ملخص
نتيجة هذا التوجه العالمي والتوسع في إنتاج الطاقة بالمفاعلات النووية، يزيد الطلب على الوقود الأساس لتلك المفاعلات، وهو اليورانيوم.
بعد مرور أعوام طويلة على آخر كارثة نووية عالمية، في محطة فوكوشيما باليابان عام 2011، يعود الاهتمام العالمي بتوليد الطاقة من المحطات النووية.
وفي ظل صدمات الطاقة المتتالية منذ حرب أوكرانيا، التي أدت إلى اضطراب سلاسل إمداد النفط والغاز مع الحظر والعقوبات على روسيا، ثم الحرب الحالية في الشرق الأوسط، زاد توجه العالم للاعتماد على توليد الطاقة من المحطات النووية.
وإن كان التوجه نحو مصادر الطاقة من المفاعلات النووية قد بدأ حثيثاً قبل ذلك، مع التحول في مجال الطاقة إلى مصادر مستدامة قليلة أو منعدمة الانبعاثات الكربونية، في سياق سياسات مكافحة التغيرات المناخية.
وبدأت دول كثيرة إعادة تشغيل محطات نووية كانت توقفت بسبب مخاوف السلامة أو قرب نهاية العمر الافتراضي للمفاعلات، وشرعت دول أخرى في بناء محطات جديدة لتقليل الاعتماد على النفط والغاز.
وفي تقرير هذا الأسبوع من "أس أند بي غلوبال ماركت إنتليجنس"، كتب الباحثون متوقعين موجة من إحياء مفاعلات الطاقة النووية نتيجة اضطراب أسواق النفط والغاز الطبيعي المسال العالمية بسبب الحرب في الشرق الأوسط.
هذا التوجه نحو زيادة توليد الكهرباء من محطات تعمل بمفاعلات نووية يزيد الاهتمام بالمصدر الأساس للطاقة في تلك المفاعلات، وهو اليورانيوم، وقدر التقرير أن تشهد أسواق اليورانيوم العالمية ضغطاً متصاعداً بسبب الطلب المتنامي عليه.
تنافس صيني - أميركي
تبدو الدول المستهلكة للطاقة، خصوصاً في آسيا، أكثر إقبالاً على توليد الطاقة بالمحطات النووية لضمان أمن الطاقة بعيداً من المصادر التي تتعرض للاختناق، كالنفط والغاز والفحم، وأيضاً لتقليل الانبعاثات الكربونية. لذا، أعادت اليابان تشغيل محطات طاقة نووية كانت أخرجت من الخدمة، وكذلك فعلت كوريا الجنوبية بزيادة نصيب الطاقة النووية من سوق الطاقة في البلاد. إلا أن دولاً منتجة للطاقة التقليدية، من النفط والغاز، بدأت أيضاً في استخدام المفاعلات النووية لتوليد الطاقة، لتنويع اعتمادها على مصادر مختلفة ومتجددة.
أما الصين، التي دخلت المجال النووي متأخرة عن أميركا وروسيا مثلاً، فتتوسع في إنتاج الطاقة بالمفاعلات النووية لتوفير الكهرباء لقطاعها الصناعي المتنامي من ناحية، وأيضاً لتقليل الانبعاثات المسببة للاحتباس الحراري من ناحية أخرى، لذا فإن نحو نصف المفاعلات النووية الجديدة لإنتاج الطاقة حول العالم حالياً توجد في الصين.
وبنهاية عام 2023، ذكر تقرير للوكالة الدولية للطاقة الذرية أن هناك 21 مفاعلاً نووياً قيد الإنشاء في الصين، تستهدف توليد 21.61 غيغاواط من الكهرباء. وجاءت الهند في المرتبة الثانية من حيث التوسع في بناء المفاعلات النووية، مع ثمانية مفاعلات تحت الإنشاء تستهدف إنتاج ستة غيغاواط من الطاقة الكهربائية، وفي المرتبة الثالثة تركيا، التي كانت في طور بناء أربعة مفاعلات نووية لإنتاج 4.5 غيغاواط.
