ملخص
نحو عقد من الزمان مر على ذلك المشهد الذي لم يفارق ذاكرة السوريين، إنها بطولة رجل عُرف بحبه لمدينته تدمر، وعمل لعقود طويلة على استكشافها، ومات من أجلها حين رفض الإفصاح عن مكامن الكنوز الأثرية المهمة للتنظيم المتطرف، فقطع رأسه في ميدان تدمر وكان وقتها بعمر الـ82 سنة، وعمد بعد قتله إلى تدمير أجزاء من أوابد المدينة الأثرية عدّها أفراد التنظيم رمزاً لعبادة الأصنام والوثنية.
في الـ18 من أغسطس (آب) عام 2015 انتهت حياة عالم الآثار السوري خالد الأسعد نهاية ملحمية كفارس شجاع دافع حتى الرمق الأخير عن آثار بادية تدمر في وسط سوريا ضد تنظيم "داعش" المتطرف، وهي خاتمة أشبه بمشهد تراجيدي هارب من الأساطير، حين سقط حارس الآثار مضرجاً بدمائه بعد ذبحه من قبل عناصر التنظيم وتعليق رأسه في ساحة المدينة.
نحو عقد من الزمان مر على ذلك المشهد الذي لم يفارق ذاكرة السوريين، إنها بطولة رجل عُرف بحبه لمدينته تدمر، وعمل لعقود طويلة على استكشافها، ومات من أجلها حين رفض الإفصاح عن مكامن الكنوز الأثرية المهمة للتنظيم المتطرف، فقطع رأسه في ميدان تدمر وكان وقتها بعمر الـ82 سنة، وعمد بعد قتله إلى تدمير أجزاء من أوابد المدينة الأثرية عدّها أفراد التنظيم رمزاً لعبادة الأصنام والوثنية.
المديرة العامة لمنظمة "اليونيسكو" إيرينا بوكوفا قالت في بيان وقتها إنهم "قتلوه لأنه لم يخُن التزامه العميق لتدمر التي كرس حياته لها، وكشف عن تاريخها القيّم وفسره حتى نتمكن من الاستفادة من هذه المدينة العظيمة التي كانت مفترق طرق العالم القديم".
كل اللافتات
الآن يضج الشارع السوري بالجدل حول ما صدر عن إدارة منطقة تدمر من حذف اسم عالم الآثار خالد الأسعد من واجهة مدرسة لتسمى بـ"ثانوية تدمر"، مما ترك تساؤلات لدى متابعين حيال ذكرى أحد الرموز والشخصيات التي ارتبطت بالمدينة ودافعت عن آثارها في وجه أكثر التنظيمات تشدداً.
يبدي محمد الأسعد، نجل عالم الآثار الراحل، دهشته من صدور مثل هذا القرار، وعدّه نكراناً لفضل رجل ضحى بحياته لتبقى تدمر مدينة شامخة. ويضيف لـ"اندبندنت عربية"، "تخيل أنه جرى تبديل أسماء مدارس تدمر جميعها، فقط كي لا يقال إنهم قاموا بتغيير اسم مدرسة خالد الأسعد، ولا يعرفون أن الرئيس الإيطالي في وقت سابق أقام احتفالاً مهيباً في قلب العاصمة روما، وافتتح خلاله حياً سمّي باسم ’خالد الأسعد‘ تكريماً له، وفي حفل آخر افتتح متحفاً باسمه في مدينة أرونا الإيطالية".
يرى نجل الأسعد أن ثمة أيادي خفية تسعى إلى محو ذاكرة الشعب، لافتاً إلى أن "السلطات الجديدة لا ترضى بالتأكيد بهذا الفعل"، مناشداً إياها إحقاق الحق.
والمحبة التي ربطت الأسعد بتدمر وضحى بحياته من أجلها، لن تكون غريبة إذا علمنا أنه ولد بها في يناير (كانون الثاني) عام 1934، وبعد الانتهاء من دراسته للتاريخ جذبته الآثار فعمل رئيساً للدراسات والتنقيب في دمشق بقصر العظم، وبعدها مديراً للآثار في تدمر، وترأس وشارك في كثير من البعثات التنقيبية والترميم الأجنبية والوطنية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
عام 1988 عثر على منحوتة "حسناء تدمر" رائعة الجمال، واكتشف كذلك مدفن أسرة بولحا بن نبو شوري، ومدفن بورفا وبولحا، ومدفن طيبول، وعمل على ترميم أكثر من 400 عمود كامل من أروقة الشارع الطويل، ومعبد بعلشمين ومعبد اللات وأعمدة المسرح والأعمدة التذكارية الخمسة المعروفة.
وتطول إنجازات هذا العالم السوري، لكن لا بد من ذكر مشاريع ترميم أخرى بارزة، من بينها إعادة بناء المصلبة وأعمدتها الـ16 من الغرانيت لمدخل "حمامات زنوبيا"، وممرات القلعة العربية "فخر الدين"، وترميم الأسوار الخارجية والأبراج في قصر الحير الشرقي بطول ثلاثة آلاف متر.
الحادثة والذكرى
وحين شهدت "لؤلؤة الصحراء" كما توصف تدمر، هجوماً عنيفاً بعد اتساع نفوذ "داعش"، تمكن ثلاثة من أبنائه وصهره الوصول إلى العاصمة وفي حوذتهم مئات القطع الأثرية الثمينة أنقذوها من المتحف الواقع في تدمر أثناء زحف التنظيم باتجاه البلدة، ولم تفلح كل مناشدات الأسرة للأسعد بمغادرة منزله حيث أصرّ على البقاء، فخطفه التنظيم.
وتصادف إزالة اسم الأسعد من لافتة إحدى الثانويات، الذكرى السنوية الـ10 لإنتاج النسخة طبق الأصل من "قوس النصر" في تدمر وعرضه للمرة الأولى في لندن، ودعي أحد أبناء عالم الآثار الراحل إلى إلقاء كلمة لهذه المناسبة كنوع من التكريم المعنوي لهذا الرجل السوري الذي "آمن طوال حياته بأن التراث ليس حجارة صامتة، بل هو ذاكرة الشعوب وهوية الأمم والجسر الذي يربط الماضي بالمستقبل"، بحسب حديث نجله محمد.