ملخص
لكن اللحظة التي أثارت الشك في نفس شاهين، حين تهرّب مسؤول الشركة من الإجابة عن تساؤله حول ترخيص الشركة وموقعها وكيفية ضمان حقوقه المالية، إذ قال "ما نقوم به عمل تطوعي، ونباشر كل أعمالنا عبر منصات التواصل الاجتماعي، ولا نمنح الراغبين في الحج عن الغير أية شهادات رسمية أو تراخيص، باستثناء إيصال تسلم نقدي فقط يجري تسليمه من مقر المكتب في منطقة المقطم أثناء دفع الأموال".
"أخي الحبيب، بشرى لراغبي الحج بالإنابة، نوفر الخدمة بسعر مُغرٍ وأقل من كلفة أسعار الحج الحالية مع توثيق شامل لكل خطوة بالصوت والصورة، وشهادة مختومة تصدر مع إتمام المناسك. فرصة ذهبية سارع بالحجز"، كان ذلك الإعلان الترويجي الذي عرضته إحدى الشركات عبر صفحاتها على منصة التواصل الاجتماعي "فيسبوك" في مصر كفيلاً بإغراء الأربعيني أحمد شاهين (اسم مستعار)، لتحقيق حلم أسرته بأداء الفريضة عن والده المتوفي لإسقاطها عنه، لا سيما بعد أن أخفقت كل محاولاته في تأديتها عبر شركات السياحة، بسبب كلفتها الباهظة التي تفوق طاقته المادية.
عبر أرقام مدوّنة على صفحة الشركة، تواصل شاهين مع مسؤول في الشركة عبر خاصية "واتساب"، للاستفسار عن تفاصيل العرض والمبلغ المطلوب والأوراق التي يجب تقديمها، ليجيب المسؤول "نمارس ذلك النشاط من منطلق فعل الخير، وإسقاط الفريضة عن غير القادرين من المتوفين الذين لم يتمكنوا من أدائها أو المريض بمرض شديد، أو معوّق عاجز عن الحركة، عبر موكلين".
ووفق المسؤول، لا يتكبد الراغب في الحج عن الغير مشقة سوى تقديم بيانات متضمنة الاسم الثلاثي للشخص المراد أداء فريضة الحج عنه، ورقم هاتف محمول لإرسال الفيديوهات الموثقة عليه، ونظير تلك العملية تحصل الشركة على مبلغ مالي يقدر بـ1730 دولاراً أي ما يعادل (92 ألف جنيه مصري) يجري تسديده دفعة واحدة، إما كاش أو عبر أحد أنظمة الدفع الإلكتروني، شريطة أن يُرسل المبلغ في غضون أسبوع على أقصى تقدير.
إعلانات وهمية
ثم بدأ مسؤول الشركة بالاسترسال في سرد محاسن "الحج عن الغير"، مستشهداً خلال حديثه إلى "اندبندنت عربية" ببعض الفتاوى الدينية التي تجيز الأمر من الناحية الشرعية وعدم وجود شبهة حرمانية به، وأن شركته تمتلك خبرات واسعة في هذا الأمر، ونفذته لما يقارب 1150 شخصاً حتى الآن منذ بدء عملها في هذا النشاط، وأن الموكلين التابعين للشركة يتمتعون بالثقة لضمان الشفافية والصدقية وحفاظاً على أموال المواطنين، وتمنح شهادة إتمام للمناسك تصدر باسم الشخص (المنوب عنه) واسم الشخص الذي قام بالأداء عنه.
لكن اللحظة التي أثارت الشك في نفس شاهين، حين تهرّب مسؤول الشركة من الإجابة عن تساؤله حول ترخيص الشركة وموقعها وكيفية ضمان حقوقه المالية، إذ قال "ما نقوم به عمل تطوعي، ونباشر كل أعمالنا عبر منصات التواصل الاجتماعي، ولا نمنح الراغبين في الحج عن الغير أية شهادات رسمية أو تراخيص، باستثناء إيصال تسلم نقدي فقط يجري تسليمه من مقر المكتب في منطقة المقطم أثناء دفع الأموال".
