ملخص
على رغم استمرار المواجهات في مناطق أخرى من السودان بين الجيش وقوات "الدعم السريع"، أشارت المنظمة الدولية للهجرة إلى عودة نحو 4.1 مليون سوداني لمناطقهم الأصلية، على رغم استمرار الحرب وتدهور الخدمات الأساسية في عدد من الولايات، معتبرة الزيادة المستمرة في أعداد العائدين بأنها "بارقة أمل وسط الأزمة الإنسانية المتفاقمة في البلاد".
واصل الجيش السوداني أمس الأربعاء شن هجومه الجوي الواسع على مواقع قوات "الدعم السريع" في كل من مدن نيالا بولاية جنوب دارفور ومليط بشمال دارفور، إضافة إلى مقجة والكرمك وخور بركة بجنوب النيل الأزرق، مما كبدها خسائر في الأرواح والمعدات.
وانسحب الجيش بحسب مصادر عسكرية من بلدة مقجة، بعد مواجهات عنيفة مع "الدعم السريع" استخدمت فيها الأسلحة الثقيلة والآليات، وذلك ضمن خطة وصفها بالمصيدة لإلحاق الخسائر بالأخيرة وتدمير قواتها المهاجمة.
ويعد الهجوم الجوي على مدينة نيالا، الرابع على التوالي، إذ أشار مواطنون إلى إنهم سمعوا أصوات انفجارات عنيفة باتجاه المناطق الشمالية للمدينة، وتحديداً المطار.
ووفقاً لوسائل إعلام محلية، فإن طائرة شحن مجهولة أنزلت عتاداً عسكرياً ضخماً داخل المطار، وهو ما قاد سلاح الجو إلى تنفيذ سلسلة غارات جوية عنيفة استهدفت مواقع وتجمعات تلك القوات الموجودة في محيط المدينة، بهدف تدمير الشحنات العسكرية ومنع توزيعها على المحاور القتالية المختلفة.
ويتبع الجيش استراتيجية تهدف إلى تعطيل خطوط الإمداد اللوجستي بصورة نهائية من خلال تحييد مطار نيالا وإخراجه عن الخدمة العسكرية التي تستغلها هذه القوات، مما يضيق الخناق على تحركاتها الميدانية ويفقدها ميزة الإمداد السريع التي كانت تعتمد عليها أخيراً، فضلاً عن منع وصول أية مساعدات عسكرية عبر الممرات الجوية التي تسيطر عليها "الدعم السريع" في ولاية جنوب دارفور، وشهدت مدينة نيالا عقب هذه الهجمات الجوية حالة من الاستنفار العسكري، وسط أنباء عن وقوع خسائر كبيرة في العتاد الذي تم إنزاله في المطار.
استهداف الدلنج
في المقابل، شنت قوات "الدعم السريع" قصفاً مدفعياً عنيفاً على مدينة الدلنج، ثاني أكبر مدن ولاية جنوب كردفان، أدى إلى مقتل ستة مدنيين وإصابة 15 آخرين بينهم ست نساء، بحسب "شبكة أطباء السودان".
وتشهد الدلنج تصاعداً في أعمال القصف والاشتباكات المسلحة منذ اندلاع الحرب في السودان في الـ15 من أبريل (نيسان) 2023، مما أدى إلى تدهور الأوضاع الإنسانية وتزايد أعداد النازحين، في ظل نقص حاد في الخدمات الأساسية والرعاية الصحية.
وقالت الشبكة في بيان إن "القصف استهدف محيط السوق الكبير والموقف العام بمدينة الدلنج، مما أسفر عن سقوط ضحايا وناشطين في العمل التطوعي والإنساني أثناء إعداد وجبات للنازحين بالمنطقة"، وأفادت الشبكة بأن فرقها الميدانية رصدت تنفيذ القصف بصورة متعمدة على الأحياء المدنية، في إطار الهجمات المتكررة التي تتعرض لها المدينة من قوات "الدعم السريع" و"الحركة الشعبية - شمال" بقيادة عبدالعزيز الحلو خلال الفترة الأخيرة.
وأكد البيان أن القصف المتواصل على الأحياء السكنية والأسواق والمرافق المدنية فاقم من حجم الأزمة الإنسانية والصحية في المدينة، التي تعاني انهياراً واسعاً في الخدمات الطبية ونقصاً حاداً في الأدوية والمستلزمات العلاجية.
