Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

انقسام تربوي على وقع الغارات... من يقرر مصير 48 ألف طالب في لبنان؟

تتمسك الوزارة بإجراء ما يعرف بالامتحانات الرسمية فيما تطالب لجنة التربية باعتماد الإفادات أسوة بالتجارب السابقة

دعمت "جمعية المقاصد الإسلامية" و"الأمانة العامة للمدارس الكاثوليكية" قرار وزيرة التربية ريما كرامي بإجراء الامتحانات الرسمية لشهادة الثانوية العامة (ا ف ب)

ملخص

ينذر السجال بين وزارة التربية في لبنان ولجنة التربية النيابية حول مصير شهادة الثانوية العامة بتأثيرات غير محمودة في الطلاب وأهاليهم، إذ ينتظر قرابة 48 ألف طالب القرار حول إجراء الشهادة الثانوية في ظل أوضاع أمنية غير مستقرة ومرشحة للتأزيم. وفي وقت تتمسك وزارة التربية بطرح الدورات الثلاث لتأكيد "إنصاف المتعلمين"، تطالب اللجنة النيابية بـ"إجراءات استثنائية" تلائم ظروف البلاد.

يؤكد المشهد التربوي في لبنان أن البلاد ليست بخير، حيث انزلق النقاش حول مصير الشهادة الرسمية، التي يخوض غمارها الطلاب في المدارس، سريعاً إلى خانة التفسيرات السياسية لمواقف أطراف العائلة التربوية والنوايا المبيتة لهذا الطرف أو ذاك، وتكريس الفروقات الطبقية بين المدارس الرسمية والخاصة.

وتظهر وزيرة التربية ريما كرامي إصراراً على إجراء "شهادة البكالوريا - القسم الثاني" في مواعيدها المقررة بدءاً من نهاية يونيو (حزيران) الجاري (الـ29 منه)، وفق نظام الدورات الثلاث الاختيارية، وتكرر التأكيد على أن امتحانات الشهادة في مواعيدها المقررة، والمراهنة على نجاح المفاوضات بين لبنان وإسرائيل في إقرار وقف لإطلاق النار واتساع رقعة المناطق الآمنة، وصولاً إلى حض النواب المطالبين بإلغاء الشهادة على تقديم قانون معجل مكرر وتبنيه في الهيئة العامة للبرلمان من أجل دفع المسؤولية عن الحكومة.

وتشهد لجنة التربية النيابية دفعاً نحو اعتماد الإجراءات الاستثنائية التي فرضت نفسها خلال حقبات سابقة، ومن ثم إلغاء الشهادة لدورة 2025-2026 والاستعاضة عنها بمنح إفادات نجاح للتلاميذ كافة بسبب الظروف الواقعية والأعمال الحربية التي تطاول مناطق واسعة من الأراضي اللبنانية، وعدم وجود ضمانات تحول دون الاستهداف الإسرائيلي للطلاب والمعلمين والمشرفين، ولا سيما أن 48 ألف طالب في مرحلة شهادة "البكالوريا القسم الثاني – الثانوية العامة" ينتظر المقررات النهائية لمعرفة مصيرهم أسوة بطلاب الشهادة المتوسطة (البريفيه) التي أُلغيت واستعيض عنها بامتحانات في المدارس. 

الشهادة "تمييزية"

أثناء عودة ثيودوسيا كرم من أداء امتحاناتها الجامعية في بيروت برفقة والدها الدكتور جيمس وشقيقها طوني، استهدف الطيران الحربي الإسرائيلي السيارة بصاروخ، مما أدى إلى مقتل الثلاثة. وضاعف هذا المشهد حال القلق لدى طلاب الجنوب والمناطق المستهدفة، وفاقم الخوف لديهم من تكرار الحادثة في أماكن متفرقة. وتتكرر الأنباء عن سقوط ضحايا من بين الطلاب الذين لم ينزحوا من قراهم، وآخرهم الطالب الشاب علي حسن العبدالله بعد تعرض منزل العائلة في المروانية للقصف الإسرائيلي ومقتل أفراد العائلة.