وعلى رغم تخوفه لم يجد الرجل مفراً أمام ضغط وإلحاح أسرته، سوى كسر شهادته البنكية لتحويل المبلغ المطلوب عبر أحد أنظمة الدفع الإلكتروني، ليفاجأ بعدها بمماطلة مسؤول الشركة لتسليمه إيصال تسلم المال، وبتحديد مواعيد مقابلات ثم إرجائها من دون أعذار منطقية، لينتهي المطاف بغلق المسؤول هاتفه نهائياً، فيقرر الذهاب بنفسه إلى مقر الشركة، ليكتشف أن المقر "وهمي، لا وجود له على أرض الواقع".
يعلق عضو غرفة شركات السياحة مجدي صادق، قائلاً "معظم المكاتب والصفحات التي تروج هذا النشاط عبر منصات التواصل الاجتماعي وهمية وليست معتمدة أو مسجلة في أية جهة رسمية"، ويوضح أن هؤلاء الأشخاص "سماسرة يسوّقون لأنفسهم باستغلال شعارات دينية لاستقطاب الراغبين في أداء فريضة الحج عن الغير، وإيهامهم بإتمام المناسك بصورة شرعية ومضمونة، وبأسعار أقل من كلفة الحج المتعارف عليها، وهو أمر مخالف للحقيقة".
ويوضح صادق، خلال حديثه إلى "اندبندنت عربية"، أن "الحج بالإنابة" أو "حج الوكالة" أو "الحج عن الغير" جميعها مسميات لشيء واحد، لكن الجانب المظلم في هذا الأمر أنه "لا يخضع لأية قواعد منظمة أو ضوابط رقابية، ولا يمكن معرفة مصادر أمواله أو إدراجه ضمن مصادر التمويل الرسمية للدولة، مما يجعله نشاطاً جاذباً لأصحاب تلك الكيانات يتلاعبون من خلاله بمشاعر المواطنين وأحلامهم".
ويرى عضو غرفة شركات السياحة أن تلك الممارسات الاحتيالية دائماً ما تنشط بكثرة قبل انطلاق موسم الحج كل عام، لافتاً إلى أن كل الشواهد خلال الآونة الأخيرة تشير إلى أن هناك تطوراً في أنواع النصب والاحتيال، مستغلين نقص الوعي لاصطياد الضحايا، ويتربحون من وراء ذلك أموالاً طائلة، مشدداً على ضرورة تتبع تلك الكيانات الموازية والتطبيقات الإلكترونية غير المرخصة التي تتخذ أسماء وهمية ستاراً لها لممارسة عمليات النصب على المواطنين، مؤكداً أن كثيراً من هذه الكيانات لا تمتلك أية تصاريح رسمية.
سبوبة المشرفين
الجانب الأخطر في رأي الرئيس السابق لشعبة السياحة والطيران بالغرفة التجارية بالقاهرة عماري عبدالعظيم العماري يكمن في أن الحج بالإنابة تحوّل إلى "سبوبة وبيزنس"، بحسب تعبيره، يستغله بعض مشرفي الأزهر والدعاة والمشايخ ممن تستعين بهم شركات السياحة في مواسم الحج لإرشاد وفود الحجيج وتوعيتهم بكيفية أداء المناسك ومساعدتهم أثناء تنفيذ البرامج، ويسافرون إلى الحج كل عام على نفقة شركات السياحة، ويحصلون أيضاً على بدلات سفر خلال تلك الفترة، وتتقاسم الشركات في ما بينها كلفة سفرهم، لكن مع مرور الوقت أصبح المشرفون يسوقون لأنفسهم أن بإمكانهم أن يقومون بحج الإنابة عن الغير مقابل تسعيرة مالية، ليتحول الأمر إلى "بيزنس" خفي تمارس خلاله أعمال نصب عدة.
وتقضي المادة (21) من القانون رقم 84 لعام 2022 المعني بتنظيم الحج أنه "يعاقب بغرامة لا تقل عن مليون جنيه، ولا تتجاوز 3 ملايين جنيه كل من نفذ رحلات أداء مناسك الحج بالمخالفة لأحكام هذا القانون أو الضوابط الصادرة وفقاً لحكم المادة 3 من هذا القانون".
ويوضح العماري، ضمن حديثه إلى "اندبندنت عربية"، أن هذا النشاط كان يجري على نطاق ضيق خلال الأعوام الأخيرة إلا أنه أصبح ظاهرة تنامت بصورة موسعة السنتين الماضيتين، وتزايدت الإعلانات التي تروج لها عبر منصات التواصل في ظل غياب الرقابة، وباتت إحدى أبرز وسائل النصب المرتبطة بموسم الحج، مؤكداً أن أداء فريضة الحج يجب أن يجري فقط من خلال القنوات الرسمية المعتمدة، سواء عبر شركات السياحة المرخصة أو الجهات المختصة، ومحذراً من الانسياق وراء الإعلانات المجهولة.
ما ذكره العماري يتطابق مع ما مارسته السيدة "أ ك"، مشرفة تعمل في إحدى شركات السياحة الكائنة بمركز ملّوي بمحافظة المنيا بصعيد مصر، زاعمة أثناء تواصل "اندبندنت عربية" معها أنها من حفظة القرآن، وأجرت مهمة الحج بالوكالة مرات عدة مقابل الحصول على مبالغ مالية متفاوتة بين شخص وآخر، وبيّنت أنها تستعين بموكلين سبق لهم أداء الفريضة ليجوز لهم إتمامها نيابة عن الغير، ويقومون بالتسجيل في المنصة الرسمية عقب تسلّم المبلغ مباشرة، لافتة إلى أن حج الإنابة هو أنسب خيار لغير القادرين على الحج عن موتاهم ومرضاهم، هرباً من الكلف التي تتخطى حالياً ما يقارب نصف مليون جنيه.
إلا أن ما كان صادماً حين ذكرت المشرفة أثناء حديثها خيارين لأداء المناسك، الأول باقة تشمل خدمات لمن ينوب عن الحاج تبلغ قيمتها 115 ألف جنيه مصري (2165.73 دولار) عبر موكلين معتمدين محل ثقة لديها يقومون بأداء المناسك وتوثيق كل التفاصيل لحظة بلحظة، وكلما ارتفعت القيمة المالية ارتفعت الخدمات التي يقدمها من ينوب عن الحاج، والأمر الثاني كلفة تقدر بـ10 آلاف جنيه (188.32 دولار)، لكن مع أشخاص لا سابق معرفة بهم من دون توثيق أو شهادة مختومة، كاشفة عن أن الأمر لا يقتصر على الحج فقط، لكن يمتد أيضاً إلى العمرة التي تصل كلفة القيام بها نيابة عن الغير إلى 5 آلاف جنيه (94.16 دولار).
أين الضمانات؟
يبدي نائب رئيس غرفة شركات السياحة السابق باسل السيسي دهشته من الانتشار الهائل للصفحات التي تروج للحج بالإنابة أخيراً، واستقطابها ضحايا كثراً، مشيراً إلى أن الـ"سوشيال ميديا" أصبحت ساحة لكثير من عمليات النصب والاحتيال التي تمارس تحت شعار تيسير السفر إلى الحج، ويتساءل "كيف يسمح المواطن لنفسه أن يضع أمواله في نشاط يعتمد على النوايا، ولا توجد به ضمانات حقيقية تؤكد تنفيذ الفريضة بالفعل أو حتى التأكد من وجود هؤلاء الأشخاص داخل السعودية؟".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ويضيف أن "ما يحدث على منصات التواصل من عروض مغرية وإعلانات زائفة يندرج تحت مسمى النصب التجاري"، مطالباً وزارة السياحة والجهات الرسمية والرقابية "مجابهته لحماية أموال المواطنين". ومنوهاً أن الكلفة الحقيقية للحج خلال العام الحالي تقدر بـ250 ألف جنيه (4708.10 دولار) شاملة الإقامة والبرامج وتذاكر الطيران على عكس ما تروج له تلك الكيانات التي تتاجر بـ"حج الإنابة"، وشدد على أن نظام الحج الرسمي يجري عبر ثلاث جهات رسمية هي وزارات التضامن والداخلية والسياحة، والشركات هي من تتولى تنظيم عمليات السفر والرحلات والبرامج، وتتنافس في ما بينها قبل 10 أشهر من انطلاق موسم الحج، لاستقطاب الراغبين في الحج بعروض مغرية.
