Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

تفريغ وتموضع ومراقبة: مخطط "رواد الباشان" للجنوب السوري

يرى مراقبون أنه لا ينبغي فصل الحركة عن التحول الأوسع في العقيدة الأمنية الإسرائيلية

لا تتوقف محاولات الإسرائيليين لقضم أراض سورية ولبنانية وفلسطينية (أ ف ب)

ملخص

يلوح مراقبون بخطورة التطورات الأخيرة للمستوطنين في جنوب سوريا وبالذات على المناطق الحدودية مع إسرائيل وسفوح جبل الشيخ.

من قمم مرتفعات جبل الشيخ، هذا الاسم الذي جاء كناية على الرأس المكلل بالثلج والتصق بأعالي الجبال الواقعة بين لبنان وسوريا وفلسطين، تخوض إسرائيل التي أحكمت قبضتها على تلك البقعة الاستراتيجية في المنطقة، أشرس معارك السيطرة على الجغرافيا السياسية منذ سقوط نظام بشار الأسد.

ومن جهة ثانية تدور في سفوح هذا الجبل من ناحية الحدود البرية الإسرائيلية عمليات مشبوهة، بل وتُرسم خطط من قبل مستوطنين إسرائيليين للاستيلاء على الأراضي بهدف بناء وحدات استيطانية في أكثر المواقع وفرة للمياه وخصوبة للأراضي.

السياج الحدودي

وأعلن الجيش الإسرائيلي أن قواته أوقفت نحو 30 مستوطناً، يوم الأحد الماضي، عندما توغلوا في الأراضي السورية مطالبين بمنح الموافقة والضوء الأخضر لإقامة مشاريع استيطانية في المنطقة التي يطلق عليها اسم (الباشان)، وتكرر ذلك في اليوم التالي أي أمس الإثنين مع اعتقال 10 مستوطنين من الحركة ذاتها في أعقاب اجتيازهم السياج الحدودي.

في المقابل نأى الجيش الإسرائيلي بنفسه عن هذه التحركات، وعد تلك الحادثة انتهاكاً خطراً يعرض حياة الجنود والمدنيين للخطر، وفق بيان دان عملية اقتحام الأراضي السورية. وتزامنا أعلنت هيئة البث الإسرائيلية أن "ما حدث هي المرة الرابعة خلال أقل من 24 ساعة يسعى فيها ناشطون من حركة رواد الباشان العبور إلى سوريا".

العقدة الأمنية

في الأثناء يلفت الرئيس التنفيذي لمركز ريكونسنس للدراسات والأبحاث، عضو نادي الصحافة في واشنطن، عبدالعزيز العنجري الانتباه إلى أنه "لا ينبغي فصل حركة رواد الباشان عن التحول الأوسع في العقيدة الأمنية الإسرائيلية بعد السابع من أكتوبر (تشرين الأول) عام 2023، فما يبدو ظاهرياً محاولة استيطانية محدودة في سفوح جبل الشيخ، هو في أحد أبعاده جزء من تصور إسرائيلي أوسع يقوم على إحاطة مواقعها بمناطق عازلة خالية أو شبه خالية من السكان، من غزة إلى جنوب لبنان، وصولاً إلى جنوب سوريا".

وقال العنجري في حديثه لـ"اندبندنت عربية"، إن "إسرائيل تعلمت من تجربتها الطويلة في جنوب لبنان بين عامي 1982 و2000، التي تؤكد أن الاحتلال المباشر لمنطقة مأهولة يمكن أن ينتج مقاومة شعبية مكلفة، لذلك فإن ما نراه اليوم يبدو سعياً إلى إنشاء فراغ أمني وسكاني يقلل احتمالات تشكل مقاومة محلية مستقبلية"، وتابع "في غزة، يمكن ملاحظة نموذج يقوم على التدمير الواسع، وتقليص المساحة القابلة للحياة، وإنشاء مناطق عازلة مهدمة وغير صالحة للسكن. وفي جنوب لبنان تبدو إسرائيل كأنها تدفع باتجاه واقع مشابه بين جنوب الليطاني والخط الأزرق. أما في سوريا فقد وجدت إسرائيل في سقوط النظام السابق وتآكل معادلة اتفاق فك الاشتباك لعام 1974 فرصة لتوسيع هامش حركتها العسكرية في مناطق جنوبية حساسة".