انتهاكات بكاودا
في منحى آخر، تزايدت الانتهاكات ضد المدنيين في مدينة كاودا ومحيطها بولاية جنوب كردفان، إذ قتل أكثر من 61 شخصاً بينهم تسعة أطفال وخمس نساء، نتيجة اشتباكات وأعمال عنف ذات طابع قبلي.
وأشارت "شبكة أطباء السودان" في بيان إلى أنها تلقت إفادات وشهادات متطابقة من ناجين تفيد بوقوع عمليات قتل خارج نطاق القانون وعمليات ذبح وحرق للمنازل والمتاجر، فضلاً عن أعمال نهب واسعة، متهمة قوات تتبع للحركة الشعبية - شمال بالمسؤولية عن الانتهاكات.
واندلعت الاشتباكات وفقاً للبيان، بين قوات "الحركة الشعبية" وأفراد من قبيلة الأطورو، قبل أن تتوسع دائرة العنف داخل مناطق حول كاودا، مما تسبب بموجة نزوح كبيرة وحالة من الهلع وسط السكان المدنيين، إذ تحولت مناطق الأطورو خلال الأيام الماضية إلى ساحة انتهاكات مروعة، وسط استمرار عمليات الحرق والتضييق على المدنيين وغياب الممرات الآمنة لإجلاء الجرحى أو إيصال المساعدات الإنسانية، مما فاقم الأوضاع الصحية والإنسانية بصورة كبيرة.
وحملت الشبكة قيادة "الحركة الشعبية" المسؤولية الكاملة عن الانتهاكات، داعية إلى فتح مسارات إنسانية عاجلة وإتاحة وصول المنظمات الإنسانية إلى المناطق المتضررة، كما طالبت الهيئات الحقوقية الإقليمية والدولية بالتدخل لحماية المدنيين.
البرهان يزور البحرين
سياسياً، ناقش رئيس مجلس السيادة السوداني عبدالفتاح البرهان مع ملك البحرين حمد بن عيسى آل خليفة أمس الأربعاء، خلال زيارة خاطفة إلى المنامة، تطورات الأوضاع في السودان، والجهود الإقليمية والدولية الرامية إلى وقف الحرب وتحقيق الاستقرار في البلاد.
وأشار بيان لمجلس السيادة إلى أن المحادثات تناولت سبل تعزيز آفاق التعاون بين البلدين وتطويره في مختلف المجالات بما يخدم المصالح المشتركة، لافتاً إلى أن رئيس مجلس السيادة ثمن الدور المحوري لمملكة البحرين الداعم لبلاده، كما جدد دعم السودان الكامل للبحرين، حكومة وشعباً، في مواجهة الظرف الإقليمي.
وشدد البيان على رفض السودان وإدانته للاعتداءات الإيرانية على البحرين، مؤكداً استعداد الخرطوم لتقديم أوجه الدعم كافة للشعب البحريني.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
من جهتها قالت وكالة الأنباء البحرينية "بنا" إن "اللقاء بين البرهان والملك حمد بن عيسى بحث مجريات الأحداث في المنطقة والتطورات الإقليمية والدولية موضع الاهتمام المشترك، إضافة إلى مستجدات الأوضاع الراهنة في السودان، والجهود المبذولة للتوصل إلى وقف دائم لإطلاق النار، بما يلبي تطلعات الشعب السوداني نحو تحقيق السلم والاستقرار، والحفاظ على سيادة السودان ووحدة وسلامة أراضيه، وتسهيل إيصال المساعدات الإنسانية والإغاثية من دون عوائق إلى جميع أنحاء البلاد".
وتأتي هذه الزيارة في سياق جولة خليجية يجريها البرهان، وبدأها الثلاثاء من السعودية وعمان.
زيادة العائدين
من جانبها، أشارت المنظمة الدولية للهجرة إلى عودة نحو 4.1 مليون سوداني لمناطقهم الأصلية، على رغم استمرار الحرب وتدهور الخدمات الأساسية في عدد من الولايات، معتبرة الزيادة المستمرة في أعداد العائدين بأنها "بارقة أمل وسط الأزمة الإنسانية المتفاقمة في البلاد".
واعتبر رئيس بعثة المنظمة الدولية للهجرة في السودان محمد رفعت أن "استمرار زيادة أعداد العائدين من داخل السودان وخارجه يعكس تمسك السودانيين بأرضهم ورغبتهم في إعادة بناء حياتهم"، لافتاً إلى أن "أكثر من 80 في المئة من العائدين عادوا من داخل السودان لولايات الخرطوم والجزيرة وسنار ومناطق أخرى".