أما بحسب تقرير "غلوبال ماركت إنتليجنس" هذا الأسبوع، فإن هناك حالياً 40 وحدة توليد طاقة بالمفاعلات النووية قيد الإنشاء في الصين.
ويُذكر أن مفاعلاً نووياً ينتج 1 غيغاواط يمكن أن يخفض استهلاك الغاز الطبيعي المسال بمقدار 850 ألف طن متري سنوياً، أو 2.22 مليون طن متري من الفحم، أو يخفض استهلاك النفط بمقدار 26710 براميل يومياً.
وعلى رغم هذا السباق الآسيوي في بناء محطات الطاقة النووية، تظل الولايات المتحدة في مقدمة دول العالم من حيث عدد المفاعلات النووية العاملة في محطات الطاقة، إذ لديها 93 مفاعلاً تنتج ما يصل إلى 95 غيغاواط من الكهرباء. وهناك عدد معقول من تلك المفاعلات لم يصل إلى نهاية عمره التشغيلي بعد، ويمكن أن يستمر في العمل لأعوام.
غالباً ما تكون مدة عمل المفاعلات النووية من ذلك النوع نحو 60 عاماً قبل إخراجها من الخدمة وتفكيكها، وفي بعض الحالات يمكن أن يصل عمر التشغيل للمفاعل النووي إلى 80 عاماً، بحسب ما ذكر تقرير حول سلاسل الإمداد النووية أصدرته الرابطة النووية العالمية قبل عامين، وهذا ما جعل دولاً مثل اليابان وكوريا وفرنسا والسويد تمدد عمل محطات الطاقة النووية لديها.
وبحسب أرقام تقرير الوكالة الدولية للطاقة الذرية، تأتي فرنسا في المرتبة الثانية بعد الولايات المتحدة في عدد المفاعلات النووية العاملة حالياً، إذ لديها 56 مفاعلاً في محطات للطاقة تنتج 61 غيغاواط من الكهرباء، أما الصين فتأتي في المرتبة الثالثة، مع وجود 55 مفاعلاً نووياً عاملاً في محطات الطاقة، وتنتج ما يصل إلى 53 غيغاواط من الكهرباء.
تكنولوجيا المفاعلات الصغيرة
يتركز الاهتمام حالياً في الولايات المتحدة وكندا على نوع جديد من مفاعلات إنتاج الطاقة بالوقود النووي يختلف عن المفاعلات التقليدية، فالمفاعلات التقليدية كبيرة الحجم وصعبة التشغيل، كما يتطلب بناؤها أن يكون بالقرب من نهر أو بحر لحاجتها إلى كميات هائلة من المياه لتبريد المفاعل، ويتضح ذلك في بلاد مثل فرنسا والسويد التي بنت مفاعلاتها قبل عقود.
أما المفاعلات النموذجية الصغيرة (SMR)، فيجري تطويرها حالياً في أميركا الشمالية لتخدم قطاعات كثيفة الاستهلاك للكهرباء، وتحتاج إلى مصادر طاقة مستقلة عن الشبكة الوطنية للكهرباء. لذا تُبنى تلك المفاعلات لخدمة مواقع صناعية أو مراكز بيانات ضخمة أو أعمال شركات كثيفة الاستهلاك للطاقة.
ونتيجة صغر حجم تلك المفاعلات، يمكن أن تكون بالقرب من المواقع التي تغذيها بالكهرباء، من دون ارتباط بشبكة الكهرباء العامة، كما أنها لا تحتاج إلى جهود تبريد هائلة كالمفاعلات القديمة، فضلاً عن سهولة تفكيكها وتركيبها.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وتتمتع هذه المفاعلات الصغيرة بميزات أمان نووي عالية أيضاً، وتنتج الكهرباء بمعدلات تساوي إنتاج المفاعلات التقليدية، وأحياناً أكبر. إلا أن تلك المفاعلات الصغيرة لا تزال في طور التجريب حتى الآن، ومن غير الواضح بعد مدى إمكانية انتشارها على نطاق واسع، وما إذا كانت ذات جدوى اقتصادية مرتفعة.