وتسبب تلك الأحداث في حال نفسية غير مستقرة لدى الأهالي وطلاب الجنوب، ويكشف مقرر رابطة التعليم الثانوي في الجنوب عباس رقة  لـ"اندبندنت عربية" عن أن "30 طالباً من بين طلابه في ثانوية الشهابية – قضاء صور فقدوا أحد أفراد عائلتهم أثناء الحرب الحالية، وهم يعيشون ألم الفراق وحال انعدام الاستقرار والاضطرار إلى النزوح المرة بعد الأخرى".

ويؤكد أن "البلاد تشهد أوضاعاً استثنائية، ولا يجوز فرض إجراءات تضرب روح المساواة بين المواطنين، واللاعدالة لناحية عدم تكافؤ الفرص بين الطلاب أنفسهم"، معتبراً أن "الظروف الأمنية الحالية تعرض حياة الطلاب للخطر، ولا إمكان للوصول الآمن إلى مراكز الامتحانات، ناهيك عن الوضع النفسي والاجتماعي للطلاب نتيجة النزوح المتكرر، إذ ترك الطلاب قراهم، ومن ثم صدرت أوامر إخلاء للمناطق التي انتقلوا إليها والأمر مستمر". ويعتقد بأن "مطلب إلغاء الامتحانات بصورة استثنائية لهذا العام هو أمر مبرر، ومن ثم الاستعاضة عنها بإفادة للمساواة بين المواطنين اللبنانيين كافة".

ويشير رقة إلى "رفع فرع الجنوب توصية إلى رابطة التعليم الثانوي من أجل دراستها، والتصويت حول مقاطعة الامتحانات من عدمه". من جهة أخرى، يناقش رقة الطرح القائل بأن الوزارة تحاول إنصاف الطلاب من خلال تقرير الدورات الثلاث، ومن ثم اعتماد تواريخ متباعدة في ما بينها، بالتالي الرهان على التوصل إلى وقف إطلاق النار من خلال المفاوضات، فيرى أن "الوزيرة تحاول إعطاء فرص للطلاب، ولكن مجرد إجراء مجموعة دون غيرها للدورة الأولى المقررة في آخر يونيو، سيعطيهم ميزة على غيرهم، وسيجعل الآخرين فئة أقل منهم"، لافتاً إلى أنه "في حال إقرار الإفادة لا بد من وضع بند ضمن القرار، يعطيها القوة نفسها كالشهادة الرسمية لعدم حرمان الطلاب من فرصة الالتحاق بالجامعات في الداخل والخارج لعدم إلحاق الغبن بهم، علماً أن الجامعات باتت تعتمد المقابلة وامتحان الدخول لاختيار طلابها واكتشاف مدى كفاءتهم".

ويتطرق رقة أيضاً إلى ظروف التعليم "أونلاين" (عبر الإنترنت)، إذ لم يحصل هؤلاء الطلاب على المضامين كما يجب، ولم يتم تقييمهم بصورة موضوعية بسبب عدم توافر شبكة الإنترنت الجيدة وانقطاع خدمة الكهرباء وازدحام أماكن النزوح، مشدداً على أن "الضرر لم يقتصر على طلاب الجنوب، وإنما لحق بطلاب البقاع والضاحية الجنوبية، أي ما لا يقل عن 30 في المئة من طلاب لبنان، إضافة إلى طلاب المدارس التي استقبلت نازحين في صيدا وبيروت وشمال لبنان واضطرارهم إلى الدراسة عن بعد".

ويأسف عباس رقة "لعدم وجود تضامن داخل المجتمع التربوي اللبناني"، واضعاً إصرار شريحة كبيرة من المدارس الخاصة على إجراء الشهادة في دائرة "البرستيج"، وتحصيل الحقوق المالية وتحقيق المنفعة.    

 

الوضع استثنائي

يبرز انقسام شديد داخل الأسرة التربوية في لبنان بين فريق يدفع نحو إجراء الشهادة الرسمية في مواعيدها، وفريق آخر يطالب بأخذ الأوضاع الأمنية في الاعتبار. وفي السياق، يبرز الاجتماع بين "جمعية المقاصد الإسلامية" و"الأمانة العامة للمدارس الكاثوليكية"، إذ أكد هؤلاء "دعم قرار وزيرة التربية ريما كرامي بإجراء الامتحانات الرسمية لشهادة الثانوية العامة حرصاً على مصلحة التلاميذ وصوناً لحقهم في تقويم عادل ومنصف، إذ إن إجراء تلك الامتحانات وفق معايير واضحة وموحدة، يحافظ على جودة الشهادة الرسمية اللبنانية وصدقيتها". كذلك شددوا على أن "الآلية المقررة من قبل مجلس الوزراء تشكل خياراً تربوياً مسؤولاً يراعي مختلف أوضاع التلامذة"، مؤكدين "استمرار التنسيق والتشاور" بين مختلف المكونات التربوية.