ويشرح العنجري أنه منذ التغيير السياسي في سوريا أواخر عام 2024، تصرفت إسرائيل، وكأن اتفاق 1974 لم يعد مهماً، وليست مقيدة بالترتيبات القديمة التي كانت قائمة مع نظام الأسد، ومن هنا يمكن فهم عمليات القصف الواسعة للترسانة العسكرية السورية، ثم التوغل التدريجي وإنشاء نقاط مراقبة متقدمة داخل مناطق لم تكن سابقاً ضمن هامش الحركة الإسرائيلية المباشرة.

جبهات وتدمير المقدرات

في غضون ذلك يلوح مراقبون بخطورة التطورات الأخيرة جنوباً وبالذات على المناطق الحدودية مع إسرائيل وسفوح جبل الشيخ. واعتبر فريق أن "ما يحدث يعد تتمة لعملية التوغل التي تواصل حكومة بنيامين نتنياهو السعي إلى فرضها منذ أكثر من عام علاوة على سعيها إلى تدمير السلاح السوري المتطور وعملت على ذلك منذ يوم التحرير من النظام السابق، وعكفت على توجيه ضربات دمرت خلالها السلاح الاستراتيجي للجيش السوري عبر غارات جوية كثيفة في الأيام الأولى لسقوط حكم بشار الأسد وهربه إلى موسكو في أواخر عام 2024 على مواقع محددة في دمشق وريفها وحمص ومدن جنوبية حدودية تتموضع فيها كتائب الجيش المقاتلة بذريعة تخوفها من وصول التيارات المعارضة المتشددة للحكم".

 

ومقابل هذا بثت دمشق عبر حكومة الرئيس السوري أحمد الشرع رسائل طمأنة منذ تسلمها مقاليد الحكم حول إقامة سوريا علاقات طيبة مع دول المنطقة بخاصة دول الجوار، وأطلقت برعاية الولايات المتحدة محادثات مع إسرائيل للوصول إلى اتفاق أمني.

ويصف الناشط المدني ياسر الخطيب وهو من مدينة درعا جنوب سوريا ما يحدث من تحركات لحركة رواد الباشان بأنها "لا تتخطى وسيلة من وسائل الضغط"، قائلاً "الأهالي في درعا وفي سفوح جبل الشيخ مع وحدة الأراضي السورية ولا يمكن أن يحدث أي تطور أو أي مخطط مما تفكر به هذه الحركة على الإطلاق، وكل ذلك يعود إلى وعي الأهالي وضبط النفس الذي يتحلى به الجميع أمام كل الحركات الاستفزازية التي تمارسها إسرائيل".

وأُسست حركة "رواد الباشان" خلال أبريل (نيسان) عام 2025، وتضم مستوطنين من الضفة الغربية والجولان السوري المحتل من قبل إسرائيل في عام 1967، إذ يطالب ناشطو هذه الحركة بإقامة مستوطنات دائمة في الأراضي السورية. وتستند الحركة إلى روايات دينية وتاريخية مرتبطة بمنطقة "الباشان" المذكورة في التوراة، وتحدثت تقارير في تل أبيب عن دعم سياسي تتلقاه الحركة من شخصيات داخل الائتلاف الحاكم ويعد أبرز المتحدثين باسم الحركة، عاموس عزريا.

