ملخص
في مئويته الأولى، يبدو الدستور اللبناني كأنه نص صامد في بلد لا يحسن الاحتكام إليه. المشكلة، كما يراها متخصصون دستوريون، ليست في عمر الدستور بقدر ما هي في تعطيله واستبدال التسويات والفيتوات والأعراف الطائفية به. بعضهم يدعو إلى تعديلات محددة تعالج الشلل في انتخاب الرئيس وتشكيل الحكومات وتحد من الفيتوات، وبعضهم يرى أن الأولوية ليست لتعديل الدستور بل لممارسته وتنفيذ ما لم ينفذ منه. وبين سوء التطبيق وقانون الانتخاب والطائفية السياسية، يبقى السؤال الأهم: هل يحتاج لبنان إلى دستور جديد، أم إلى دولة تقرأ دستورها أخيراً؟
في مئويته الأولى، يقف الدستور اللبناني كما تقف البلاد نفسها: شيخاً لا يشيخ ووثيقة كلما حاول اللبنانيون الاحتماء بها وجدوا أنفسهم يفاوضون حولها. 100 عام مرت على ولادة النص الذي أراد أن ينظم العيش في بلد صغير بحجمه، كبير بتناقضاته، معلق دائماً بين البحر والجبل، وبين الدولة والطائفة، وبين الداخل الذي لا يكتمل والخارج الذي لا يغيب.
لم يكن الدستور، في أي يوم، مجرد مواد قانونية باردة، بل كان وعداً بدولة، وكان، في الوقت نفسه، اعترافاً مبكراً بأن لبنان لا يحكم بالعدد وحده، ولا بالأحلام وحدها، بل بتوازنات دقيقة تشبه السير على حافة زجاج، لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم، بعد قرن من الاختبارات والانكسارات والتسويات، هو الآتي: هل ما زال هذا الدستور صالحاً للبنان الحاضر، أم أن البلاد تحتاج إلى عقد جديد يخرجها من دوامة التعطيل والفيتوات والخوف المتبادل؟
واليوم تفتح مئوية الدستور الباب أمام قراءة نقدية لا تحتفل بالماضي بقدر ما تحاكم الحاضر، وتسأل بجرأة إن كان الدستور لا يزال بيتاً صالحاً للسكن، أم أنه يحتاج إلى ترميم عميق قبل أن يسقط السقف على الجميع؟
مئوية الدستور مناسبة لفهم فلسفته
نحمل هذا الملف إلى وزير العدل السابق شارل رزق الذي يبدأ مداخلته بتأكيد أن "مئوية الدستور اللبناني تشكل مناسبة لإعادة قراءة فلسفة النظام اللبناني، لا لفتح باب تعديل الدستور أو المساس بتوازناته"، معتبراً أن "الدستور الذي يواكب تقريباً عمر الدولة منذ إعلان دولة لبنان الكبير، أراد أن يؤسس لنظام برلماني يناسب طبيعة لبنان التعددية".
واستعاد رزق تجربة عهد رئيس الجمهورية السابق فؤاد شهاب، معتبراً أنها "برهنت أن صهر الطوائف في مشروع وطني واحد أمر ممكن، وأن الحياة السياسية اللبنانية تستطيع أن تنتظم حول برامج وكتل سياسية عابرة للطوائف، فيما المرحلة الشهابية شهدت قيام كتلتين سياسيتين واضحتين، كتلة حكم وكتلة معارضة، ضمتا شخصيات من مختلف الطوائف، مثل الزعماء كمال جنبلاط وبيار الجميل ورشيد كرامي وصبري حمادة وريمون إده وصائب سلام وكامل الأسعد".
ورأى أن "أهمية تلك التجربة أنها تجاوزت الانقسام الطائفي، وأثبتت أن اللبنانيين قادرون على الانتظام في خيارات سياسية وطنية، لا في اصطفافات مذهبية مغلقة".
ويحذر رزق من "تحويل النقاش الدستوري إلى بحث في تغيير توزيع المواقع بين الطوائف، لأن ذلك قد يفجر التوازن الدقيق الذي يقوم عليه لبنان"، ويشدد على أن "الأزمة ليست في لبنان كدولة ولا في الدستور كنص، بل في أداء طبقة سياسية لا تقرأ روح الدستور، وتحول الأزمات إلى تفاوض دائم على قواعد الحكم بدل تطبيقها".
