ملخص
اجتمع كبار نجوم التمثيل في مصر أخيراً في مجلس الشيوخ لمناقشة أسس وقواعد تحصيل حق الأداء العلني، وسط تساؤلات عن مدى إمكان تحقق مشروع طموح مثل هذا على أرض الواقع ومن سيكون مشمولاً بهذا الحق، وما هي العقبات، وأثارت القضية جدلاً بين المنتجين والعاملين في القنوات الذين يرون أن هذا الأمر سيضيف أعباء مالية إضافية عليهم
لعقود طويلة ارتبطت عبارة حق الأداء العلني بالمجال الموسيقي في مصر، فمنذ منتصف أربعينيات القرن الماضي يحصل المؤلف والملحن والمنتج للأعمال الغنائية على نسبة مالية في كل مرة تذاع فيها الأغنية عبر وسائل الإعلام، وهي حقوق منصوص عليها ومحددة وفق لوائح دولية، إذ تشرف على تحصيلها جمعية المؤلفين والملحنين والناشرين المصريين (ساسيرو) التابعة للجمعية الفرنسية "ساسام".
لكن أخيراً أصبحت هناك تحركات محمومة بمنح الممثلين أيضاً حق الأداء العلني في كل مرة يُعاد فيها عرض أعمالهم على القنوات والمنصات، إذ اجتمع عدد ضخم من الفنانين في مجلس الشيوخ المصري أخيراً لمناقشة هذا الملف بحضور الممثل وعضو المجلس ياسر جلال ورئيس لجنة الثقافة والسياحة والآثار والإعلام المستشار محمد عمران.
اللافت أن عدداً ضخماً من النجوم حرصوا على الحضور والمتابعة والاستماع وتبادل الآراء، بينهم ميرفت أمين وأحمد حلمي وحمادة هلال وعمرو يوسف ومي عمر وغيرهم، وظهر الأمر وكأنه مقترح وليد اللحظة أو فكرة مفاجئة، في حين أن ملف حق الأداء العلني للممثلين يشهد تحركات بعيداً من الإعلام منذ أعوام طويلة، من قبل نقابة المهن التمثيلية وجمعية أبناء فناني مصر وجمعية مؤلفي الدراما.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وعلى رغم أن الأمر ظاهرياً بدا إيجابياً تماماً، فإنه نظراً إلى أن صناعة العمل الدرامي شديدة التعقيد مقارنة بصناعة الأغنية، في الأقل في ما يتعلق بكمّ المشاركين فيه، ونظراً إلى أن الاجتماع الأخير شهد استبعاد عنصر مهم هو الإنتاج، تصاعد اللغط وزادت التساؤلات وأيضاً نبرة التشكيك في إمكان تنفيذ هذا المطلب المطبق بصورة طبيعية في العالم، إذ يتقاضى الممثلون إلى جانب المؤلفين والمخرجين نسبة مالية وفقاً لعدد مرات إعادة بث أعمالهم الفنية عبر المنافذ المختلفة، وتتولى منصات العرض دفع هذه المبالغ، والتحصيل يكون عبر مؤسسات وسيطة.
أعباء تثقل كاهل الصناعة
يرى المنتج إبراهيم حمودة أن الأكثر جدارة بحق الأداء العلني في الحقل الدرامي "هو المؤلف لأنه الأساس في العملية الإبداعية"، لافتاً إلى أن الوضع في مصر مختلف تماماً مقارنة بالتجارب العالمية، وأوضح "ليس معنى أن نجوم مسلسل ’فريندز‘ يتقاضون نسباً مليونية سنوياً مقابل إعادة عرض الحلقات أن هذا قابل للتنفيذ في مصر. هذا مسلسل عابر للقارات بالفعل يعرض في منصات وقنوات في كل أنحاء العالم، ونحن حتى الآن في الأقل ليس لدينا عمل يقترب من مستوى انتشاره، وحينما يتحقق هذا يمكن هنا للفريق أن يطالب بحق الأداء العلني، بصورة عامة يؤسفني أن يجري الحديث عن هذه القضية بهذه البساطة التي تقترب من السطحية".
ولدى مصر قانون لحقوق الملكية الفكرية منذ عام 2002، ومع ذلك يبدو تنظيم تلك المسألة على أرض الواقع يعاني عثرات كثيرة، إذ تتعرض الكتب والأفلام والمسلسلات والأغنيات للقرصنة، وتبث بطرق غير مشروعة، وإن كانت الإجراءات التقنية تبدو ناجعة في بعض الأحوال، لكن التحايل عليها لا يتوقف كذلك.
