المصالحة والعدالة والأخوة بين الشعوب. لذلك، فإن السلام في الرؤية المسيحية اللبنانية ليس مشروعَ تطبيعٍ سياسي بقدر ما هو مشروعُ استقرارٍ إقليمي قائمٍ على العدالة والسيادة والكرامة الإنسانية، وهي مبادئ لا تتجزأ بين شعب وآخر أو بين دولة وأخرى".

انقسام سياسي أكثر منه انقسام طائفي

يقدم الكاتب السياسي قاسم قصير بدوره مقاربته لهذا الملف ويعتبر أن الانقسام اللبناني اليوم حول الموقف من إسرائيل هو انقسام سياسي أكثر منه طائفياً. فهناك أطراف داخل مختلف البيئات اللبنانية تدعو إلى الصلح أو التفاوض مع إسرائيل، سواء في الأوساط المسيحية أو السنية أو الدرزية أو الشيعية أو غيرها، وفي المقابل، هناك أطراف ترفض ذلك، وهذا الموقف لا يقتصر على طائفة أو مذهب بعينه، إذ توجد شخصيات سنية ومسيحية ودرزية، إضافة إلى شخصيات شيعية، ترفض أي شكل من أشكال التطبيع أو التفاوض مع إسرائيل.

وعن نظرة المسيحيين في لبنان إلى السلام تاريخياً مع إسرائيل، يقول "بعد التجارب التي خاضها المسيحيون في لبنان، ولا سيما تحالف بعض القوى المسيحية مع إسرائيل خلال الحرب الأهلية، وهي التجارب التي سبقت الاجتياحين الإسرائيليين عامي 1978 و1982 واستمرت تداعياتها لسنوات طويلة، برزت مراجعات واسعة داخل البيئة المسيحية. وقد تعززت هذه المراجعات بعدما تخلت إسرائيل عن حلفائها المحليين وتركت أعداداً كبيرة منهم من دون دعم أو حماية، ما أدى إلى نتائج مأساوية وإلى وقوع أعمال عنف ومجازر خلال مراحل مختلفة من الحرب".

ويعتبر أن هذه التجربة أفضت إلى ظهور دعوات متزايدة لإعادة تقييم العلاقة مع إسرائيل، فصدرت كتب ودراسات عديدة لشخصيات مسيحية وكتائبية تناولت هذه المرحلة بالنقد والمراجعة، وتناولت أيضاً تجربة المسيحيين في لبنان وانتقدت خيارات الحرب الأهلية وتحالفاتها، ويضيف "مع مرور الوقت، بدأت تتبلور داخل البيئة المسيحية مواقف تدعو إلى رفض أي تحالف مع إسرائيل، ولا سيما بعد إقرار اتفاق الطائف، الذي كرس اعتبار إسرائيل عدواً للبنان ككل، لا لطائفة أو فئة بعينها".

وتابع "على رغم هذا التوجه، لا تزال تظهر بين الحين والآخر أصوات مسيحية تدعو إلى السلام أو الصلح أو التطبيع مع إسرائيل. في المقابل، تؤكد شريحة واسعة من المسيحيين رفضها لهذه الطروحات، وتتمسك باعتبار إسرائيل عدواً لجميع اللبنانيين".

وخلص إلى أنه "بعد انتهاء الحرب الأهلية ودخول لبنان مرحلة جديدة، لم تحصل مراجعات شاملة أو مصارحة حقيقية بين اللبنانيين حول تجارب الحرب والتحالفات الخارجية التي شهدتها تلك المرحلة. فقد صدر عفو عام عن الجرائم، وانتقلت أطراف النزاع إلى مؤسسات الدولة اللبنانية من دون معالجة عميقة لإرث الحرب. وصحيح أن بعض الشخصيات اللبنانية، المسيحية والإسلامية، أصدرت كتباً ودراسات تدعو إلى مراجعة مرحلة الحرب، بما في ذلك مراجعة العلاقة مع إسرائيل، إلا أن هذه المراجعات بقيت جزئية ولم تتحول إلى مراجعة وطنية شاملة".

اقرأ المزيد

المزيد من تحقيقات ومطولات