الطائف لم يفهم كما يجب
بدوره يقول وزير العدل السابق المستشار السابق لرئيس الجمهورية سليم جريصاتي إن "الدستور اللبناني هو عميد الدساتير العربية التي لا تزال مطبقة، وهو لم يهرم، بل خضع لتعديلات عدة، كان أبرزها تعديل الطائف الذي أدخل إلى الدستور عام 1990"، وتابع "الطائف جاء في مرحلة أزمة وجودية كان هدفها وقف الحرب واستعادة الشرعية وتثبيت هوية لبنان العربية، إنما كثر يتحدثون عن الطائف كأنه مجرد اتفاق، فيما أن الإصلاحات الأساسية التي نص عليها أصبحت جزءاً من الدستور، وما لم يدرج فيه بات بمثابة تعهدات وطنية".
وشدد جريصاتي على أن "الطائف لم يقض على صلاحيات رئيس الجمهورية، بل نقل السلطة التنفيذية من الرئيس المنفرد إلى مجلس الوزراء مجتمعاً، في إطار المشاركة في القرار الوطني والمشكلة ليست في النص بل في فهمه وممارسته".
وعن صلاحيات الرئيس رأى أنه لا يزال صاحب القسم، وضامن احترام الدستور، وله مسؤولية كبرى في الحفاظ على سلامة الشعب والأرض واستقلال الوطن، وأن الرئيس يقف على رأس السلطات من دون أن تكون له سلطة أمرية عليها، مضيفاً أن "لبنان فشل في احترام الطائف لا الطائف فشل"، مؤكداً أنه لا يدعو إلى استعادة الصلاحيات بمعنى انتزاعها مجدداً من السلطة التنفيذية، بل إلى ممارسة الصلاحيات التي لا تزال قائمة.
وفي سياق متصل، اعتبر جريصاتي أن "لبنان لا يعالج أزماته غالباً بتطبيق الدستور، بل بإعادة التفاوض على قواعد الحكم، وبأعراف جديدة وتسويات ظرفية"، فيما يبقى "لبنان بحكم موقعه الجيواستراتيجي وتنوعه الداخلي عرضة للتدخلات، لكن المشكلة الأساسية أن أطرافاً سياسية كثيرة تربط مصالحها بالخارج أكثر مما تربطها بالمصلحة الوطنية"، مضيفاً أن "الحكم الرشيد يبدأ بأن نعالج أزماتنا من دستورنا وبأنفسنا".
ورأى جريصاتي أن "الأولوية ليست لتعديل واسع في الدستور، بل لتنفيذ ما لم ينفذ منه، وفي مقدم ذلك إنشاء مجلس الشيوخ، وتطبيق اللامركزية الإدارية الموسعة، والعمل على إلغاء الطائفية السياسية من دون إلغاء الطوائف"، معتبراً أن "الخروج من الأزمة يحتاج أيضاً إلى طبقة سياسية جديدة تنشأ من قانون انتخاب يعكس المجتمع اللبناني، لا مصالح القوى التقليدية".
الدستور أعجز من أن يحسم الأزمات
من ناحيته، يقول الوزير السابق المحامي زياد بارود إن "100 عام على الدستور اللبناني تشكل محطة أساسية لإعادة قراءة النص الدستوري ومدى ملاءمته لواقع لبنان الحالي"، لافتاً إلى أن "دستور عام 1926 كان مستوحى إلى حد كبير من دستور الجمهورية الثالثة الفرنسية لعام 1875".
ورأى بارود أن "التطورات الدستورية التي عرفتها فرنسا، وآخرها دستور الجمهورية الخامسة عام 1958، لا تعني بالضرورة أن على لبنان أن يسير في الاتجاه نفسه، لأن ظروف كل بلد ومجتمع سياسي تختلف عن الآخر، ولأن الدستور يبقى مرتبطاً بصورة وثيقة بالحال السياسية والشعبية وبالتفاهمات والمصالح التي تحكم الحياة العامة".