وفي أبريل (نيسان) 2025، وافقت هيئة الأمان النووي الكندية على ترخيص لشركة "أونتاريو باور جنريشن إنك" لتصنيع المفاعل "بي دبليو آر إكس – 300"، كأول مفاعل صغير يُصرح بتصنيعه رسمياً.
هكذا، يتوسع العالم في بناء المفاعلات النووية لتوليد الطاقة الكهربائية بالشكل التقليدي، كما تعمل الدول المتقدمة على تطوير تكنولوجيا المفاعلات الصغيرة، التي يمكن أن تؤدي إلى توسع كبير في الطاقة النووية.
سوق اليورانيوم
نتيجة هذا التوجه العالمي والتوسع في إنتاج الطاقة بالمفاعلات النووية، يزيد الطلب على الوقود الأساس لتلك المفاعلات، وهو اليورانيوم. وهناك مخاوف من أن عدم زيادة إنتاج المعدن المشع سيزيد من اختلال ميزان العرض والطلب وارتفاع الأسعار، ويزيد سعر اليورانيوم حالياً على 85 دولاراً للرطل، ويقترب أحياناً من 90 دولاراً.
ويرى البعض أن الاعتماد على اليورانيوم كمصدر مستدام يمثل مخاطرة كبيرة، إذ إن الاحتياطات العالمية المثبتة من المعدن في حدود 7.9 مليون طن. لكن هذه ليست سوى الاحتياطات القابلة للاستخراج، ولا يُعرف حجم الاحتياطات غير المكتشفة حتى الآن. وعلى رغم أن تكوّن معدن اليورانيوم يحتاج إلى أعوام طويلة جداً، فإن وكالة الطاقة الذرية تقول إن تكوينه في الطبيعة يتسق مع معدلات استخراجه واستخدامه، بالتالي فهو مصدر مستدام.
وعلى رغم عودة شركات التعدين إلى سوق إنتاج اليورانيوم بعد أعوام طويلة من ضعف الاستثمارات في ذلك المجال، فإن جانب الإمداد يظل مضغوطاً، خصوصاً مع ارتفاع الطلب في الأعوام الأخيرة. ومع عودة الطلب على المعدن المشع وارتفاع أسعاره، عادت الشركات إلى تشغيل مناجم سابقة توقفت، وبدأت الاستثمار في مناجم جديدة، مثلما يحدث في الولايات المتحدة والنيجر.
على سبيل المثال، في العام قبل الماضي، أعلنت شركة "أورا إنرجي" الأسترالية عن زيادة عمر منجم اليورانيوم التابع لها في موريتانيا من 17 إلى 25 عاماً، متوقعة زيادة الإنتاج منه بنسبة 44 في المئة.
وفي الولايات المتحدة، بدأت شركات مثل "إنكور إنرجي" و"إنرجي فويلز" وشركة "يو آر – إنرجي" الإنتاج من مناجمها في أريزونا ويوتا وتكساس ووايومنغ. وطبقاً لبيانات وكالة الطاقة الذرية الأميركية، يتوقع أن تنتج تلك المناجم مجتمعة أكثر من 2.2 مليون رطل من اليورانيوم بالنظير المشع U3O8، وهو المستخدم في المفاعلات النووية.
ومع ذلك، يظل جانب العرض في سوق اليورانيوم العالمية في وضع لا يمكنه من تلبية الطلب في حال تشغيل كل مفاعلات الطاقة قيد الإنشاء حالياً، أو المتوقعة مع ترخيص تصنيع المفاعلات النموذجية الصغيرة.
وفي ظل توقعات زيادة الطلب على الطاقة من مراكز البيانات الكبرى التي تغذي الذكاء الاصطناعي ومراكز الحوسبة السحابية وغيرها، يمكن أن يرتفع الطلب على الطاقة بمعدلات غير مسبوقة، تشكل ضغطاً أكبر على سوق اليورانيوم العالمية.