لماذا اختار السودان امرأة لمنصب رئيس القضاء؟

النساء السودانيات أظهرن حضوراً غير مسبوق في تاريخ بلادهم السياسي من خلال مشاركتهن بالحراك

تصدرت المرأة السودانية فاعليات الحراك الذي أطاح عمر البشير (رويترز)

يقفز دائماً في المدركات العربيَّة والإسلاميَّة أنه "لا يفلح قومٌ ولّوا على أمرهم امرأة"، يقول البخاري إنه "حديثٌ شريفٌ"، ويقول غيره إنه "حديثٌ غير صحيحٍ"، فيحقق راشد الغنوشي مثلاً في كتابه (المرأة بين القرآن وواقع المسلمين)، الصادر عن المركز المغاربي للبحوث والترجمة عام 2000، في فصلٍ كاملٍ هذه المقولة، ويخلص فيه أنها جاءت في معرض قتل أخت كسري لأخيها في بلاد الفرس، وأن راوي الحديث "لا يتمتع بمصداقيَّة"، إذ إنه "طبَّق عليه حداً شرعياً".

جدلُ عربيٌّ حول صلاحيَّة النساء

هذا الجدل حول صلاحيَّة ولايَّة المرأة للولايَّة الكبرى، التي يقع القضاء في نطاقها أثير في مصر أيضاً، حينما طرح الإخوان المسلمون وثيقة للإصلاح السياسي عام 2007 حرموا فيها النساء من الولايَّة الكبرى، وربما كان ذلك سبباً ولا يزال في خسائرهم السياسيَّة لدى النساء في مصر الذين هن نصف المصريين.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

هذا الجدلُ العربيٌّ حول صلاحيَّة النساء في القيادة والحكم هو ما استدعى اجتماعاً لهيئة علماء المسلمين بالسودان، في أعقاب اتخاذ المجلس السيادي قراراً بتعيين القاضيَّة نعمات عبد الله محمد خير أول رئيسة للقضاء في أفريقيا والعالم العربي، وهو قرار لا بد أن نلاحظ أن اتخاذه جاء بعد شهر ونصف الشهر تقريباً من تكوين الحكومة الانتقاليَّة، وهو ما يعني في الأخير أن اتخاذه لم يكن سهلاً، وأنه حاز كثيراً من المقاومة.

ولعل السؤال البارز هنا: هل حصول المرأة السودانيَّة على منصب رئيس القضاء جاء فقط لأن من يحكم السودان الآن هم ثوار يصنعون تغييراً كما قال رئيس الوزراء السوداني عبد الله حمدوك، أم أن للمرأة السودانيَّة تاريخاً وتراثاً نضالياً جعل هذا القرار ممكناً، ومروره في السياقات الاجتماعيَّة غير الأيديولوجيَّة ربما يكون سهلاً، فقامت الحكومة الانتقاليَّة السودانيَّة أيضاً بتعيين أربع وزيرات، فيهن أول وزيرة خارجيَّة في تاريخ البلاد، إلى جانب وزيرة للتعليم العالي، ووزيرة للعمل والتنميَّة الاجتماعيَّة والشباب والرياضة، وسبقهن من قبل امرأتان في المجلس السيادي؟

الاتحاد النسائي السوداني

ولعل الإجابة عن التساؤل لا بد أن تستدعي أن المكانة المتميزة للمرأة السودانيَّة نتجت عن أن السودانيات استطعن أن يبلورن سياقاً تنظيمياً في فترة مبكرة، إذ إن الاتحاد النسائي السوداني هو الاتحاد النسوي العربي الوحيد ربما الذي عابر لاستقلال السودان، إذ أُعلن إنشاؤه عام 1952 تتويجاً لحركة نسويَّة وطنيَّة استهدفت مقاومة الاستعمار البريطاني بدأت عام 1946، وقد بدأ الحراك النسوي السوداني برابطة المرأة السودانيَّة، التي اهتمت بمحو الأميَّة، والتثقيف العام والمنزلي، كما انحصرت عضويتها في المتعلمات.

أمَّا في مجال العمل النقابي، ففي عام 1947 كانت الممرضات السودانيات هن الأوائل في اقتحام هذا المجال، ونلن بطبيعة الحال قدراً لا بأس به من محاولات تلطيخ السمعة التي ما زالت قائمة حتى الآن حين تقتحم النساء العمل العام في كثيرٍ من مجتمعاتنا العربيَّة.

من سجَّلن المرتبة الثانيَّة في العمل النقابي كن المدرسات اللاتي تم رفض طلبهن أولاً بمزاعم أن العمل النقابي يتعارض مع الدين والتقاليد، ويدفع بهن إلى الاختلاط، ثم سمح للمدرسات السودانيات بتكوين اتحاد ثقافي نتيجة لضغطهن وإلحاحهن، وفي العام 1949 تم تحويل الاتحاد إلى نقابة، وبذلت النقابة جهوداً عظيمة للدفاع عن حقوق ومطالب المدرسات.