من جهتها تدفع لجنة التربية النيابية نحو إلغاء الشهادة الثانوية الرسمية للعام الحالي نظراً إلى الأوضاع الأمنية. ويشير مقرر اللجنة النائب إدغار طرابلسي إلى أن "النقاش الدائر حالياً ليس حول الشهادة، وإنما حول تأثير القوة القاهرة في هذا العام الاستثنائي نظراً إلى وجود أكثر من مليون لبناني مهجرين من ديارهم، وثمة تهديد جدي لأمن 48 ألف طالب والمعلمين المشرفين على الامتحانات"، قائلاً "عبّرنا عن اعتراضنا على إجراءات وزيرة التربية التي أقرت ثلاث دورات للشهادة الثانوية، ومن ثم تكريس شهادتين على أرض الواقع، كما أعطت الطالب الحق في اختيار مركز التقديم وهو أمر غير مقبول، لأنه في حال استهداف المركز سيكون الطالب هو المسؤول عن خياره، وتركت أمن الامتحانات على عاتق المدارس"، ولفت إلى "عدم اقتناع اللجنة بطرح الوزيرة كرامي حول الامتحانات، خصوصاً أن توقيت الدورة الأولى في الـ29 من يونيو الجاري هو يوم انتهاء الهدنة المقررة حالياً، فقد نشهد تجدد دوامة العنف".

ويوضح طرابلسي أن سقوط قتلى من بين الطلاب أدى إلى تعديل في موقف اللجنة النيابية، إذ "أصبح أكثر ميلاً لإلغاء الامتحانات بسبب الأوضاع الأمنية"، كاشفاً عن "الطلب إلى وزيري الداخلية والدفاع تقديم تصورهما حول خطة أمن الامتحانات وضمان العملية". ويضيف أن "من بين المراكز التي حددتها الوزيرة ضمن خطتها، مراكز في صور والنبطية والغازية، وهي مناطق طُلب من الأهالي إخلاء القرى فيها، مما ولّد حالاً من انعدام القناعة بقدرة الوزارة على إجراء الامتحانات في ظل الظروف الحالية".

وينطلق طرابلسي من "مفاصل تاريخية مشابهة" للدفاع عن طرح إعطاء الإفادات للطلاب والتي "اعتمدت خلال عهد كبار لبنان، بدءاً من عهد رئيس الجمهورية السابق إلياس سركيس ورئيس الحكومة السابق رشيد كرامي، وعهد الرئيس السابق أمين الجميل ورئيس الحكومة سليم الحص، والأمر نفسه خلال عهد الحكومتين إبان الانقسام بين الحكومة العسكرية برئاسة العماد ميشال عون والحكومة المدنية برئاسة الحص، وصولاً إلى استعادة التجربة عام 2014 عقب إضراب المعلمين، ومن ثم أثناء جائحة كورونا".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويتساءل عن "مبرر المزايدة والإصرار على إجراء الشهادة الرسمية في ظل الأوضاع الأمنية الحالية، فيما ألغت الدولة الفرنسية البكالوريا الخاصة بها في بلاد المشرق"، واصفاً "تمسك المدارس الكاثوليكية والمقاصد بإجراء الشهادة بغير المحق ويزيد الشرذمة الطائفية ويشكل بداية تقسيم تربوي. وهم لا يمثلون كامل العائلة التربوية". وأضاف، "أود أن أسألهم، هل لبنان هو فقط جزء من العاصمة ومحافظة كسروان - جبيل؟ وماذا عن القرى السنية والمارونية في الشريط الصامد؟ كيف سيتم إيصال الامتحانات إلى شبعا العرقوب ورميش مرجعيون ودبل الجنوب؟". ويردف "في حال وجود مصلحة خفية بين تلك المدارس والوزيرة لإجراء الامتحانات عنوةً، فعليهم تفسير من المسؤول عن حماية الناس ودماء الأبرياء إذا ما سالت". ويرفض طرابلسي وضع الإفادة في خانة "تكريس المساواة بين الطالب المجتهد والكسول"، معتبراً أن "الجامعات لا تأخذ الديبلوما – الشهادة في الاعتبار، وإنما تدرس ملفاً مؤلفاً من بيانات ثلاثة أعوام دراسية، وتعتمد كذلك امتحانات الدخول". ويخلص إلى أن "لا مشكلة من اعتماد الإفادة في كل مرة تحدث ظروف مشابهة"، متحدثاً عن "وجود نكد سياسي وطائفي، وربما مصالح مادية تقف وراء الدفع نحو الامتحانات"، كما أن "الدولة لم تؤمّن من مبلغ 3 ملايين دولار أميركي لإجراء الشهادة، سوى 800 ألف دولار، وهي تسعى إلى تأمين المبلغ الباقي عبر الجهات المانحة و’اليونيسيف‘. وعليه، لا بد من اعتبار ذلك أحد الأسباب الموجبة لإلغاء البكالوريا على غرار ما جرى بشهادة البروفيه".