الجغرافيا السياسية

بالعودة إلى الرئيس التنفيذي لمركز ريكونسنس للدراسات والأبحاث، عبدالعزيز العنجري، يقول "رواد الباشان ليست مهمة فقط بحجمها التنظيمي، بل بما قد تكشفه من اتجاه سياسي واستيطاني داخل اليمين الإسرائيلي"، هذا ما أفضى إليه حديث رئيس مركز ريكونسنس للأبحاث، العنجري في مستهل رأيه عن أهداف هذا النوع من الحركات التي تبدأ غالباً كاختبار للحدود: (دخول محدود، احتكاك محسوب، انسحاب موقت، ثم عودة متكررة) ومع الوقت يمكن أن يتحول الفعل الرمزي إلى واقع ميداني، ثم إلى ملف تفاوضي، ثم إلى أمر واقع يصعب التراجع عنه، وهذا المنطق ليس بعيداً عما حدث في أجزاء واسعة من الضفة الغربية"، وتابع "الأخطر، في تقديري، أن ما يحدث في جنوب سوريا قد لا يقتصر على البعد العسكري بل حول مؤشرات على محاولة لإعادة تعريف الجغرافيا السياسية نفسها من الحديث عن الجولان وحدود ١٩٦٧، إلى دفع سوريا نحو الاكتفاء بالمطالبة بالعودة إلى ترتيبات ١٩٧٤، أي إن سقف المطالبة السورية قد يتعرض، مع الوقت، للتخفيض من استعادة الأرض المحتلة إلى مجرد العودة إلى خط فك الاشتباك".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ومع سقوط النظام السابق رصدت منظمة مراقبة حقوق الإنسان نحو 200 عملية توغل إسرائيلية في جنوب سوريا منذ أواخر 2024 وحتى أكتوبر عام 2025 لوحدها، منها 130 عملية توغل بري نفذتها قوات المشاة والمدرعات، وعمليات خاطفة في العمق منها عملية قصف وتدخل بري وصلت أخيراً إلى منطقة "بيت جن" في ريف دمشق ثم انسحبت.

الجبل وسهم باشان

إزاء ذلك تنفذ القوات الإسرائيلية عمليات برية وجوية داخل العمق السوري مع سيطرتها منذ أكثر من عام على جبل الشيخ (قمة استراتيجية، ارتفاعه 2800 متر تكشف الحدود السورية واللبنانية) بالتوازي مع انتهاكات في حق السوريين بلغت 36 سورياً، فضلاً عن اعتقالات ومداهمات في ريف القنيطرة في حق الأهالي، مع إطلاقها عملية "سهم باشان" بهدف الاستيلاء على أراضٍ سورية وتحويلها إلى منطقة عازلة، بحيث تجاوزت الأراضي التي توغلت بها نحو 460 كيلومتراً بمدة وجيزة منذ سقوط النظام خلال ديسمبر (كانون الأول) 2024 حتى أبريل 2025 في خرق واضح للاتفاقات الدولية.

ومع هذا دعت الأمم المتحدة إلى ضرورة وقف الانتهاكات الإسرائيلية، وطالب نائب المبعوث الأممي الخاص إلى سوريا، كلاوديو كورداني إسرائيل بتوضيح مصير المحتجزين السوريين لديها، واصفاً "التوغل والقصف والعمليات العسكرية في القنيطرة ودرعا بأنها انتهاك للسيادة السورية ووحدة أراضيها وتضر بالمدنيين".

ويؤكد العنجري ضرورة تجاهل البعد الدرزي في هذه المعادلة والتعامل معه بحذر شديد، فتصاعد استخدام تعبيرات مثل (جبل الباشان) بدلاً من (جبل العرب) أو (جبل الدروز)، ومحاولات بعض الأطراف ربط دروز السويداء بدروز الجولان المحتل، وصولاً إلى طروحات تتحدث عن امتداد درزي من السويداء إلى مجدل شمس وربما إلى الشوف، كلها مؤشرات خطابية وسياسية تستحق المراقبة.

وختم حديثه بالقول "هدف رواد الباشان هو تحقيق استيطان تدرجي وبطيء في المدى الطويل، فإسرائيل لا تحتاج دائماً إلى إعلان مشروع استيطاني رسمي منذ البداية، يكفي أن تسمح بحركة اختبارية، ثم تحميها أمنياً، ثم تترك الزمن يحولها إلى واقع قابل للتفاوض أو التطبيع، ما يحدث في سفوح جبل الشيخ على الأرجح جزء من مخطط أوسع يمتد من غزة إلى جنوب لبنان إلى جنوب سوريا ويتبنى (تفريغ، تموضع، مراقبة)، ثم هندسة سياسية وأمنية جديدة للحدود، وإذا لم تكن هناك كلفة عربية ودولية واضحة، فإن ما يبدأ اليوم باسم الأمن قد يتحول لاحقاً إلى مشروع استيطاني طويل الأمد".

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير