Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الاستشعار الكمومي: تقنية ستقلب موازين المعادلات العسكرية

بينما تظهر النماذج الأولية المختبرية أداء مذهلاً لا تزال ترجمة ذلك إلى جهاز صغير الحجم ومتين للعمل الميداني تمثل تحدياً

تعمل أجهزة الاستشعار الكمومية على مستوى الحالات الكمومية الفردية وتستفيد من حقيقة أن الجسيمات الكمومية شديدة الحساسية لمحيطها (غيتي) 

ملخص

يضم قطاع الاستشعار الكمومي مزيجاً من شركات المقاولات الدفاعية الراسخة، وعمالقة التكنولوجيا الذين يمتلكون أقساماً لبحوث الكم، وشركات ناشئة متخصصة تركز حصرياً على تطبيقات الاستشعار.

تركز معظم التغطية الإعلامية اليوم على الحوسبة الكمومية، وهي السباق لبناء أجهزة قادرة على حل مشكلات تعجز عنها الحواسيب العملاقة التقليدية. ولكن بينما لا تزال الحواسيب الكمومية على بعد سنوات من الانتشار التجاري الواسع، فإن فرعاً آخر من تكنولوجيا الكم بدأ يحقق بالفعل نتائج ملموسة ألا وهو "الاستشعار الكمومي".

هناك اليوم بالفعل تنافس بين الدول الكبرى على تطوير تقنيات الاستشعار الكمومي، فبينما تشكل الغواصات والقاذفات الشبحية والمقاتلات المتقدمة من الجيل الخامس العمود الفقري لاستراتيجية الردع للدول العظمى بفضل قدرتها على البقاء واختراق دفاعات العدو من دون أن تُكتشف، تكشف تقنيات الاستشعار الكمومي عن التفاعلات على المستوى الذري في الجاذبية والمغناطيسية والضوء، مما قد يبطل مفعول أنظمة الأسلحة التي تعتمد على التخفي والاختفاء ويهدد أسس الردع التقليدي والنووي.

وتستغل أجهزة الاستشعار الكمومي نفس الخصائص الغريبة لميكانيكا الكم التي تجعل الحواسيب الكمومية قوية نظرياً ولكنها تطبقها على تحدٍ مختلف تماماً، فبدلاً من الحوسبة، تهدف أجهزة الاستشعار الكمومي إلى قياس كميات فيزيائية مثل المجالات المغناطيسية، وقوى الجاذبية والزمن والدوران بدقة لا تضاهيها الأدوات التقليدية.

ما الاستشعار الكمومي؟

يعتمد الاستشعار الكمومي في جوهره على استخدام الأنظمة الكمومية، أي الذرات والأيونات والفوتونات، أو حتى العيوب المهندسة في بلورات الألماس للكشف عن التغيرات في بيئتها وقياسها بحساسية فائقة.

تعمل أجهزة الاستشعار الكمومية على مستوى الحالات الكمومية الفردية، فهي تستفيد من حقيقة أن الجسيمات الكمومية شديدة الحساسية لمحيطها. وبذلك يمكن لفوتون واحد أن يكشف عن تغير في الجاذبية، ويمكن لذرة محصورة أن تستشعر مجالاً مغناطيسياً على مستوى الفيمتو تسلا (وحدة قياس شدة المجال المغناطيسي بالغة الدقة)، ويمكن لمركز النيتروجين أن يقيس تغيرات في درجة الحرارة أصغر من جزء من ألف من الدرجة.

ما الفرق بين الاستشعار الكمومي والاستشعار التقليدي؟

تقيس أجهزة الاستشعار التقليدية الكميات الفيزيائية باستخدام مواد صلبة تستجيب للمؤثرات الخارجية، مثل تمدد الترمومتر بفعل الحرارة أو انحراف مؤشر المقياس المغناطيسي في المجال المغناطيسي. أما أجهزة الاستشعار الكمومي فتستخدم جسيمات كمومية منفردة (ذرات وأيونات وفوتونات) تتميز بحساسية فائقة لبيئتها بفضل خصائص كمومية كالتراكب والتشابك.

وهذا ما يسمح لأجهزة الاستشعار الكمومي برصد إشارات أضعف بكثير مما تستطيع الأجهزة التقليدية قياسه، مما يتيح تطبيقات جديدة مثل تصوير الدماغ في درجة حرارة الغرفة والملاحة المستقلة عن نظام تحديد المواقع العالمي (جي بي أس).