ونوّه إلى أن "أعداد النازحين داخلياً انخفضت بنسبة 23 في المئة مقارنة بأعلى مستويات النزوح المسجلة في يناير (كانون الثاني) 2025، عندما بلغ عدد النازحين نحو 12 مليون شخص".
وعلى رغم تزايد أعداد العائدين، حذر المسؤول الأممي من الأوضاع الصعبة التي تواجههم، لا سيما في الخرطوم، مشيراً إلى أن غالبية الأسر تعود لمناطق تعاني دماراً واسعاً وانهياراً شبه كامل للخدمات الأساسية، بما في ذلك الكهرباء والمياه والرعاية الصحية والتعليم.
وأفاد بأن نحو 70 في المئة من المنازل التي عاد لها السكان في الخرطوم تعرضت لدمار جزئي أو كلي، مشيراً إلى أن "كثيراً من العائدين يفضلون العودة لمنازل متضررة على البقاء في مناطق النزوح، على أمل استعادة حياتهم وتوفير فرص للعمل".
وأكد رفعت أن "ضعف التمويل الإنساني يمثل أحد أبرز التحديات التي تواجه المنظمات العاملة في السودان"، مشدداً على أن حجم الدمار يفوق بكثير الموارد المتاحة حالياً، خصوصاً في قطاعات الصحة والتعليم والحماية والمأوى.
غياب الإرادة السياسية لإنهاء الحرب
في موازاة ذلك دانت منظمة "أطباء بلا حدود" أمس الأربعاء غياب الإرادة السياسية لإنهاء الحرب الأهلية في السودان، وتمويل المساعدات لملايين الأشخاص المتضررين من العنف.
وقال جافيد عبدالمنعم، الرئيس الدولي لمنظمة "أطباء بلا حدود"، لصحافيين في مقر المنظمة في جنيف، "لا يبدو حقاً أنه توجد إرادة لإنهاء هذه الحرب سلمياً".
وبعد عودته من زيارة استمرت أسابيع في إقليم دارفور (غرب) الذي مزقته الحرب، ندد بـ"الإفلات التام من العقاب" وبـ"فشل سياسي كبير، ليس فقط في إنهاء الحرب، بل أيضاً في حماية المدنيين".
وأعرب عن أسفه لأنه سواء داخل البلاد أم على الصعيد العالمي، "لا توجد إرادة سياسية، لا لوقف الحرب ولا لتمويل المساعدات الإنسانية".
كما أن التخفيضات الحادة في تمويل المساعدات الإنسانية العالمية وتفاقم الصعوبات اللوجستية في توصيل المساعدات، ويعود ذلك جزئياً للحرب في الشرق الأوسط، حرمت عدداً من السودانيين المساعدة.
وقال عبدالمنعم إن منظمة "أطباء بلا حدود" تبذل قصارى جهدها "لسد الفراغ الذي خلفته الحكومات"، لكن الوضع لا يزال يتدهور.
وأكد أن ما لا يقل عن 47 مركزاً للصحة الأولية فقد تمويله الدولي في وسط دارفور، الشهر الماضي.
وأشار إلى أن تبعات هذه التخفيضات واضحة، لافتاً إلى أن هناك حالياً "وباء خطراً للحصبة"، إضافة إلى حالات لالتهاب السحايا والخناق والكزاز الوليدي. وأكد أن "هذه كلها أمراض يمكن الوقاية منها باللقاحات، وهي تودي بحياة الأطفال".
والوضع خطر خصوصاً في طويلة بدارفور، إلى حيث لجأ عدد من النازحين عندما سيطرت قوات "الدعم السريع" على مدينة الفاشر في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، بعد حصارها لمدة 18 شهراً.
ويقدر عدد الموجودين في طويلة بما بين 400 ألف ومليون نسمة، وسط نقص حاد في الغذاء والماء. وقال عبدالمنعم "الناس جائعون وعطشى"، مؤكداً أنهم لا يحصلون إلا على وجبة ساخنة صغيرة واحدة في اليوم.
كما ندد رئيس منظمة "أطباء بلا حدود" بتجدد الهجمات على المرافق الصحية.
ومنذ بداية الحرب، سجلت منظمة الصحة العالمية نحو 200 هجوم من هذا النوع، مما أسفر عن مقتل 1700 شخص.
وأكد جافيد عبدالمنعم أن عدداً من موظفي منظمة "أطباء بلا حدود" أسروا له بأنهم "خائفون من القدوم إلى العمل"، لأن "المستشفيات مستهدفة".