وأوضح أن "دستور 1926 عرف تعديلات عدة، أبرزها تلك التي طرأت بعد اتفاق الطائف الذي أقر 1989، وترجم جزئياً في التعديل الدستوري الصادر في 1990، إنما كل ما ورد في اتفاق الطائف لم يتحول إلى تعديلات دستورية"، موضحاً أن "اللامركزية الإدارية الموسعة التي نص عليها الاتفاق لم تدخل في الدستور المعدل لعدم الضرورة، فيما دخل بند إنشاء مجلس الشيوخ في المادة 22 الجديدة من الدستور".
ولفت إلى أن "جزءاً كبيراً من اتفاق الطائف أصبح أحكاماً دستورية، لكن ليس الاتفاق بكليته، مما يفرض عند الحديث عن صلاحية الدستور السؤال: عن أي دستور نتحدث؟ دستور 1926 أم الدستور المعدل جذرياً عام 1990؟".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
صلاحية الدستور وانتظام المؤسسات
يؤكد بارود أن "دستور 1926 لم يعد صالحاً قبل تعديلات الطائف، وأن السؤال الحقيقي اليوم هو ما إذا كان الدستور المعدل عام 1990 لا يزال صالحاً، فيما صلاحية أي دستور ترتبط بمدى قدرته على تأمين مستلزمات انتظام الحياة السياسية، وبمدى فاعلية المؤسسات الدستورية وانتظام عملها وقدرتها على تقديم الأجوبة في حالات النزاع والأزمات"، واعتبر أن "الدستور اللبناني، على رغم أنه جيد ويتضمن ضمانات أساسية وردت خصوصاً في مقدمته، يبدو أعجز من أن يقدم حلولاً ناجعة للأزمات، لأنه يفتقر إلى أحكام واضحة تحسم الخلافات الدستورية والسياسية عند وقوعها".
يتوقف بارود إلى "عدد من الثغرات التي تكشف الحاجة إلى مراجعة جدية"، سائلاً عن سبب تغييب صلاحية تفسير الدستور عن المجلس الدستوري، وعن غياب المهل الدستورية الملزمة في محطات أساسية من الحياة السياسية، وكذلك المهلة المفتوحة لرئيس الجمهورية للدعوة إلى الاستشارات النيابية الملزمة لتسمية رئيس حكومة، وكذلك المهلة المفتوحة للرئيس المكلف لتشكيل حكومته، معتبراً أن "هذه الأمثلة تظهر وجود فراغات دستورية تترك البلاد أمام فوضى متكررة عند كل أزمة سياسية".
تقييم الطائف قبل تعديل الدستور
وشدد بارود على أن "المعضلة الأساسية تكمن في غياب أي تقييم جدي لاتفاق الطائف، للبحث في الثغرات التي ينبغي معالجتها بعد أكثر من ثلاثة عقود على إقراره فيما تعديل الدستور قد يصبح لازماً لوضع حد لفوضى دستورية متكررة، لكن هذا المسار يجب أن يتم ديمقراطياً وبعيداً من منطق الغالب والمغلوب".
وتابع "أي تعديل للدستور يفرضه غالب على مغلوب هو تعديل مرفوض، كذلك فإن أي تعديل انقلابي مرفوض"، داعياً اللبنانيين واللبنانيات إلى "الالتقاء ديمقراطياً لتقرير ما هو الأفضل من أجل لبنان مستقر، ناهيك بأن النقاش الدستوري يجب ألا يتحول إلى صراع جديد على موازين القوى، بل إلى فرصة لإصلاح الدولة وتحصين المؤسسات وإعادة انتظام الحياة السياسية على قاعدة التوافق الديمقراطي والمصلحة الوطنية".
لبنان لا يحتاج إلى دستور جديد
في السياق يعتبر المتخصص في مجال العلوم السياسية والشؤون الدولية الدكتور عماد سلامة أن "الدستور اللبناني، بعد نحو 100 عام على صدوره عام 1926، ما زال وثيقة دستورية متماسكة ومرنة، استطاعت الصمود والاستمرار مقارنة بدساتير كثيرة في المنطقة"، لافتاً إلى أن "التعديلات المتكررة التي خضع لها سمحت له بالتكيف مع التحولات السياسية والاجتماعية".
