Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

لماذا تستحق أفضل أخبارك الجميلة لحظة صمت؟

دراسة جديدة تكشف عن أن تأجيل مشاركة السارة منها يمنح طاقة وحيوية أكبر خصوصاً حين تنوي البوح بها لاحقاً

وكأن الإنسان يحاول أن يحتفظ بزاوية صغيرة من حياته له وحده (أن سبلاش)

ملخص

في فضيلة الاحتفاظ بالخبر السعيد لنفسك... دع الأخبار الجيدة تنضج قليلاً.

تجلس مع أحدهم، قلبك متلهف تقاوم ابتسامة لا إرادية تحاول جاهدة الارتسام على شفتيك، يبدأ عقلك بالإلحاح عليك لتتكلم. لا شيء يمنعك، فالخبر سعيد، والرغبة في المشاركة طبيعية. لكنك تظل تقاوم، وتمضي يومك حاملاً سراً صغيراً تستمتع به وحدك. هذا التردد الذي قد يبدو غريباً في عالم يعيش على الأخبار العاجلة، هو موضوع بحث متنامٍ في علم النفس، يقترح أن ما نظنه كبتاً قد يكون في الواقع نوعاً خفياً من المتعة.

عقود من الأبحاث

في ثقافة تدفعنا إلى مشاركة كل تفصيل جميل في حياتنا فور حدوثه من الارتباط إلى الترقية والسفر، قد يبدو كتمان الأخبار المفرحة تصرفاً غريباً، بل محبطاً في بعض الأحيان.

عقود من الأبحاث النفسية التي ربطت كتمان المعلومات بالإرهاق الذهني والمزاج السلبي والتعب والقلق واستنزاف الطاقة، تتفق مع الحكمة الشعبية الراسخة إن الأسرار تثقل كاهل صاحبها، لكن يبدو أن هذه الدراسات لم تميز بين فعل الكتمان في حد ذاته، ومحتوى السر الذي يجري كتمانه، بعبارة أخرى، حين طلب الباحثون من المشاركين التفكير في سر يخفونه، كانوا يفكرون تلقائياً في الأسرار السلبية لأنها الأكثر شيوعاً والأسرع استحضاراً في الذاكرة، ونتيجة لذلك، عُمم تأثير الأسرار السلبي على كل أنواع الأسرار.

والسؤال الذي ظل بلا إجابة واضحة، ماذا لو كانت الأسرار الإيجابية تعمل بمنطق مختلف تماماً؟

مزيد من الإيجابية

في عدد نوفمبر (تشرين الثاني) 2023 من مجلة "جورنال أوف بيرسوناليتي أند سوشيال سايكولوجي" (Journal of Personality and Social Psychology)، قدم باحثون نتائج خمس تجارب شملت 2500 مشارك، تثبت أن تأجيل الإعلان عن الخبر السعيد يولد شحنة من النشاط الداخلي، تتضاعف إذا كان الشخص يخطط لمشاركتها في وقت لاحق.

وأجرى الباحثون خمس تجارب مختلفة، ففي التجربة الرئيسة، حدد المشاركون أنواع الأخبار السارة التي يمرون بها حالياً من قائمة مثل توفير المال أو شراء هدية لأنفسهم، ثم طلب منهم تقييم مدى شعورهم بالحيوية أو الحماسة تجاه تلك الأخبار السارة، إضافة إلى ما إذا كانوا ينوون مشاركتها مع شخص آخر. وكان لدى كل مشارك ما معدله 14 إلى 15 خبراً ساراً، وإن كانت في الغالب صغيرة نسبياً، ومن بين هذه الأخبار، كانوا يحتفظون بنحو ثلثها (4-5 أسرار)، وأفاد المشاركون بأن إبقاء أخبارهم السارة سرية زاد من طاقتهم، فضلاً عن أن نية الإفصاح عنها لاحقاً جعلتهم يشعرون بمزيد من الإيجابية تجاه سرهم.

 

متعة مضاعفة

يعتقد الباحثون بأن تدبير مفاجأة مصاحبة للأخبار السارة يساعد في إطالة فرحة الكشف عنها، محولاً مدة لحظة عابرة إلى أيام أو أسابيع، إذ كان التفكير في الخبر السار السري أكثر تحفيزاً للطاقة من التفكير في الخبر الذي أُعلن. بعبارة أخرى، الخبر هو نفسه، لكنه حين يبقى طي الكتمان، يولد شحنة داخلية إضافية، ليس لأنه مخفي عن الآخرين، بل لأن صاحبه يحمله كملكية خاصة، كشيء يخصه وحده، قبل أن يقرر هو متى ومع من يتقاسمه.

