ملخص
يقول والد أحد المعتقلين في مدينة ساري الإيرانية "حتى الآن لم نفقد منزلنا، لكننا فقدنا راحتنا. منذ اعتقال ابني ونحن نفكر باستمرار: ماذا إذا صدر في حقه حكم قاسٍ، فكيف يمكن أن نقبل بإرساله إلى الجحيم وتعريض حياته للخطر من أجل المال أو المنزل؟ إذا حدث ذلك، فلن يكون أمامنا سوى تهريبه، وأن نقضي ما تبقى من عمرنا في منزل مستأجر. اللعنة عليهم من البداية إلى النهاية".
لا تزال تداعيات احتجاجات يناير (كانون الثاني) الماضي، تلاحق كثيراً من عائلات المعتقلين، على رغم مرور أربعة أشهر على تلك الأحداث. فبينما أفرج موقتاً عن عدد من الشبان المحتجين بكفالات مالية، وجد آباؤهم وأمهاتهم أنفسهم مضطرين إلى رهن منازلهم أو متاجرهم أو سياراتهم أو مصوغاتهم الذهبية، أي حصيلة أعوام طويلة من العمل والادخار، لدى محاكم "الثورة الإسلامية" لتأمين مبالغ الكفالة الباهظة.
وبالنسبة إلى هذه العائلات، لم يكن الإفراج عن أبنائهم نهاية للمحنة، بل بداية مرحلة جديدة من القلق وانعدام الاستقرار، إذ إن أي استدعاء جديد قد يفضي إلى إعادة اعتقال أبنائهم ومصادرة كامل ممتلكات الأسرة.
وتفيد معلومات حصلت عليها صحيفة "اندبندنت فارسية" من مدن بينها طهران، وكرج، ومشهد، وشيراز، وأصفهان، ورشت، وساري، وكرمانشاه، بأن كثيراً من العائلات أودعت خلال الأشهر الماضية كفالات بمبالغ تراوح ما بين عشرات مليارات التومانات للإفراج الموقت عن أبنائها، وهي مبالغ تفوق في كثير من الحالات إجمال ما تملكه أسرة إيرانية متوسطة.
ويقول أب يبلغ من العمر 58 سنة من مدينة كرج، إنه اضطر إلى تقديم سند منزله ومتجره الصغير للمحكمة لتأمين كفالة بقيمة 12 مليار تومان (80 ألف دولار) لنجله. وأضاف لـ"اندبندنت فارسية" قائلاً، "عملت 30 عاماً حتى تمكنت من شراء هذا المنزل والمتجر. والآن وضعت كل ما أملك مقابل أن يبقى ابني خارج السجن بصورة موقتة. كل يوم أسأل نفسي: ماذا لو صدر في حقه حكم قاس بالسجن، واضطررنا من أجل إنقاذه إلى إخراجه من إيران؟ أين سنعيش حينها؟".
وقالت والدة شابة تبلغ من العمر 24 سنة اعتُقلت في مدينة شيراز، إنها اضطرت إلى بيع جميع مصوغاتها الذهبية للإسهام في تأمين كفالة ابنتها، بسبب عدم امتلاكها أي عقار. وأضافت، "جمعت هذا الذهب طوال أعوام من التعب والعمل الشاق، لكن عندما علمت أن ابنتي قد تبقى في السجن لفترة طويلة، لم يعد أي شيء آخر مهماً بالنسبة إليّ. وخلال الأشهر الثلاثة الماضية منذ بيع الذهب، ارتفعت أسعاره كثيراً، وعندما أستعيد أموالي من المحكمة، فمن المرجح أن تكون قيمتها قد انخفضت بصورة كبيرة".
وتابعت الأم، "الآن، كلما نظرت إلى يدي الخاليتين، أقول لنفسي إن ذلك لا يهم. كل ما أتمناه ألا تعود ابنتي إلى السجن مرة أخرى".
عائلات غرقت في الديون
في كثير من الحالات، لم تكن العائلات تملك ممتلكات أو سندات عقارية تكفي لتأمين الكفالات، مما اضطرها إلى الاستعانة بالأقارب والمعارف أو الحصول على قروض مرهقة. ويقول شقيق أحد المعتقلين في مشهد، "اقترضنا من أشخاص عدة حتى نتمكن من جمع مبلغ الكفالة. وحتى الآن لا نعرف كيف سنسدد هذه الديون. هؤلاء عديمو الضمير لا يحسمون مصير القضية حتى تتحول الحرية الموقتة إلى إفراج نهائي ونستعيد أموالنا. تركونا معلقين بين الأرض والسماء، ولا يعقدون جلسات المحاكمة لأنهم يعرفون أن استمرار حجز الكفالة يزيد معاناتنا. الآن تضطر العائلة بأكملها إلى تخصيص نحو نصف دخلها الشهري لتسديد ديون الكفالة".