في مقابل ذلك، يحاول الموسيقيون على سبيل المثال الحفاظ على تنظيم الحصول على حقوقهم عن طريق جمعية المؤلفين والملحنين والناشرين المصريين التي أنشئت عام 1944، وكانت أولاً تحمل اسم "المكتب العربي لحقوق المؤلف"، باختيار من الجمعية الفرنسية "ساسام" الشهيرة في تحصيل تلك الحقوق، فكانت المكتب المصري هو الوحيد في الشرق الأوسط المعني بهذا الأمر، وينتسب إليها موسيقيون من مصر والعالم العربي، وتمنحهم حقوقهم أربع مرات سنوياً وفق القانون "ثلث للملحن وثلث للمؤلف وثلث للناشر"، بناء على تعريفة متفق عليها سواء جراء إذاعة أعمالهم داخل مصر أو خارجها.
والجمعية تشرف عليها وزارة التضامن الاجتماعي، وفي حين حدثت اعتراضات ومشكلات كثيرة أدت إلى انسحاب عدد من الأسماء الكبيرة من الجمعية بسبب عدم الاتفاق على نسبة العوائد، فإن الجمعية لا تزال تؤدي عملها، فما الذي يجعل هذا الحلم صعب التحقق بالنسبة إلى عناصر صناعة الأعمال التمثيلية، بدليل أن المعنيين به يسعون إلى تحقيقه منذ أكثر من عقدين من الزمان؟
يجيب المنتج إبراهيم حمودة الذي له باع كبير في العمل الدرامي وفي إدارة القنوات الفضائية كذلك، أن صناعة الدراما مختلفة كلياً، ضارباً المثال بأن المسلسل الواحد يعمل به 600 شخص في أقل الأحوال، ويتساءل "لمن سنعطي حق الأداء؟ البطل أم صاحب الدور الثاني أم الشخص الذي يظهر ضيف شرف، لكنه قدّم أداءً أيقونياً أسهم في انتشار العمل، أم سندفع للفنيين؟ فما دام أن هناك قاعدة للتحصيل لا يجوز أن يكون بها استثناءات".
وأضاف أن "المشجعين على فكرة الأداء العلني للممثل ليس لديهم وعي بمشكلات الصناعة وآلياتها، بل يسعون إلى الاستعراض. منظومة الأعمال الدرامية تمر بأزمة رهيبة بسبب سوق التوزيع، فالمحطات العارضة تخسر وتخرج من الموسم مدينة لأن عوائد الإعلانات بالكاد تغطي نفقات شراء الأعمال والتشغيل طوال العام، إضافة إلى أن ليس كل الأعمال المعروضة تأتيها إعلانات، فكيف ستدفع المحطة إلى الممثل في هذه الحال؟ الأمر هنا يشبه قيام مهندس ببناء بيت وتقاضي أجره كاملاً، لكنه يطالب أصحابه بدفع مقابل مادي عن كل مرة يبيتون فيها به".
حق مشروع ولا داعي للقلق
كان عدد آخر من المنتجين قد أبدوا تحفظات شبيهة وعبروا عنها عبر الـ"سوشيال ميديا"، وبينهم المنتج جمال العدل، لكن في المقابل يشدد رئيس جمعية مؤلفي الدراما المؤلف أيمن سلامة على أن حق الأداء العلني للمؤلف كصاحب حق أصيل وللمخرج والممثل كأصحاب حقوق مجاورة مشروع في العالم كله، مضيفاً أن المغرب الدولة العربية الوحيدة التي نجحت في تطبيق حقوق الأداء للعاملين بالدراما، ولديها تجربة رائدة في المنطقة، ويوضح سلامة أن النسب يجري حسابها بطرق علمية متفق عليها وليست اختراعاً، إذ وضعت المنظمة العالمية للملكية الفكرية "الويبو" التابعة للأمم المتحدة شروطاً وقواعد تتعلق بمدة الظهور في الحلقات وتفاصيل أخرى، بالتالي فإن تلك النقاط في رأيه لا تخضع للتقدير الجزافي، ولن تكون محل خلاف.
ويقول "لا أفهم وجه الاعتراض لأن تلك المبالغ زهيدة للغاية، وهي تكون ضمن مصاريف التشغيل، بالتالي تخصم من الضرائب المستحقة على قنوات العرض التي من الطبيعي والعادل أن تدفع لأصحاب العمل، لأنها استفادت منه بكل بساطة، ونص قانون الملكية الفكرية الذي يحمل رقم 82 لعام 2002، على أن للمؤلف والمخرج والممثل، الحق في تقاضي نسبة عند إعادة العرض، إذ يعمل حالياً الجهاز القومي للملكية الفكرية برئاسة الدكتور هشام عزمي على وضع لوائح لتحديد التعريفة الخاصة بمصر، لأن لكل دولة التعريفة الخاصة بها، إذ من المفترض أن تظل تلك الحقوق مستحقة للورثة حتى بعد 50 عاماً من وفاة المبدع".
منذ تأسيس جمعية مؤلفي الدراما في مصر عام 2005 برئاسة الكاتب محفوظ عبدالرحمن ومن بعده المؤلف بشير الديك، لم يتوقف السعي نحو محاولات تحصيل رسوم الأداء العلني بالنسبة إلى صناع الدراما أسوة بالموسيقيين، ولم يدخل أي من القرارات حيز التنفيذ، نظراً إلى أن الأمر مرتبط بعناصر كثيرة مثل التفاوض والتعاقد مع الشركات، وقبل كل ذلك المخاطبات وتحديد التعريفة واللائحة وغيرها، وشهد أكتوبر (تشرين الأول) عام 2025 حراكاً تمثل في احتفالية أقامتها الجمعية في دار الأوبرا المصرية، بالاشتراك مع جمعية أبناء فناني مصر التي يترأسها السيد ماضي توفيق الدقن، بالتفويض القانوني للجمعيتين لحماية حقوق المبدعين من الفنانين وضمان حصولهم على المستحقات المالية والقانونية المقررة لهم من عوائد إعادة عرض أعمالهم السينمائية والتلفزيونية.
خطوات جادة
الجمعيتان نفسهما منوط بهما أيضاً تحصيل حقوق أداء الممثلين، في حال التوصل إلى صيغة لتطبيقها، ومن ضمن أبرز الجهات التي تعمل على تحقيق هذا الهدف أيضاً، نقابة المهن التمثيلية، إذ يقول سكرتير عام النقابة الفنان أشرف طلبة إن الفريق القانوني للنقابة يعمل منذ أعوام أيضاً على إيجاد صيغة لمنح الممثلين نسباً مالية من حقوق الأداء العلني، ويتابع "نعمل على هذه المسألة منذ مدة طويلة بالفعل، وإن كان اجتماع مجلس الشيوخ الأخير جعل كثراً يعتقدون بأن هذه القضية مفاجأة لكنها قديمة، الحقيقة أن الأمر ليس متعلقاً بجهة الإنتاج على الإطلاق، فلن يتكبدوا أي عناء، فالأمر كله يخص جهة العرض، وبعد التخصيص الذي يستند إلى مساحة الظهور سيجري التحصيل عن طريق شركات متخصصة يجري التعاقد معها".
وحول الجدل المتعلق بمدى أحقية كبار النجوم الذين يتقاضون أجوراً تتجاوز الـ10 ملايين جنيه في نسب الأداء العلني الذي يجري الترويج له من الأساس ليضمن حياة كريمة للفنانين الذين لا يمتلكون ثروات كبيرة، وكذلك مدى عدالة التقييم الذي على أساسه يجري احتساب النسب، إضافة إلى مدى سهولة تطبيقه على الممثلين في ظل أن المطرب حتى الآن لا يحصل على حق أداء من جمعية المؤلفين والملحنين المصرية ويتم الاكتفاء بالمنتج والملحن والشاعر، يوضح المؤلف أيمن سلامة أن هناك حالياً محاولات قوية لضم المطربين إلى قائمة المستفيدين من إيرادات الأداء، وفي ما يتعلق بالتقييم فهو يجري بصورة إلكترونية من دون تدخل بشري، مكرراً كلامه أن المبالغ بسيطة،
ويتابع أن "الأجور المبالغ فيها التي نسمع عنها غالبيتها مجرد إشاعات، وهي إشاعات تؤثر سلباً في نظرة المجتمع إلى الفنانين، ولهذا فمطالبتنا بتطبيق هذا الحق ستفيد العاملين بالصناعة وتضمن لهم دخلاً معقولاً، وأنا أقول إن من حق عناصر العملية الإبداعية الاستفادة من نتاج أعمالها، وكذلك من حق الدولة أن تستفيد لأن تطبيق هذا الإجراء سينتج منه تحصيل ضرائب قانونية كذلك".