كيف تعمل أجهزة الاستشعار الكمومية؟

تختلف آلية عمل الاستشعار الكمومي باختلاف التطبيق ونوع النظام الكمومي المستخدم، لكن النهج العام يتبع نمطاً ثابتاً، إذ يهيئ العلماء أولاً نظاماً كمومياً في حال ابتدائية محددة بدقة كذرة واحدة مبردة إلى ما يقارب الصفر المطلق، وثانياً يعرض المستشعر للكمية المراد قياسها كمجال مغناطيسي أو تدرج جاذبية أو جهد كهربائي. ويتفاعل النظام الكمومي مع هذه القوة الخارجية، ويحدث هذا التفاعل تغييراً طفيفاً في الحال الكمومية.

أخيراً، يقرأ العلماء الحال الكمومية غالباً بتسليط شعاع ليزر على الذرة وقياس الضوء المتشتت، أو بتحليل طور الفوتونات المتشابكة. وتكشف القراءة عن مقدار تغير الحال الكمومية، والذي بدوره يكشف عن مقدار القوة الخارجية.

كيف تستفيد منها الجيوش في المجال الدفاعي؟

في المجال الدفاعي، تهدد هذه التقنية بجعل أساليب التخفي التقليدية عتيقة، من خلال كشف الأصول العسكرية المخفية عبر الرادار الكمومي وتقنيات الكشف المغناطيسي المتقدمة. فمثلاً كثيراً ما اعتمدت الغواصات على التخفي الصوتي والمغناطيسي للبقاء مخفية، أما الاستشعار الكمومي فيغير طريقة الكشف عنها من خلال استغلال أدنى الاضطرابات البيئية، إذ تستطيع أجهزة مثل مقاييس المغناطيسية الذرية وأجهزة استشعار التداخل الكمومي فائق التوصيل رصد التشوهات المغناطيسية المجهرية التي تحدثها الغواصة في المجال المغناطيسي الطبيعي للأرض.

من هنا ستستطيع أجهزة الاستشعار الكمومية المتقدمة رصد الظواهر الفيزيائية الشاذة، مثل "آثار كلفن" (الآثار المغناطيسية الخافتة التي تخلفها سفينة ضخمة متحركة في الماء)، والتي تتجاوز قدرة السونار التقليدي.

 

وبينما صممت المقاتلات الشبحية من الجيل الخامس لامتصاص وتشتيت رادار الترددات الراديوية التقليدي، تهدف التقنيات الكمومية إلى التغلب على هذه المشكلة بطريقتين رئيستين، أولاهما الإضاءة الكمومية (الرادار الكمومي) باستخدام الفوتونات المتشابكة، إذ تستطيع هذه التقنية إضاءة الهدف باستخدام شعاعين ضوئيين. ولأن شعاعاً واحداً يصطدم بالهدف وينعكس بينما يبقى الآخر معزولاً، يستطيع الرادار الكمومي تصفية الضوضاء الخلفية والتشويش الجوي، وحتى التشويش النشط. ويمكن لهذا الأمر نظرياً تحديد الطائرات الشبحية التي تكاد تكون غير مرئية للرادار التقليدي.

والطريقة الثانية هي تقنية الليدار الكمي، إذ تطلق هذه التقنية أطوالاً موجية ليزرية دقيقة للغاية وقابلة للضبط لاختراق الظروف الجوية السيئة والتمويه، مما يوفر تتبعاً عالي الدقة للطائرات والأهداف منخفضة الرؤية.

من يمتلكها؟

لا تزال هذه التقنية قيد التطوير، وتتفرد الولايات المتحدة والصين وروسيا وبريطانيا بتطويرها، إذ تستثمر الصين وروسيا في أجهزة قياس المغناطيسية الكمومية، وأجهزة قياس الجاذبية الكمومية، وأنظمة الملاحة بالقصور الذاتي، وتختبر البحرية الملكية البريطانية مقاييس مغناطيسية كمومية لرصد الأجسام الصغيرة المغمورة، ويستكشف علماء أميركيون أنظمة ملاحة لا تعتمد على نظام تحديد المواقع العالمية (جي بي أس) وتعتمد على قياس التداخل الذري.

ويبدو أن الصين متقدمة في سباق التسلح البحري نحو دمج أجهزة الاستشعار الكمومية، إذ تشير المعلومات إلى أن الحكومة الصينية أنفقت أكثر من 15 مليار دولار على بحوث الكم، فيما أنفقت الولايات المتحدة 3.8 مليار دولار. وعلى رغم أن الكونغرس أصدر قرارات تدعو وزارة الحرب الأميركية إلى تضييق الفجوة مع الصين، فإن الإنفاق الدفاعي الأميركي على الأنظمة الكمومية لا يزال غير مؤكد، نظراً إلى عدم نضج عدد من التقنيات الكمومية الحالية.

ما أهمية الرادار الكمومي؟

يعد التطبيق الأكثر إثارة للاهتمام للرادار الكمومي بلا شك في المجال العسكري، لا سيما في مكافحة التخفي وكشف التهديدات المتقدمة. فقد صممت الطائرات الشبحية الحديثة، مثل مقاتلة "أف - 35" وقاذفة "بي 2"، لتفادي الرادارات التقليدية بفضل مقطعها الراداري الضئيل للغاية، إذ تعكس أو تمتص معظم طاقة الرادار الساقطة.

ويمكن لرادار كمومي فائق الحساسية أن يغير هذه المعادلة، فبفضل قدرته على فصل صدى الهدف الضعيف عن ضجيج الخلفية الهائل، يمكن للرادار الكمومي نظرياً أن يكشف حتى طائرة شبحية "شبه غير مرئية". وعملياً، يمكن لرادار كمومي يمسح السماء أن يرصد الفوتونات المرتبطة كمومياً العائدة من طائرة شبحية، وأن يميزها عن الفوتونات الحرارية المحيطة، مما يتيح له رصد إشارة دقيقة وسط ضجيج هائل.

وأثارت تجارب الرادار الكمومي الصينية ضجة كبيرة خصوصاً أنها زعمت قدرتها على رصد أهداف على بعد 100 كيلومتر، ووصفها بعضٌ بأنها "قاتلة محتملة للطائرات الشبحية". وإذا تمكن رادار كمومي عامل من تتبع الطائرات المقاتلة أو القاذفات الشبحية من مسافات بعيدة، فسيكون ذلك بمثابة نقلة نوعية في مجال الدفاع الجوي.

وبعيداً من الطائرات الشبحية، يمكن للرادار الكمومي تعزيز قدرة الكشف عن مجموعة واسعة من الأهداف العسكرية، كأن يحسن تتبع الصواريخ الباليستية ورؤوسها الحربية، وكشف الغواصات الشبحية وتتبع الصواريخ الفرط صوتية منخفضة الرصد أو الطائرات المسيرة عالية السرعة (التي قد يكون لها بصمات رادارية صغيرة وتتحرك في بيئات مزدحمة).

واقترح باحثون عسكريون صينيون تركيب رادارات كمومية على منصات قريبة من الفضاء لمراقبة الصواريخ المقبلة أو حتى رصد الأجسام في مدار أرضي منخفض. وفي أحد المفاهيم، يمكن لمنطاد في طبقة الستراتوسفير مزود برادار كمومي أن يشكل مركز إنذار مبكر دائم، لرصد الصواريخ الباليستية أثناء انطلاقها نحو الفضاء أو مراقبة الطائرات الشبحية من الجو.

هل من تطبيقات غير عسكرية لها؟

تتسم التطبيقات المحتملة للاستشعار الكمومي بتنوعها الواسع، إذ تشمل الرعاية الصحية والدفاع والطاقة والنقل والبحوث الأساس. فمثلاً تستخدم "أتوميونيكس"، وهي شركة ناشئة مقرها سنغافورة، ميكانيكا الكم لرصد التغيرات في مجالات الجاذبية، إذ تطور أجهزة استشعار محمولة عالية الدقة تنشئ نماذج ثلاثية الأبعاد تحت سطح الأرض لتحديد الموارد الحيوية اللازمة للتحول في قطاع الطاقة. وقد تتيح هذه التقنية إمكان استكشاف مساحات شاسعة من التضاريس بسرعة ودقة أكبر من ذي قبل، مما يقلل كلف الحفر والنتائج الإيجابية الخاطئة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وفي مجال الطاقة المتجددة، يمكن لأجهزة الاستشعار الكمومية مراقبة السلامة الهيكلية لتوربينات الرياح، والكشف عن التشققات الناتجة من الإجهاد في خطوط الأنابيب، وتحسين استخراج الطاقة الحرارية الأرضية من خلال رسم خرائط تدفقات الحرارة تحت سطح الأرض.