واعتبر أن "الإشكالية الأساسية ليست في النص الدستوري بحد ذاته، بل في الواقع السياسي اللبناني الذي يتجاوز أحياناً قدرة الدولة على فرض عقد وطني مستقل"، عازياً ذلك إلى "التدخلات الإقليمية والدولية التي تحد من فعالية المؤسسات وتضعف السيادة الوطنية"، وأضاف "لا يحتاج بالضرورة إلى دستور جديد، بل إلى تعديلات دستورية محددة من شأنها تفعيل الحياة السياسية والتخفيف من حالات الشلل، سواء في تسمية رئيس الحكومة أو تشكيل الحكومات أو انتخاب رئيس الجمهورية أو آليات انعقاد البرلمان، إضافة إلى الحد من استخدام الفيتوات الطائفية".
وأوضح أن "الدستور الحالي يتضمن مبادئ دولة عادلة وتعددية، غير أن المشكلة تكمن أكثر في القوانين التطبيقية، ولا سيما قوانين الانتخابات والأحوال الشخصية الطائفية، التي تعزز الانتماءات المذهبية على حساب المواطنة الجامعة".
الطائفية بين الضمانة والتعطيل
وفي قراءته للطائفية السياسية، رأى سلامة أن "المحاصصة الطائفية ليست منصوصاً عليها بصورة مباشرة في الدستور بقدر ما ترتبط بالميثاق الوطني وبالقوانين والأعراف الطائفية، وهذه الأخيرة تتعزز بفعل ارتباط الجماعات اللبنانية بمحاور إقليمية ودول راعية".
وقال إن "تجارب تقاسم السلطة موجودة في دول كثيرة، ويمكن أن تساعد المجتمعات التعددية على إدارة تنوعها"، معتبراً أن "النظام التوافقي في لبنان أسهم في احتواء كثير من الصراعات، ويمكن تطويره وتحسينه بدل إلغائه بالكامل، لأنه لا يزال يؤمن شعوراً بالطمأنينة والتمثيل لفئات واسعة".
يعتبر سلامة أن "تعديلات الطائف (عام 1990) كرست المناصفة بين المسلمين والمسيحيين كمرحلة انتقالية نحو إلغاء الطائفية السياسية وفق المادة 95، لكنها في الوقت نفسه أدخلت بعض الالتباسات، ومنها فكرة إنشاء مجلس شيوخ يمثل الطوائف ويتولى القضايا المصيرية"، وتابع أن هذه المسائل تحتاج إلى حسم واضح إذا كان لبنان سيتجه فعلاً نحو دولة غير طائفية، لكن هذا الطرح لا يزال مبكراً في ظل تصاعد الهواجس الطائفية عالمياً وإقليمياً، وخصوصاً لدى الأقليات، مما يدفع شريحة واسعة من اللبنانيين إلى التمسك بالنظام التوافقي كضمانة ضرورية على رغم ما يسببه من ضعف وتجزئة في السلطة العامة.
الإصلاح يكمن في التفاصيل
عن أبرز النصوص في الدستور اللبناني التي تحتاج إلى معالجة، رأى سلامة أنها "تبدأ بحسم مسألة المادة 95 بصورة واضحة ونهائية، إضافة إلى إعادة النظر في آليات انتخاب رئيس الجمهورية والنصاب والدورات الانتخابية، وتسمية رئيس الحكومة والمهل المتعلقة بتشكيل الحكومات، وربما مدة الولاية الرئاسية".
وشدد كذلك على "ضرورة تطوير قوانين الانتخابات لمعالجة قضايا الاغتراب والمراكز الكبرى والتوزيع التمثيلي، إلى جانب إصلاح قوانين الأحوال الشخصية والمحاكم الدينية، وإقرار كوتا نسائية، وتنظيم الأحزاب السياسية، وتعزيز اللامركزية الإدارية"، مؤكداً أن "أي تعديل دستوري يجب أن يتم ضمن مناخ من الاستقرار النسبي والتوافق الوطني، لا في ظل الانقسامات الحادة أو الضغوط الخارجية، كي لا يتحول النقاش الدستوري إلى صراع على موازين القوى، بل إلى مسار إصلاحي لبناء دولة أكثر فاعلية وعدالة".