وبذلت وزارة السياحة المصرية والأجهزة الرقابية والأمنية جهوداً كبيرة لمواجهة الكيانات الموازية غير الشرعية خلال الأعوام الأخيرة، إذ تمكّنت في فبراير (شباط) الماضي من ضبط 30 شركة تعمل بلا ترخيص ضمن عدد من المحافظات، لاتهامها بالنصب والاحتيال على المواطنين وترويج برامج سياحية ودينية مختلفة، وإيهام الضحايا بأنها شركات مرخصة على خلاف الحقيقة. وفي مارس (آذار) الماضي، ضُبطت 20 شركة سياحية غير مرخصة في محافظات عدة بالنصب على المواطنين، عبر الترويج لنشاطها من خلال مواقع التواصل الاجتماعي والإعلانات المبوبة على رغم أنها غير رسمية.
يرى عضو اللجنة العليا السابق للحج والعمرة المهندس هشام أمين أن التصدي لتلك الممارسات أمر لا يقع على عاتق وزارة السياحة والأجهزة الأمنية فقط، لكنه يتطلب تكاتفاً مجتمعياً تشترك فيه كل المؤسسات والجهات، منوهاً أن الدولة لا تتهاون مع المخالفين، وتحاول قدر الإمكان ضبط الخارجين عن القانون.
وبينما يؤكد أمين أن الحج بالإنابة أمر جائز شرعاً، وفق أطر شرعية وفقهية، وفي إطار حالات محددة ومواصفات وشروط معينة، فإنه يرى أن تحوّل الأمر إلى نشاط منظم يمارسه أشخاص كثرٌ عبر صفحات الإنترنت ولأعداد كبيرة من الراغبين في أداء مناسك الحج عن ذويهم ومرضاهم مقابل مبالغ مالية متفاوتة "أمر يُجرده من أهدافه، ويحوله إلى نوع من أنواع الاستيلاء على أموال المواطنين، ويطرح كثيراً من علامات الاستفهام".
وفي مايو (أيار) الجاري، أعلن مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية عبر الصفحة الرسمية على "فيسبوك" أنه يشترط لتوكيل الغير بالحج أن يكون الوكيل حجّ عن نفسه، ويشترط أيضاً في الحج عن الحي أن يكون بإذنه، أما الميت فيجوز الحج عنه بغير إذن سواء كان حجاً واجباً أو تطوعاً، ومن مات وعليه حجة الإسلام، فإنه يستحب أن يؤخذ من تركته نفقة الحج، ويستنيب أهله من يحج عنه من ماله، سواء أوصى بذلك قبل موته أو لم يوصِ.
وتعوّل الرئيسة السابقة للجنة السياحة والطيران في مجلس النواب نورا علي على وعي المواطن نفسه، باعتباره خط الدفاع الأول في مواجهة تلك الممارسات المحظورة، مشددة على ضرورة أن يقوم الشخص قبل منح أمواله لأية شركة تعمل في الحج بالتأكد من نشاطها الرسمي وترخيصها وأرقام التسجيل الخاصة بها، وما إذا كانت مقيدة ومعتمدة في غرفة شركات السياحة من عدمه تجنباً لأن يقع فريسة سهلة لعملية النصب والاحتيال، وتلفت إلى أن وزارة الحج والعمرة تؤكد باستمرار ضرورة حصول الحاج على تصريح رسمي لأداء المناسك.
ولا تنكر نورا علي أن هناك تطوراً في أنواع الجرائم التي تمارس سنوياً والمآسي المتكررة من عمليات النصب على أموال الراغبين في الحج، منوهة أن أية عملية إنابة عن الغير تجري عبر أشخاص لا يحملون تصاريح معتمدة ستعرض صاحبها ومن ينوب عنه للمساءلة القانونية، فضلاً عن الوقوع في مخالفة قانونية.
وأعلنت وزارة السياحة المصرية في مايو الجاري تطبيق حزمة من الإجراءات الرقابية والإدارية الصارمة على شركات السياحة المنظمة لبرامج الحج، بالتنسيق مع السعودية، وفي مقدمتها منظومة وزارة الحج والعمرة، مؤكدة أن مخالفة الضوابط قد يترتب عليه الترحيل والمنع من دخول السعودية فترات طويلة، فضلاً عن غرامات كبيرة.