ملخص
وفقاً لتقارير الأمم المتحدة، تواجه اليوم أكثر من 70 عائلة فلسطينية تضم نحو 300 فرد خطر التهجير القسري من منازلهم في كرم الجاعوني، وهو ما يكرر بحسب محللين سيناريو النكبة عام 1948، ولكن في قلب القدس.
في مايو (أيار) 2021 شكلت قضية حي الشيخ جراح في القدس الشرقية نقطة تحول مفصلية في الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي، إذ أدت محاولات تهجير العائلات الفلسطينية من منازلها إلى اندلاع احتجاجات واسعة النطاق محلياً ودولياً حركت الرأي العالم العالمي، واليوم عاد هذا الحي الصغير بمنازله المهددة بالإخلاء لمصلحة المستوطنين ليتصدر المشهد السياسي والأمني، عبر دوامة جديدة من التصعيد الاستيطاني يمثل هذه المرة منعطفاً حاسماً يحمل في طياته خطر محو حي بأكمله، إذ استغلت لجنة التخطيط اللوائية في القدس حال الانشغال الإقليمي بالتصعيد والحرب الدائرة، وصادقت بصورة نهائية على مخطط لإقامة مدرسة دينية يهودية (يشيفا) ضخمة تابعة للمتدينين "الحريديم" في قلب الحي.
الخطوة تجدد المخاوف الفلسطينية من تنفيذ سيناريوهات التهجير التي شهدها الشيخ جراح خلال الأعوام الماضية، ضمن مشروع استيطاني شامل يسعى إلى إعادة تشكيل المشهد الديموغرافي والعمراني للقدس الشرقية، على رغم كل الإدانات الدولية التي أكدت أن تهجير سكان الحي يتناقض بصورة صارخة مع القانون الدولي والمادة 49 من اتفاق جنيف الرابعة التي تحظر النقل القسري للسكان في الأراضي المحتلة. ووفقاً لتقارير الأمم المتحدة، تواجه اليوم أكثر من 70 عائلة فلسطينية، تضم نحو 300 فرد، خطر التهجير القسري من منازلهم في كرم الجاعوني، وهو ما يكرر بحسب محللين سيناريو النكبة عام 1948، ولكن في قلب القدس.
في أعقاب سيطرة إسرائيل على الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية عام 1967، أقامت على أراض صودرت من حي الشيخ جراح مستوطنة "معالوت دافنا" التي تعد من أولى المستوطنات الإسرائيلية في القدس الشرقية، مما شجع الجمعيات الاستيطانية اليهودية مثل "نحلات شمعون" و"عاتيرت كوهانيم"، على ملاحقة الفلسطينيين في المحاكم الإسرائيلية للسيطرة على بيوتهم في الحي، بزعم أن الأرض التي بنيت عليها منازل عائلة فلسطينية ممن هجروا عامي 1948 و1967 ملك ليهود من طائفة "السفارديم" (اليهود المتحدرون من إسبانيا والبرتغال) و"الأشكناز" (طائفة يهودية تتحدر أصولها من وسط وشرق أوروبا) منذ عام 1885. وادعوا أن تلك العائلات الفلسطينية تملكت الأرض بوضع اليد عليها. ووفقاً لـ"قانون الشؤون القانونية والإدارية" الإسرائيلي لعام 1970، يسمح لليهود بالاستيلاء على أملاك في القدس الشرقية إذا أثبتوا ملكيتها قبل عام 1948، بينما لا يمنح الحق نفسه للفلسطينيين الذين فقدوا منازلهم في القدس الغربية.
ستار جديد
وفقاً لمنظمة "عير عاميم" الإسرائيلية المتخصصة بشؤون القدس، فإن مخطط المدرسة الدينية اليهودية الحريدية في قلب الشيخ جراح، والتي تعرف باسم "أور سومياخ"، يضم مبنى مكوناً من 11 طابقاً، وسكناً داخلياً لمئات الطلاب اليهود الحريدين، إضافة إلى مساكن لأعضاء الهيئة التدريسية، مما من شأنه وفق المقدسيين وسكان الحي، أن يزيد بصورة كبيرة من الوجود الاستيطاني في المنطقة، ويحدث مزيداً من التوترات والعنف. كيف لا، والخطة تخصص لإقامة المدرسة الحريدية مساحة تقارب 5 آلاف متر مربع مباشرة مقابل مسجد الشيخ جراح، الذي يقول مؤرخون إنه أنشئ عام 1895 إلى جانب "الزاوية الجراحية" التي أقامها الأمير حسام الدين بن شرف الدين عيسى الجراحي، وكان أحد أمراء صلاح الدين الأيوبي.
وكشفت المنظمة عن أن بلدية القدس تنازلت عام 2007 عن الأرض التي كانت مخصصة لإقامة مبانٍ ومؤسسات تعليمية عامة لخدمة سكان الحي لمصلحة "سلطة أراضي إسرائيل" بهدف تحويلها إلى مدرسة دينية يهودية متشددة، مؤكدة أن إجراءات نقل الملكية إلى "أور سومياخ" التي تمت بهدوءٍ تامٍ من دون الانخراط في أية مناقصات علنية، يشير إلى أن الخطة تحمل سياقات أوسع تشمل تشريد سكان الحي الفلسطينيين لتوسيع الاستيطان الإسرائيلي، خصوصاً بعدما رفضت كل الاعتراضات التي قدمتها المنظمة الإسرائيلية اليسارية، إلى جانب جمعية حي الشيخ جراح.
وبحسب البيانات، فقد جرى منذ عام 2008 تهجير 12 أسرة من الحي، فيما تستمر الضغوط القانونية والميدانية لتهجير العائلات المتبقية عبر الالتفاف على الحماية الممنوحة لهم بموجب عقود الإيجار المحمية، وهدم المباني القائمة لبناء أخرى جديدة مكانها بما يضمن إخلاء عائلات بأكملها دفعة واحدة، في خطوة تمثل امتداداً لسياسة السيطرة الديموغرافية الإسرائيلية الرامية إلى تكريس غالبية يهودية في مدينة القدس.
ووفق أرقام دائرة الإحصاء الإسرائيلية نهاية عام 2023، تجاوز عدد سكان القدس (بشطريها الشرقي والغربي) المليون نسمة، إذ يشكل اليهود وغيرهم نحو 60.5 في المئة (نحو 600 ألف)، بينما يمثل العرب الفلسطينيون قرابة 39.5 في المئة (نحو 380 - 400 ألف). وعلى رغم أن المعطيات تشير إلى أن نسبة الزيادة الطبيعية لدى الفلسطينيين هي الأعلى، فإن المعطيات الرسمية أكدت أن هجرة اليهود "الحريديم" إلى القدس أثرت بصورة ملموسة في التركيبة السكانية.
الأعلى عالمياً
وتعد مدينة القدس واحدة من أكبر مراكز تجمع اليهود "الحريديم" في إسرائيل، حيث يقطنها مع بني براك شرق تل أبيب أكثر من 40 في المئة من إجمال "الحريديم". وتفيد التقديرات بأن نسبتهم ضمن المجتمع اليهودي داخل القدس في ارتفاع مستمر، وأنهم يشكلون نحو 35 في المئة من السكان اليهود داخل المدينة، وسط نزوح للسكان العلمانيين.
وكشفت إحصاءات جديدة لمعهد الديمقراطية الإسرائيلي عن أن عدد "الحريديم" المتزمتين دينياً سجل خلال الأعوام الـ10 الماضية ارتفاعاً بنسبة 53 في المئة، وبات عددهم نحو 1.5 مليون نسمة من أصل 9.8 مليون نسمة، بمعدل تكاثر طبيعي سنوي سريع وعالٍ، بل قد يكون من الأعلى عالمياً إذ يبلغ نحو أربعة في المئة، في حين أن معدل النمو السكاني بصورة عامة في إسرائيل لا يتجاوز 1.9 في المئة، وفي الأعوام الثلاثة الماضية ما بين 1 إلى 1.5 في المئة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وبحسب توقعات المعهد فقد تصل نسبة مجتمع "الحريديم"، الذي يشكل حالياً 15 في المئة من إجمال سكان إسرائيل، إلى ما يقارب ثلث السكان بحلول عام 2050. واستناداً للتحليل الذي نشرته صحيفة "ذي ماركر" الإسرائيلية، ارتفعت نسبتهم في مستوطنة "غفعات زئيف" شمال القدس من 26 في المئة عام 2010 إلى 65 في المئة عام 2023. وفي "بيت شيمش" غرب القدس ارتفعت نسبتهم من 58 في المئة إلى 80 في المئة. ولإحكام الخناق أكثر على الفلسطينيين داخل مدينة القدس، وضعت الحكومة الإسرائيلية بالتعاون بين وزارات الهجرة والاستيعاب، والتربية والتعليم، والثقافة والرياضة، إضافة إلى بلدية القدس، خطة تنفذ على مدار ثلاثة أعوام لتشجيع المهاجرين اليهود، خصوصاً من فئة الشباب الذين تراوح أعمارهم ما بين 18 و35 سنة، على الاستيطان في القدس، ورصدت لتحقيق ذلك مبلغ 95 مليون شيكل (26 مليون دولار).
مدارس توراتية
وتتركز معظم المدارس والأكاديميات الدينية اليهودية بالقدس في عمق البلدة القديمة، خصوصاً تلك التي تشمل أقساماً داخلية لإقامة الطلبة القادمين من مختلف المستوطنات، كمدارس "عطيرت يروشالايم" و"شوفوبنيم" و"عطيرت إلياهو" و"تورات حاييم" و"حازون يخرقيل" و"عطيرت كوهانيم"، ويعد قسم التعليم الأرثوذكسي (الحريدي) في بلدية القدس الأكبر بين أقسام التعليم في إسرائيل، إذ يندرج تحت هذه المظلة التعليمية المتشددة أكثر من 120 ألف طالب وطالبة يدرسون في 300 مدرسة وأكاديمية تضم 3 آلاف غرفة صفية.
ووفقاً للاتفاقات الائتلافية الموقعة، يحق للأحزاب الحريدية تلقي الدعم من الحكومة للتعليم الحريدي. وعلى رغم الجهود الكبيرة للمستشارة القضائية للحكومة غالي باهراف - ميارا لحظر موازنات التعليم الحريدي في ظل التهرب الواسع من الخدمة العسكرية بين طلاب المعاهد الدينية، وغياب المناهج التعليمية الأساس (المواد الجوهرية) المقررة من الدولة في مؤسسات التعليم الابتدائي والثانوي التابعة لها، فإن الحكومة الإسرائيلية في الموازنة الجديدة لدولة إسرائيل عام 2026 خصصت ما يقارب 800 مليون شيكل (255 مليون دولار) للبرامج والمؤسسات الحريدية، بما في ذلك المعاهد الدينية، بعدما وافقت الأحزاب الحريدية على دعم الموازنة، على رغم فشل الائتلاف في تمرير مشروع القانون الذي طالبت به، والذي يكرس إعفاءات شاملة من التجنيد العسكري لطلاب المعاهد الدينية.
وذكرت صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية أنه استناداً إلى معطيات وزارة التعليم الإسرائيلية، فإن الطالب الحريدي (المتدين) الذي لا يدرس المواضيع الأساس العلمية كالعلوم واللغة الإنجليزية والرياضيات والمعرفة العامة، ويقتصر تعليمه على الدراسات الدينية فحسب، يحصل سنوياً على 15.5 ألف شيكل (نحو 4305 دولارات)، في حين يحصل الطالب العلماني سنوياً على 11.3 ألف شيكل (نحو 3138 دولاراً).