ملخص
لا تزال الجهود المغربية المبذولة لمواجهة الأمية تواجه تحديات مستمرة، أبرزها انضمام نحو 400 ألف شخص سنوياً إلى فئة الأميين نتيجة الانقطاع المبكر عن الدراسة، إضافة إلى ظاهرة الارتداد إلى الأمية، مما يجعل تقليص الفوارق بين الجنسين وبين المجالات الترابية أحد أبرز رهانات الاستراتيجية الوطنية لمحاربة الأمية في أفق عام 2030.
لا تزال الأمية تتفشى وسط ربع سكان المغرب، بينما ينضم إلى طوابير الأميين كل عام زهاء 400 ألف شخص، على رغم جميع الجهود المبذولة طيلة الأعوام الأخيرة عبر إحداث كثير من المبادرات والبرامج، وذلك لمحاربة ظاهرة الأمية القرائية.
وأوردت معطيات الوكالة الوطنية لمحاربة الأمية (مؤسسة حكومية) أن النساء يشكلن الفئة الأكثر تأثراً بالأمية، مقارنة مع الرجال، وترتفع معدلات الأمية بصورة لافتة وسط الفئات العمرية المتقدمة في السن، مسجلة أيضاً تفاوتات كبيرة بين القرى والحضر.
ويرى مراقبون أنه يتعين تركيز الجهود لتقليص فجوة الأمية وسط الفئات الاجتماعية الهشة، وفي المناطق الجغرافية التي توصم بالهشاشة التنموية، فضلاً عن ضرورة تجاوز محاربة "الأمية الأبجدية الكلاسيكية"، لتشمل "الأمية الوظيفية والرقمية".
خريطة الأمية
تبلغ نسبة الأمية في المجتمع المغربي، وفق المعطيات الرسمية، 24.8 في المئة لدى السكان البالغين 10 سنوات فما فوق، مقابل 32.2 في المئة عام 2014، أي بانخفاض مقداره 7.4 نقطة خلال عقد واحد.
وعلى رغم هذا الانخفاض، فإن الأرقام الحالية تظهر فجوة واضحة بين الجنسين، حيث تصل نسبة الأمية لدى النساء إلى 32.4 في المئة، مقابل 17.2 في المئة فقط لدى الرجال، مما يعني أن النساء يشكلن الفئة الأكثر تأثراً بهذه الظاهرة، وتزداد حدة المشكلة لدى الفئات العمرية المتقدمة، إذ ترتفع نسبة الأمية إلى 51 في المئة بين الأشخاص البالغين 50 سنة فما فوق.
وتبرز المعطيات تفاوتات مجالية لافتة بين الوسطين الحضري والقروي، ففي وقت لا تتجاوز فيه نسبة الأمية 19.3 في المئة بالمناطق الحضرية، ترتفع إلى 43.4 في المئة في القرى والبوادي، فيما تسجل النساء القرويات أعلى معدل وطني يصل إلى 55.1 في المئة، وهو ما يعكس استمرار هشاشة الولوج إلى التعليم والتكوين في هذه المناطق.
أما بخصوص التوزيع الجغرافي للأمية بالمغرب، فإن جهة "بني ملال خنيفرة" تتصدر قائمة جهات المملكة الأكثر تأثراً بالأمية بنسبة 36.3 في المئة، متقدمة على جهة "فاس-مكناس" بـ32.7 في المئة، وجهة "مراكش-آسفي" بـ32.4 في المئة، بينما تسجل جهة "العيون الساقية الحمراء" أدنى معدل وطني للأمية لا يتجاوز 17.2 في المئة.
وفي مواجهة هذه الوضعية، استفاد نحو 2.4 مليون شخص من برامج محاربة الأمية خلال المواسم الأربعة الأخيرة، فيما عرف الموسم الدراسي الماضي تسجيل أكثر من 455 ألف مستفيد، وأظهرت الدراسات التقييمية أن 84 في المئة من المستفيدين اكتسبوا مهارات القراءة والكتابة الأساسية، وأكد 66 في المئة تحسن أوضاعهم الاجتماعية والأسرية، في حين أشار 74 في المئة إلى استعمالهم الوسائط الرقمية للحصول على المعلومات والتواصل.
غير أن الجهود المبذولة لا تزال تواجه تحديات مستمرة، أبرزها انضمام نحو 400 ألف شخص سنوياً إلى فئة الأميين نتيجة الانقطاع المبكر عن الدراسة، إضافة إلى ظاهرة الارتداد إلى الأمية، مما يجعل تقليص الفوارق بين الجنسين وبين المجالات الترابية أحد أبرز رهانات الاستراتيجية الوطنية لمحاربة الأمية في أفق عام 2030.
ظروف متشابكة
في هذا الصدد، أورد الباحث في الشأن التعليمي والتربوي محمد الصدوقي، أنه على رغم المجهودات الرسمية والمؤسساتية الملموسة التي مكنت المغرب من خفض معدل الأمية من 32.2 في المئة عام 2014 إلى 24.8 في المئة عام 2024، فإن المقارنة مع المعدل العالمي (13.7 في المئة) تؤكد الحاجة الملحة لمضاعفة الجهود من أجل القضاء النهائي على هذه الآفة.