وبينما تشكل البنية التحتية المتقادمة خطراً متزايداً، لا سيما أن الجسور والأنفاق والسدود تتعرض لإجهادات وتشققات داخلية يصعب اكتشافها إلا عند اقتراب الانهيار، تستطيع أجهزة الاستشعار الكمومية رسم خرائط لهذه البنى الداخلية، وتحديد نقاط الضعف قبل وقوع الانهيار الكارثي.

لماذا ستصبح تقنية الاستشعار الكمومي جاهزة للاستخدام قبل الحوسبة الكمومية؟

يختلف الجدول الزمني للاستشعار الكمومي اختلافاً جذرياً عن الحوسبة الكمومية، ويعود السبب إلى الحجم وتحمل الأخطاء، ذلك أن بناء حاسوب كمومي فعال التحكم في ملايين الكيوبتات، والحفاظ على الترابط عبر أنظمة متشابكة ضخمة، وتطبيق بروتوكولات تصحيح الأخطاء يتطلب عدداً أكبر من الكيوبتات لحماية الكيوبتات المنطقية التي تجري العمليات الحسابية.

في المقابل، لا تحتاج أجهزة الاستشعار الكمومي إلى ملايين الكيوبتات، إذ يمكن لأيون واحد محصور أن يعمل كساعة ذرية، ويمكن لسحابة من بضع مئات من الذرات أن تعمل كمقياس مغناطيسي أو مقياس جاذبية. وهذا يعني أن أجهزة الاستشعار الكمومية تواجه عقبات تقنية أقل، فهي قادرة على العمل في بيئات أكبر وتحمل معدلات خطأ أعلى، ومع ذلك تتفوق على البدائل التقليدية.

ما الشركات الرائدة في تطوير الاستشعار الكمومي؟

يضم قطاع الاستشعار الكمومي مزيجاً من شركات المقاولات الدفاعية الراسخة، وعمالقة التكنولوجيا الذين يمتلكون أقساماً لبحوث الكم، وشركات ناشئة متخصصة تركز حصرياً على تطبيقات الاستشعار.

ونذكر من هذه الشركات شركة "فيكتور أتوميك" الأميركية التي تطور أجهزة استشعار ذرية لتطبيقات تحديد المواقع والملاحة والتوقيت الدفاعية والتجارية. وشركة "أتوميونيكس" السنغافورية التي تصنع مقاييس جاذبية كمومية محمولة باستخدام تقنية تداخل الذرات لرسم خرائط باطن الأرض واستكشاف الموارد، إلى جانب شركة "كيو-سي تي آر أل"، وهي شركة عالمية مقرها أستراليا تركز على برمجيات التحكم الكمومي التي تحسن استقرار وأداء أجهزة الحوسبة الكمومية والاستشعار الكمومي.

ما التحديات التقنية التي تواجه أجهزة الاستشعار الكمومية؟

على رغم مزاياها، تواجه أجهزة الاستشعار الكمومية عقبات هندسية حقيقية يجب التغلب عليها قبل أن تتمكن من التوسع خارج نطاق التطبيقات المتخصصة. ولا يزال عدد من أجهزة الاستشعار الكمومية تتطلب غرف تفريغ ضخمة وأنظمة ليزر، ودروعاً مغناطيسية للحفاظ على التماسك الكمومي. وبينما تظهر النماذج الأولية المختبرية أداء مذهلاً، فإن ترجمة ذلك إلى جهاز صغير الحجم ومتين مناسب للعمل الميداني لا يزال يمثل تحدياً.

وتعد أجهزة الاستشعار الكمومية مكلفة التصنيع، إذ إن أنظمة الليزر ومضخات التفريغ والبصريات الدقيقة ليست رخيصة، ولم يسهم التصنيع على نطاق واسع في خفض الكلف كما هي الحال في الإلكترونيات التقليدية. ولكي تخترق أجهزة الاستشعار الكمومية أسواق المستهلكين أو تصبح معدات قياسية في قطاعات مثل البناء والزراعة، يجب أن تنخفض الأسعار بمقدار 10 أضعاف أو أكثر.

اقرأ المزيد

المزيد من علوم