والتفسير الذي تقدمه الدراسة هو أن عنصر المفاجأة والترقب يقومان بدور محوري، فحين تخطط لمفاجأة شخص تحبه، فإنك لا تشعر فقط بفرحة الخبر نفسه، بل بفرحة مضاعفة هي فرحة رد فعل الآخرين حين يكشف عن السر. إن تأجيل الإفصاح يحول عملية المشاركة إلى حدث منتظر، وكتمان السر يحول السعادة الشخصية إلى تجربة حميمة تختبر بعمق قبل أن تتحول إلى ضجة اجتماعية، وهذا الترقب اللذيذ والإحساس بأن لحظة الإعلان ستكون مثالية، يضاعف المتعة عندما تأتي.

هدية للذات

ومن المفاجئ أن أكثر ما يحتفظ الناس به ليس قراراً مصيرياً أو خبراً عظيماً، بل ما يسميه الباحثون "هدية الذات"، إذ وجدوا أن الشخص العادي يحتفظ في المتوسط بخمسة إلى ستة أخبار جيدة لا يعلنها لأحد، من قائمة تضم 38 خبراً جيداً شائعاً، وأكثرها شيوعاً هو ما يطلقون عليه "هدية الذات" (self-gift)، أي حين يمنح الشخص نفسه هدية خاصة، كشراء شيء يحبه أو القيام بأمر صغير يسعده، من دون أن يُعلِم أحداً. وكأن الإنسان يحاول، في عالم يطالبه دائماً بأن يكون شفافاً وصادقاً، أن يحتفظ بزاوية صغيرة من حياته له وحده.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

حدود العبء

لكن هل يمكن أن يتحول السر الإيجابي إلى عبء؟ الأكيد أن لكل قاعدة استثناء، والدراسة لا تدعي أن الأسرار الإيجابية كافة مفيدة في الظروف كلها، إذ توجد حالات قد يصبح فيها السر الإيجابي مرهقاً، أولها حين يكون الدافع خارجياً، أي أن تكتم خبراً إيجابياً لأنك مجبر على ذلك، فالشعور بفقدان السيطرة قد يحول الخبر الجيد إلى مصدر إحباط. والحالة الثانية حين يتحول السر إلى أداة لحماية مشاعر الآخرين بطريقة غير صادقة، فكتمان الأخبار الجيدة ظناً أن الآخرين سيحسدونك قد يكون ضاراً للعلاقات. والحالة الثالثة تبين أن الاحتفاظ بأسرار الآخرين، حتى لو كانت إيجابية، يمكن أن يكون مرهقاً لأنه يضع الفرد في موقع المسؤولية تجاه شخص آخر. فالسر الإيجابي، بحسب الدراسة، يكون عادة اختياراً حراً يتماشى مع قيم الشخص الخاصة، وليس نتيجة ضغط خارجي يفرضه عليه أحد، وهذا الفرق الجوهري هو ما يحوّل الكتمان من عبء إلى متعة، فالسر السلبي يُفرض، أما السر الإيجابي فيظل محض اختيار.

زمن الانتظار

ربما كنا سابقاً، في عصر ما قبل التواصل الافتراضي، أكثر كتماناً، فقبل أن يصبح الإعلان عن الأخبار حدثاً رقمياً يقاس بعدد الإعجابات وحرارة التبريكات، كانت المجتمعات تحيط أهم لحظاتها بطبقات من الكتمان المتعمد، خطوبة تُخفى حتى يحين موعد إعلانها رسمياً، وحمل لا يذكر إلا بعد الشهر الثالث، وولادة طفل في عائلة ملكية لا تعلن إلا بعد أن تنظم البروتوكولات والاحتفالات. وقتها لم يكُن ذلك التأخير عبئاً، بل جزءاً من الطقس نفسه، خطوة تمنح اللحظة وزنها قبل أن تشارك مع العالم. واليوم، بعد أن تبخر هذا التأخير في زمن النشر اللحظي، تعود الأبحاث النفسية لتسأل، ماذا خسرنا حين تخلينا عن فن الانتظار؟

في ثقافة تدفعنا إلى الإفصاح الفوري عن كل شيء، من الأخبار الشخصية إلى نتائج المقابلات والامتحانات إلى المشتريات اليومية، تذكرنا هذه الدراسة بقيمة قديمة ومهمشة وهي متعة الاحتفاظ بشيء جميل لأنفسنا. فالأسرار الإيجابية يمكن أن تكون موارد طاقية تحمل ترقباً لذيذاً واستعداداً للقاء الآخرين في اللحظة الأجمل، فهل نملك الشجاعة لاستعادة مساحاتنا الخاصة من صخب العالم الرقمي؟

اقرأ المزيد

المزيد من منوعات