ملخص
وفقاً لبيان وزارة الصحة الفلسطينية مطلع يونيو (حزيران) الجاري، فإن الأزمة الدوائية والصحية التي تعانيها الوزارة هي الأكبر في تاريخها على الإطلاق، فمن بين 520 صنفاً دوائياً أساسياً توفرها وزارة الصحة الفلسطينية سجل 180 صنفاً من الأدوية المخصصة للعلاجات المنقذة للحياة مثل أدوية السرطان وأمراض الكلى رصيداً صفرياً، وأصبح 50 صنفاً من أصل 97 دواء مخصصاً لعلاج مرضى السرطان غير متوافر، ونفد أكثر من ثلث الأصناف المدرجة على قائمة الأدوية الأساسية بالكامل، فيما تراجع مخزون مئات الأصناف الأخرى.
منذ نحو عام، تواظب سمر ياسين (60 سنة) على الذهاب إلى العيادات الحكومية التابعة لوزارة الصحة الفلسطينية، على أمل أن تحصل على أدوية مجانية لعلاج أمراض الضغط والسكري وغيرها من الأمراض المزمنة التي تعانيها منذ أعوام، الا أنها في كل مرة وبعد ساعات من الوقوف في طابور طويل وسط الحر أمام الصيدلية الحكومية، تحصل على بضع حبات من المسكن لا غير، مما يضطرها إلى الاستدانة من بعض الأقارب لتتمكن من شراء الأدوية الضرورية.
حال ياسين الحرجة هي نفسها حال أكثر من مليون ونصف المليون فلسطيني يستفيدون من التأمين الصحي الحكومي، فمع ارتفاع معدلات الفقر والبطالة وانعدام الأمن الغذائي وتدهور الأوضاع الاقتصادية للمواطنين، خصوصاً بعد حرمان آلاف العمال الفلسطينيين من التوجه الى أعمالهم داخل إسرائيل، عقب أحداث السابع من أكتوبر (تشرين أول) عام 2023، تراجع الأداء الاقتصادي بنسبة تصل إلى 30 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، وزاد الضغط على العيادات الحكومية شبه المجانية التي بالكاد توفر الطلبات الطارئة، في ظل انخفاض غير مسبوق في المخزون الاستراتيجي من الأدوية والمواد المخبرية.
ووفقاً لبيان وزارة الصحة الفلسطينية مطلع يونيو (حزيران) الجاري، فإن الأزمة الدوائية والصحية التي تعانيها الوزارة هي الأكبر في تاريخها على الإطلاق، فمن بين 520 صنفاً دوائياً أساسياً توفرها وزارة الصحة الفلسطينية سجل 180 صنفاً من الأدوية المخصصة للعلاجات المنقذة للحياة مثل أدوية السرطان وأمراض الكلى رصيداً صفرياً، وأصبح 50 صنفاً من أصل 97 دواء مخصصاً لعلاج مرضى السرطان غير متوافر، ونفد أكثر من ثلث الأصناف المدرجة على قائمة الأدوية الأساسية بالكامل، فيما تراجع مخزون مئات الأصناف الأخرى.
وتشير بيانات مستودعات المواد المخبرية إلى نفاد 79 صنفاً من المواد المخبرية بصورة كاملة، فضلاً عن 265 صنفاً من المستهلكات الطبية التخصصية التي سجلت رصيداً صفرياً.
ومنذ تأسيسها عام 1994، تعاني السلطة الفلسطينية أزمات متكررة في احتجاز أموال المقاصة (الضرائب)، لكنها دخلت في مرحلة اقتطاعات مستمرة وشبه دائمة منذ عام 2019، وتفاقم الأمر مع الحرب على غزة في أكتوبر 2023، إذ لم تحول إسرائيل إلى السلطة الفلسطينية منذ ذلك التاريخ سوى 30 في المئة من إيرادات المقاصة التي يُقدر متوسطها شهرياً بأكثر من 255 مليون دولار وتشكل نحو 68 في المئة من إجمال الموارد المالية الفلسطينية.
ووفقاً لأرقام رسمية فلسطينية، فإن حجم الأموال الفلسطينية المحتجزة تجاوز 5 مليارات دولار، وهي بحسب مركز الاتصال الحكومي الفلسطيني، تمثل أحد أخطر التحديات المالية التي تواجه الحكومة الفلسطينية التي تنفق سنوياً ما يقارب 700 مليون شيكل (233 مليون دولار) على الأدوية والمستهلكات الطبية، إضافة إلى نحو مليار شيكل (333 مليون دولار) للتحويلات الطبية إلى المستشفيات الأهلية والقطاع الخاص داخل الضفة والقدس.
في حين تقدر رواتب الموظفين في القطاع، إضافة إلى مصاريف تشغيلية بنحو 970 مليون شيكل (323 مليون دولار)، مما يجعل مجموع الإنفاق الصحي السنوي قريباً من حجم الإيرادات المحلية للسلطة الفلسطينية البالغ نحو 5.1 مليار شيكل (1.6 مليار دولار).
أزمة حادة
وبفعل الأزمة المالية والحصار المالي الذي تعانيه السلطة الفلسطينية جراء احتجاز أموال المقاصة من قبل إسرائيل، من المرجح أن تتفاقم الأزمة الصحية في الضفة الغربية، لتهدد حياة أكثر من 4 آلاف مريض سرطان وآلاف مرضى غسيل الكلى، كيف لا وفلاتر غسيل الكلى التي تشكل ضرورة أساسية لاستمرار العلاج غير متوافرة، وكذلك مستلزمات القسطرة القلبية والخيوط الجراحية في المستشفيات، مما أدى إلى تأجيل أكثر من 11 ألف عملية جراحية، مقارنة بنحو 65 ألف جراحة أجريت العام الماضي، ولم يتجاوز عدد العمليات المنفذة منذ بداية العام الحالي حتى الأول من يونيو الجاري 20 ألف عملية.