أمَّا على الجانب الخيري فقد تكوَّنت أول جمعيَّة نسويَّة 1950 في مدينة الأبيض بغرب السودان.

 

في أعقاب استقلال السودان في يناير (كانون الثاني) 1956، ومع وجود الاتحاد النسائي فعلياً على الأرض كانت السودانيات جاهزات ربما لبلورة مطالبهن، واقتحام المجال العام، وذلك ما يفسّر كونهن انخرطن في مجال القضاء السوداني عام 1961، وكن الرائدات على المستوى العربي في هذا النطاق.

نضال السودانيات

وبطبيعة الحال انخرطت السودانيات في النضال من أجل الحريات العامة والديموقراطيَّة فسجّلن حضوراً متميزاً في ثورات أكتوبر (تشرين الأول) 1964، وأبريل (نيسان) 1985 ضد نميري، وأخيراً في ثورة السودان بديسمبر (كانون الأول) الماضي، التي أطاحت البشير وحكم الإخوان المسلمين معاً، إذ كانت صورة آلاء صلاح بثوبها السوداني الأبيض على منصة اعتصام القيادة العامة أيقونة للثورة، وملهمة للمخيلة الثائرة في السودان، وهي الصورة التي برزت أيضاً في وسائل الإعلام المحليَّة والإقليميَّة والعالميَّة، ولعل هذه المكانة هي ما جعلت الاتحاد النسائي السوداني يصدر في أغسطس (آب) الماضي بياناً يطالب فيه الحكومة الانتقاليَّة بأن يكون للنساء السودانيات 40٪ من هياكل السلطة طبقاً للوثيقة الدستوريَّة، وهي نسبة لم ترقَ إليها المطالبات النسويَّة في كل المنطقة العربيَّة، إذ تدور مشاركة النساء العربيات في هياكل السلطة حول نسبة الـ30٪.

ولعل هذه الحيويَّة السياسيَّة النسويَّة السودانيَّة هي التي كانت وراء اهتمام الدكتور حسن الترابي مؤسس الجبهة القوميَّة الإسلاميَّة في السودان بالنساء كمحركات للوعي السياسي والأيديولوجي، فكتب كتابه (المرأة بين الإسلام وتقاليد المجتمع)، واختار أن يمارس تجديداً فقهياً لصالح النساء، حتى حازت مقولاته كثيراً من الجدل في السياقين السوداني والإسلامي، كما ينسب إليه طبقاً لروايات سمعتها شخصياً من الذين كانوا مقربين منه دعوته كوادر الحركة الإسلاميَّة السودانيَّة بتجنيد النساء، لأن نطاق تأثيرهن على النطاق الأيديولوجي أوسع من الرجال.

وبشكل عام نستطيع القول بارتياح إن النساء السودانيات أظهرن حضوراً غير مسبوق في تاريخ السودان السياسي من خلال مشاركتهن في الحراك، وكانت القاضيَّة نعمات إحدى النساء اللائي دعمن الثورة، إذ ظهرت في موكب القضاة الذي وصل إلى مقر الاعتصام المنعقد في أبريل (نيسان) الماضي أمام مقر الجيش بالخرطوم.

مَنْ هي رئيسة القضاء السوداني؟

حصلت نعمات عبد الله محمد خير، البالغة من العمر 62 عاماً، على (إجازة الحقوق) من جامعة القاهرة، فرع الخرطوم، وبدأت عملها في السلك القضائي عام 1983 في منصب مساعدة قضائيَّة، ثم تنقَّلت خلال عدة سنوات بين المحاكم الجنائيَّة والمدنيَّة ومحاكم الأحوال الشخصيَّة، ثم حصلت على فرصتها في الترقيَّة إلى قاضي درجة ثانيَّة، فدرجة أولى، ثم قاضي استئنافات في العام 2003.

وبين الأعوام، 2009 و2014، شغلت نعمات خير منصب قاضي محكمة الاستئنافات بالسلطة القضائيَّة، قبل أن تترقى إلى قاضي محكمة عليا بحلول العام 2015.

ووفقاً للمتداول عن سيرتها من شهود عملوا معها، فإنها معروفة بالاستقلاليَّة وعدم الانتماء السياسي، فضلاً عن الصرامة والتهذيب، والقدرة على الحسم السريع.

نجحت مولانا نعمات خير في أن تكون أول رئيسة للقضاء السوداني، وهو موقع ربما يكون مؤقتاً، لأنه طبقاً للوثيقة الدستوريَّة المؤطرة للسلطة التنفيذيَّة في الفترة الانتقاليَّة فإن تعيين رئيس القضاء هو من مهام المؤسسة القضائيَّة لا من مهام المجلس السيادي، من هنا قد تنجح نعمات في أن تحوز ثقة نادي القضاة السوداني بعد تكوينه، وتستمر في موقعها، لكن المؤكد أنها لم تنجح بعد في تأنيث لقب القاضيَّة السودانيَّة ليكون مولاتنا بدلا من مولانا، وهو اللقب الذي يُطلق عليها!

المزيد من آراء