وأفاد الصدوقي بأن تحقيق تقليص سريع وفعال لنسب الأمية يمر حتماً عبر تغيير استراتيجية التدخل المعرفي والمباشر، حيث انتقد الاكتفاء بالاعتماد على شركاء محددين مثل جمعيات المجتمع المدني ووزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، داعياً إلى تبني استراتيجية متعددة المتدخلين والشركاء، لا سيما على المستوى المؤسساتي والقطاعي الوزاري.
وأبرز المتحدث ذاته ضرورة انخراط كل وزارة، وعلى رأسها وزارة التعليم، باستراتيجية خاصة ومستقلة، مشدداً على أن مفهوم المحاربة لا ينبغي أن يقتصر على "الأمية الأبجدية" الكلاسيكية، بل يجب أن يمتد ليشمل "الأمية الوظيفية والرقمية" وغيرها من الأنماط الحديثة.
من جهة أخرى، أبرز الباحث التربوي أهمية تركيز الجهود على الفئات الاجتماعية والمجالات الجغرافية التي تسجل النسب الأعلى للظاهرة، خصوصاً المناطق القروية، فضلاً عن الفئات الهشة اجتماعياً وصحياً، مثل الفقراء وذوي الاحتياجات الخاصة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ومضى المتحدث قائلاً، إن "الأمية بشتى أنواعها ليست معطى معزولاً، بل هي نتاج ظواهر اجتماعية واقتصادية وثقافية وسياسية مركبة، مما يجعل معالجتها والحد منها رهناً بهندسة سياسات عامة حقيقية تعمل على تقليص الفوارق الطبقية والمجالية".
ووفق الرؤية الاستشرافية التي ختم بها الصدوقي تصريحه، فإن "الحل الجذري يكمن في جعل التعليم أولوية وطنية قصوى وإلزامية لجميع المواطنين والأسر، معرباً عن تفاؤله بأن القانون الجديد للتعليم المدرسي يسير فعلياً في اتجاه تحقيق هذا الالتزام وفرضه على أرض الواقع".
فجوات وتفسيرات
فجوات وفوارق واضحة في خريطة الأمية بالمغرب، تتعلق بثلاث سمات رئيسة، الأولى انتشار الأمية وسط النساء، لا سيما القرويات منهن مقابل الحضريات، والثانية تفشي الأمية في البوادي، والثالثة تصدر مناطق الصحراء للجهات الأقل أمية بالبلاد.
يشرح هذه الحيثيات والفوارق عبدالرحيم السباعي، وهو باحث وأستاذ مؤطر في برنامج محو الأمية بالرباط، بالقول إنه بخصوص أمية النساء التي تفوق أمية الرجال، فهي تعزى إلى عوامل كثيرة، منها ما هو تاريخي متمثل في قلة فرص التعليم لدى الفتيات في الخمسينيات والستينيات والسبعينيات من القرن الماضي بعد استقلال المغرب، وخلال الفترة الانتقالية نحو إرساء دعائم الدولة.
وأشار المتخصص في ملف محو الأمية إلى أن هناك عاملاً اجتماعياً يتمثل في انقطاع الفتاة عن الدراسة من أجل الزواج أو التكفل بأعباء المنزل والأسرة بإيعاز أو بأوامر من الوالدين غالباً، متابعاً أن هناك عاملاً آخر هو التفكير العائلي التقليدي الذي كان يرى التعليم مفيداً للولد، لارتباطه بسوق الشغل، وغير مثمر للفتاة التي تُرغم على المكوث في البيت للأشغال اليومية أو للرعاية الأسرية.
أما الفجوة الرئيسة الثانية فتلك التي تتعلق بانتشار الأمية في القرى أكثر من الحواضر، على رغم الجهود القائمة من طرف السلطات الوصية، ويعزوها السباعي إلى المشكلات التي تعترض الولوج إلى المؤسسات التعليمية في المناطق القروية، بسبب تعقد الجغرافيا، من قبيل بُعد المسافات بين المدارس والمنازل، مما يفضي إلى الانقطاع عن الدراسة.
وزاد المتكلم عاملاً اقتصادياً مهماً في هذا الصدد، يتمثل في الطابع الفلاحي والزراعي لكثير من الأسر في القرية، الذي يدفع بعض هذه العائلات إلى اتخاذ قرار سحب أبنائها من الدراسة والارتماء في أحضان الأمية، وذلك للإشراف على تلك الأنشطة الزراعية.
وبخصوص الملاحظة الرئيسة الثالثة، المتمثلة في تفشي الأمية في جهات تنتمي إلى المناطق المهمشة تنموياً، بخلاف منطقة الصحراء التي تعرف أقل معدل للأمية، فإن الباحث نفسه يفسره بكون جهة الصحراء تضم في معظمها مدناً كبرى وسكاناً حضريين، والأمية تنتشر أكثر في القرى والهوامش.
ولفت المصدر عينه إلى عامل آخر لا يقل حسماً، هو أن المناطق الصحراوية تشهد تنمية لافتة واستثمارات ضختها الدولة في البنية التحتية للتعليم، مما أسهم في حصول السكان المحليين على فرص التعليم، وتقلص معدلات الأمية إلى أدنى مستوى وطنياً.