وبحسب مصادر مطلعة، فإن الضغوط لا تقتصر على الكفالات المالية فقط. فكثير من العائلات لا تزال تتلقى اتصالات تهديد بعد الإفراج عن أبنائها، أو تُستدعى إلى الجهات الأمنية. وتقول والدة أحد المحتجين في مدينة رشت "أبلغونا أنه إذا شوهد ابننا مرة أخرى في أي تجمع، أو مارس أي نشاط على ’تويتر‘ و’إنستغرام‘، فسيُعاد اعتقاله، وسيصادر منزلنا الذي جرى حجز سنده مقابل الإفراج الموقت عنه". وتضيف "منذ ذلك اليوم، بات قلبي يتوقف من الخوف كلما سمعت جرس الباب".
ويشعر كثر من المفرج عنهم بأنهم أصبحوا عبئاً نفسياً على عائلاتهم. ويقول طالب جامعي يبلغ من العمر 23 سنة من مدينة أصفهان "أكبر عذاب بالنسبة إليّ ليس احتمال عودتي إلى السجن، بل أن تخسر عائلتي منزلها أيضاً إذا حدث شيء ما. هذا ما يدفعني دائماً إلى الحذر والتنازل عن كثير من خطوطي الحمراء، لأنني أشعر بأن عائلتي باتت رهينة بسببي".
الكفالة بوصفها أداة ضغط
ويؤكد حقوقيون أن فرض كفالات باهظة لا يقتصر على الجانب القضائي، بل يُستخدم أيضاً كوسيلة للضغط الاقتصادي والنفسي على العائلات. ويقول محامٍ مقيم في طهران، فضل عدم الكشف عن هويته لأسباب أمنية، لصحيفة "اندبندنت فارسية" إنه "حين تحدد الكفالات بمبالغ تفوق قدرة العائلات المالية أو حتى قيمة منازلها، فإن الهدف لا يكون فقط ضمان حضور المتهم أمام المحكمة، بل يتحول الأمر إلى صورة من صور العقاب ومضاعفة الضغط عليهم".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وتأتي هذه الضغوط في وقت تتفاقم فيه الأوضاع الاقتصادية للمواطنين، مع استمرار التضخم التاريخي، وتراجع قيمة العملة الوطنية، والانخفاض غير المسبوق في القدرة الشرائية، إلى جانب تفاقم البطالة. وفي ظل هذه الظروف، بات تأمين الكفالة بالنسبة إلى كثير من العائلات يعني التفريط بكل ما جمعته خلال عقود من العمل، وهو ما كان يمثل آخر ما تستند إليه لمواجهة الظروف المعيشية القاسية في إيران اليوم.
احتفظنا بالمنزل... لكننا فقدنا الطمأنينة
وفي ختام حديثه إلى "اندبندنت فارسية"، يقول والد أحد المعتقلين في مدينة ساري "حتى الآن لم نفقد منزلنا، لكننا فقدنا راحتنا. منذ اعتقال ابني ونحن نفكر باستمرار: ماذا إذا صدر في حقه حكم قاسٍ، فكيف يمكن أن نقبل بإرساله إلى الجحيم وتعريض حياته للخطر من أجل المال أو المنزل؟ إذا حدث ذلك، فلن يكون أمامنا سوى تهريبه، وأن نقضي ما تبقى من عمرنا في منزل مستأجر. اللعنة عليهم من البداية إلى النهاية".
وبالنسبة إلى مئات العائلات الإيرانية، لم يكن الإفراج عن أبنائها مناسبة للفرح أو الطمأنينة، بل ارتبط بسندات مرهونة وديون ثقيلة وقلق دائم. عائلات تعيش، وسط الأزمة الاقتصادية والقمع السياسي، على خوف مستمر من أن تخسر في لحظة واحدة أبناءها مجدداً، ومعهم المنزل الذي يمثل آخر ما تملكه.
نقلاً عن "اندبندنت فارسية"