القرار العاجل "الآن"

يشعر جزء من العائلة التربوية في لبنان بأن "النقاش" انحرف عن غايته، وترتفع الأصوات المطالبة باتخاذ إجراء سريع من أجل إراحة الطلاب. ويرى أمين عام رابطة المدارس الإنجيلية في لبنان نبيل كوستا أن "ثمة تأثيراً نفسياً سلبياً شديد الأثر لتلك الحوارات العلنية بين أصحاب القرار التربوي، مما ينعكس سلباً على الصحة النفسية للمتعلمين"، و"لا بد من حل المشكلات بين وزارة التربية ولجنة التربية النيابية بعيداً من الضغط على التلامذة والأهالي"، مطالباً بـ"اتخاذ قرار عاجل رأفة بالطلاب سواء بإلغاء الشهادة أو السير بها، ووقف أخذ الطلاب رهينة" لأن "الأجواء تربك الطلاب المعنيين وتجعلهم في حيرة، لا يعلمون إن كان عليهم الدرس أو الامتناع بسبب التوجه لإلغاء الامتحان". ويصف كوستا أوضاع الطلاب والأهالي بأنهم "يعيشون حالاً من الضياع"، مؤكداً المطالبة بأخذ القرار المناسب من خلال لجنة التربية النيابية، وعدم تحميل المدارس المسؤولية، وإن "كان قراراً صعباً" لأن "استمرار السجالات والتحدي لا يقود إلى قرارات تربوية تخدم مصالح الطلاب في عموم لبنان".

العين على الميدان

يقرن الأستاذ جمال عمر رئيس رابطة أساتذة التعليم الثانوي في لبنان بين الموقف من الشهادة الثانوية الرسمية والتطورات الميدانية، متحدثاً عن توجه لإعلان موقف رسمي ونهائي من الرابطة في نهاية الأسبوع المقبل. ويشير عمر أنه "إذا استمر الوضع الامني كما هو الآن طبعاً،  سيكون لنا موقف واضح. لكن من المبكر إعلان الأمر لعدم التشويش على الطلاب"، واضعاً فرضية توقف الحرب قريباً، وعندها "للطلاب حينها من حقهم الحصول على الشهادة". 
ويلفت عمر أن "الكثير من الطلاب يتحضرون ويدرسون، لأنهم يريدون السفر وإكمال تعليمهم الجامعي خارج لبنان، ومنهم من تقدم بالفعل لمنح جامعية خارجية، وهناك طلاب تتجهز لامتحانات دخول للكثير من الجامعات الوطنية (اللبنانية والخاصة) وخارجية. لذلك ومنعاً للتشويش عليهم نعمل على تأجيل أي موقف بالوقت الحالي من باب تربوي أكاديمي بحت، وفي الوقت نفسه حريصين على أمن وسلامة الأساتذة و الطلاب وحتى الأهالي".

اقرأ المزيد

المزيد من تحقيقات ومطولات