ووفقاً لمديرة التعاون الدولي في وزارة الصحة الفلسطينية ماريا الأقرع، فإن القطاع الصحي "معرض للانهيار إذ استمر النقص في الأدوية والمعدات الطبية".
من جانبه أكد رئيس اتحاد المستشفيات الفلسطينية الأهلية والخاصة يوسف التكروري أن "المستشفيات استنفدت جميع الخيارات المتاحة لمواجهة الأزمة، وباتت تعمل بأقل الإمكانات المتوافرة"، مشيراً إلى أن تفاقم الأزمة وغياب الحلول دفع المستشفيات لوقف أو تقليص استقبال المرضى المحولين من وزارة الصحة نتيجة لغياب الإمكانات اللازمة".
تراكم الديون
ولم تقتصر آثار الأزمة الصحية والدوائية المتفاقمة والمعقدة على المستشفيات الحكومية، بل طاولت كل مكونات القطاع الصحي في الضفة الغربية، بما يشمل المستشفيات الأهلية والخاصة، وموردي الدواء والمستهلكات الطبية، وبلغت المديونية المستحقة للقطاع الطبي الخاص والأهلي الذي يضم نحو 48 في المئة من أسرّة المستشفيات في الضفة الغربية 2.7 مليار شيكل (900 مليون دولار)، فيما وصلت مديونية اتحاد موردي الأدوية والمستلزمات الطبية إلى مليار و350 مليون شيكل (450 مليون دولار).
ونتيجة لتراكم الديون وعدم انتظام السداد من قبل الحكومة الفلسطينية، لم تُعد المستشفيات الأهلية والخاصة البالغ عددها 18 مستشفى، قادرة على استقبال المرضى المحولين من القطاع الحكومي، ولم تعد شركات توريد الأدوية الفلسطينية في الضفة الغربية البالغ عددها خمس شركات، قادرة على توريد الأدوية وبدأ مخزونها الاستراتيجي للأدوية بالنفاد، وأصبح بعضها معرضاً للإفلاس، فيما تتخوف أخرى من فقدان وكالتها لدى الشركات العالمية وإحلال الشركات الإسرائيلية مكانها.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وتشير تقديرات السوق إلى أن الدواء الإسرائيلي يمثل نسبة تراوح ما بين 35 و45 في المئة من إجمال حجم سوق الأدوية المتداول في الضفة الغربية في حين تسهم أصناف الأدوية المصنعة محلياً التي تبلغ 1300 صنف، بما نسبته 55 في المئة من الحاجات المحلية من الأدوية، كما أن حجم الإنتاج السنوي للصناعات الدوائية في فلسطين يقدر بنحو 50 مليون دولار.
ويؤكد المدير التنفيذي لاتحاد موردي الأدوية الفلسطيني مهند حبش أن "تراكم المديونية على الحكومة الفلسطينية وعجزها عن السداد أفقدا موردي الأدوية القدرة على مواصلة الاستيراد والتصنيع والتوريد، مما يهدد بحسب تعبيره "الأمن الدوائي الفلسطيني ويعرض حياة آلاف المرضى للخطر".
إضرابات مستمرة
وفي ظل محدودية الموارد والإمكانات واعتماد السلطة الفلسطينية الكبير على أموال المقاصة، تصرف الحكومة الفلسطينية رواتب منقوصة لموظفيها العموميين منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2021 فتراوح عادة ما بين 50 و80 في المئة في أفضل الأحوال من إجمال الراتب، مع تسجيل الفارق كذمة مالية للموظفين.
ومنذ بداية مايو (أيار) الماضي، ينفذ الأطباء والممرضون العاملون في القطاع العام الفلسطيني في الضفة الغربية إضراباً بسبب عدم حصولهم على رواتبهم كاملة، إذ اقتصرت الخدمات المقدمة حالياً في 447 عيادة تابعة لوزارة الصحة من أصل 590 عيادة تعمل في الضفة الغربية فضلاً عن المستشفيات الحكومية على الحالات المنقذة للحياة، مما أدى إلى تضرر خدمات متابعة الحوامل والنساء بعد الولادة والرضع والأطفال ذوي الإعاقة وطلاب المدارس.
ويوضح نائب نقيب الصيادلة والقائم بأعمال نقيب الصيادلة في فلسطين أحمد عليان أن المرضى الذين يعتمدون على الأدوية البيولوجية المستخدمة في علاج أمراض السرطان والأمراض المناعية والجلدية المزمنة هم الأكثر تضرراً من الأزمة الحالية، مشيراً إلى أن الأسعار الباهظة لهذه الأدوية تحول دون قدرة معظم المرضى على شرائها.
ويجمع محللون اقتصاديون على أن أي تحرك دولي عاجل يشمل المؤسسات الصحية الدولية من شأنه توفير دعم مالي طارئ يضمن سداد مستحقات شركات الأدوية ومزودي الخدمات الصحية، سيسهم في حماية القطاع الصحي من الانهيار وضمان استمرار تقديم الخدمات العلاجية، بخاصة إلى الفئات الفقيرة والمهمشة التي تعتمد بصورة أساسية على خدمات القطاع الصحي الحكومي.