ملخص
التشتت لا يقتصر على الهاتف فحسب، بل يشمل المحادثات التي تضعف تركيز السائق وتبطئ استجابته. ومع تطور تقنيات السيارات، تزداد مصادر التشتت، مما يجعل أي انشغال بسيط خطراً حقيقياً على الطريق.
ثانية واحدة. هذا كل ما يحتاجه الطريق ليتحول من مسار آمن إلى كارثة. عند سرعة 80 كيلومتراً في الساعة، تقطع السيارة 22 متراً في الثانية الواحدة التي يُحول فيها السائق نظره عن الطريق نحو هاتفه أو شاشة سيارته، والأرقام المروية السعودية تقول إن هذه الثانية تتكرر كثيراً على طرق المملكة، رغم كل الجهود المبذولة لتقليصها.
وكشفت الإدارة العامة للمرور في الرياض أن أبرز ثلاثة مسببات لحوادث المرور هي الانحراف المفاجئ وعدم ترك مسافة أمان، ثم استخدام الهاتف أثناء القيادة الذي يتصدر القائمة بوصفه المسبب الأكثر تكراراً والأخطر تداعيةً.
تراجع للحوادث المرورية
غير أن الصورة تحمل وجهاً مشرقاً أيضاً، إذ تراجعت الوفيات بنسبة 50 في المئة، وانخفض معدلها من 28 حالة لكل 100 ألف نسمة عام 2016 إلى 12.13 حالة عام 2024، فيما تراجعت الحوادث خلال الثمانية أعوام بنسبة 57 في المئة، وفق التقرير السنوي للجنة الوزارية للسلامة المرورية. وللحد من هذا المسبب، فرضت السعودية غرامة تتراوح بين 500 و900 ريال مع احتمالية مصادرة المركبة لكل من يستخدم هاتفه أثناء القيادة.
تجربة
لا يقتصر الخطر على النظر في شاشة الهاتف، بل يمتد إلى مجرد فتح الفم بالكلام. هذا ما أثبتته دراسة جامعة "فوجيتا" اليابانية، حين طلبت من 30 متطوعاً تتبع أهداف بصرية على شاشة بينما يتحدثون أو يستمعون أو يبقون في صمت. أظهرت النتائج أن التحدث وحده، دون النظر في أي شاشة، أبطأ حركة العين نحو الهدف بشكل ملحوظ ومستمر، في حين لم يُلاحَظ هذا التأخير لدى المجموعتين الأخريين.
وقال الأستاذ المشارك شينتارو أوهارا إن "التشتت المعرفي يؤدي غالباً إلى التداخل مع المهام التي تتطلب مهارات حركية دقيقة"، مضيفاً أن "المعلومات البصرية تمثل 90 في المئة من المعلومات المطلوبة لقيادة السيارة".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وعلى الأرض، كشف استطلاع شركة "RAC" البريطانية عام 2025 أن 43 في المئة من السائقين أقروا بارتكاب أخطاء فعلية على الطريق بسبب المحادثات، شملت تفويت تقاطعات والاقتراب من اصطدامات.
التكنولوجيا.. سلاح ذو حدين
حين صممت شركات السيارات الشاشات اللمسية الكبيرة، كان الهدف تسهيل القيادة. لكن منظمة "ديكرا" الألمانية للفحص الفني خلصت إلى عكس ذلك تماماً، إذ حذرت في تقرير شديد اللهجة من أن الأنظمة الرقمية الحديثة باتت في حد ذاتها مصدر خطر.
وأوضحت المنظمة أن عناصر التحكم الأساسية كضبط الحرارة وتغيير المحطات ونظام الملاحة باتت مخفية داخل قوائم شاشات متعددة، تستلزم بحثاً ونقراً وتنقلاً أثناء القيادة، وأن تنفيذ أوامر بسيطة عبرها يستغرق أكثر من ضعف الوقت اللازم للأزرار المادية.
وخلصت التجربة إلى أن "كل ضغطة على الشاشة هي لحظة غياب عن الطريق، والانتباه البشري محدود".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
خل قوائم شاشات متعددة، تستلزم بحثاً ونقراً وتنقلاً أثناء القيادة، وأن تنفيذ أوامر بسيطة عبرها يستغرق أكثر من ضعف الوقت اللازم للأزرار المادية.
وخلصت التجربة إلى أن "كل ضغطة على الشاشة هي لحظة غياب عن الطريق، والانتباه البشري محدود".
نظام الـ"كار بلاي"
بين الأرقام والدراسات، يقف السائقون السعوديون في منطقة رمادية بين الوعي والممارسة.
نورة فهد، في العشرينيات من عمرها وتقود منذ عامين، تعترف بصراحة: "لا أستطيع التركيز أثناء التحدث، سبق أن تجاوزت المخرج الذي أريده أثناء محادثة حماسية مع إحدى صديقاتي".
غير أنها تدافع بحرارة عن تكنولوجيا السيارات، قائلةً "لولا نظام الـ'كار بلاي' لم أستطع الوصول إلى أي مكان حتى منزلي".
في المقابل، يرى فيصل سعد، الذي يقود منذ أكثر من تسعة أعوام دون حوادث، أن التحدث أثناء القيادة ليس مشتتاً بالضرورة.
لكن كليهما يتقاطعان عند نقطة واحدة: الهاتف خطر حقيقي لا جدال فيه، لأن المتحدث ينظر إلى الشارع، بينما مستخدم الهاتف ينظر في شاشة بعيدة عن الطريق.
الحل يبدأ قبل تشغيل المحرك
تنتهي "ديكرا" إلى توصية بسيطة تلخص كل ما سبق: هيّئ سيارتك قبل الانطلاق، اضبط المقعد والمرايا والمحطة والوجهة وهاتفك، قبل أن تبدأ. وإن احتجت للرد على مكالمة أو تعديل إعداد في منتصف الطريق، فالحل الوحيد هو التوقف جانب الطريق.
وتختم بجملة تستحق أن تُكتب على لوحات الطريق، "لا شيء يستحق أن تفقد حياتك أو حياة الآخرين لأجله".
وتشدد المنظمة على أن المحادثات المعقدة أو المشحونة عاطفياً قد تشتت الذهن حتى مع عدم استخدام اليدين.