Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

كيف يُختار أمين عام الأمم المتحدة؟ لعبة التوازنات والفيتو

أفريقي وثلاثة مرشحين من أميركا اللاتينية يتنافسون على زعامة المنظمة الدولية

تنص المادة 97 من ميثاق الأمم المتحدة على أن الأمين العام تعينه الجمعية العامة بناءً على توصية مجلس الأمن، إلا أنه من الناحية العملية، ظلت الكلمة الأخيرة دائماً بيد مجلس الأمن (أ ف ب)

ملخص

مع اقتراب ولاية الأمين العام الحالي للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش من نهايتها في الـ31 من ديسمبر (كانون الأول) المقبل، بدأت عملية اختيار خليفة له تتحرك قدماً مع انطلاق عملية استجواب المرشحين في حوارات تفاعلية من قبل الدول الأعضاء في المنظمة الدولية والمجتمع المدني، فمن هم المرشحون الأقرب إلى الفوز بالمنصب الدولي الرفيع؟ وإلى أي مدى تتحكم الدول الكبرى في اختياره؟ وهل ينتظر أن يكون للأمين العام الجديد تأثير حقيقي في رسم السياسات الدولية؟ وما الذي تشير إليه التجارب التاريخية لقادة الأمم المتحدة؟

انطلق سباق الفوز بأعلى منصب دبلوماسي في العالم خلال الساعات الـ48 الماضية عبر جلسات استماع واستجواب عامة متلفزة للمرشحين لخلافة الأمين العام الحالي للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش من قبل الدول الأعضاء في المنظمة الدولية والمجتمع المدني، مما يمثل تحولاً نحو عملية اختيار أكثر شفافية، على أن يبدأ مجلس الأمن الدولي استطلاعاته غير الرسمية قبل نهاية يوليو (تموز) المقبل، لمعرفة أي من رؤى المرشحين المتنافسين تلقى صدى أكبر لدى القوى الكبرى في العالم.

وفي حين تنص المادة 97 من ميثاق الأمم المتحدة على أن الأمين العام تعينه الجمعية العامة بناءً على توصية مجلس الأمن، إلا أنه من الناحية العملية، ظلت الكلمة الأخيرة دائماً بيد مجلس الأمن الذي يشترط موافقة غالبية تسعة من أصل 15 عضواً.
ولأن الأعضاء الـ10 غير الدائمين حالياً وهم الدنمارك واليونان ولاتفيا وباكستان والبحرين وجمهورية الكونغو الديمقراطية والصومال وليبيريا وكولومبيا وبنما، يتمتعون بصوت واحد فحسب، تظل موافقة الأعضاء الخمسة الدائمين الذين يتمتعون بسلطة النقض في مجلس الأمن هي العامل الحاسم في الاختيار، إذ تصبح القضية الأساسية هي ما إذا كان بوسع الولايات المتحدة والصين وروسيا والمملكة المتحدة وفرنسا الاتفاق على مرشح مشترك.

ولكي يتم التوافق على مرشح مشترك، تبدأ عملية تضييق نطاق المرشحين، بإجراء ما يسمى استطلاعات الرأي غير الرسمية التي تكون مغلقة أمام الجمهور، على رغم أن النتائج دائماً ما تتسرب، وتتكرر هذه الخطوة حتى يظهر إجماع كاف حول مرشح معين، وعندها فقط يتم إجراء تصويت مفتوح.

ومن أجل منع الوصول إلى طريق مسدود مؤسسي، يقتصر تصويت الجمعية العامة تقليدياً على مجرد التصديق على المرشح التوافقي الذي يتم اختياره من قبل مجلس الأمن بهذه الطريقة.

القول الفصل

مع أن الجمعية العامة تستطيع نظرياً رفض مرشح مجلس الأمن، إلا أنها لم تفعل ذلك قط في تاريخ الأمم المتحدة إذ يوصي مجلس الأمن عادة بمرشح واحد فقط للجمعية العامة، التي كانت تاريخياً توافق دائماً على اختيار المجلس الذي يأتي بعد مخاض طويل يستخدم خلاله الأعضاء الخمسة الدائمون بطاقات اقتراع مرمزة بالألوان خلال الاقتراع غير الرسمي للإشارة إلى عزمهم استخدام حق النقض، وعادة ما يكون تصويت "مثبط" واحد من أحد الأعضاء الخمسة الدائمين كافياً لإنهاء الترشيح، وهو ما يعكس نفوذ الدول الكبرى التي تمتلك بهذه الطريقة القول الفصل في نهاية المطاف.

ومع ذلك هناك عوامل مؤثرة أخرى في اختيار الأمين العام للمنظمة الدولية منها ما يسمى  "التناوب الإقليمي" لتمثيل المناطق الجغرافية في العالم بطريق متوازنة وغير منحازة، وعلى رغم أنها ليست قاعدة رسمية، فإن الدول الخمس الدائمة العضوية غالباً ما تتفاوض بناءً على هذا التناوب الإقليمي، كذلك يعد الحصول على دعم قوي من مجموعة إقليمية مثل الاتحاد الأفريقي أو مجموعة دول أميركا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي، أمراً أساساً كي ينظر إلى المرشح على أنه "قوي".

وفي انتخابات العام الحالي، ثمة ضغط كبير لاختيار مرشح من أميركا اللاتينية، وتميل بعض الدول الكبرى لاختيار أول امرأة تشغل منصب الأمين العام، لكن إذا واجه المرشحون حق النقض ووصلوا إلى طريق مسدود، فغالباً ما يبرز مرشحون غير متوقعين في هذه المرحلة، إذ لا يوجد من الناحية الرسمية موعد نهائي محدد للترشيحات ولذلك يفتح الباب لمرشحين جدد يمكن أن يحظوا بالإجماع المطلوب.

 

سلاح إقصاء

كثيراً ما استخدمت الدول الخمس الدائمة العضوية حق النقض (الفيتو) ليس فقط لعرقلة القرارات، بل كسلاح إقصاء للتحكم في قيادة الأمم المتحدة، إذ تظهر الاختيارات السابقة كيف أنهت الدول الخمس الدائمة العضوية ترشيحات مرشحين حظوا بشعبية أو أجبرتهم على تقديم تنازلات كبيرة، وعلى سبيل المثال استخدمت الولايات المتحدة حق النقض ضد ترشيح الأمين العام للمنظمة (المصري) بطرس بطرس غالي لولاية ثانية على رغم تأييد المجلس له بغالبية 14 صوتاً مقابل صوت واحد، مما أدى إلى انسحابه واختيار كوفي عنان كحل وسط.

أيضاً، استخدمت الصين عام 1981 حق النقض 16 مرة ضد ترشيح (النمسوي) كورت فالدهايم لولاية ثالثة، وهو رقم قياسي، مما أدى إلى انسحاب فالدهايم، واختيار خافيير بيريز دي كوييار بدلاً منه، وفي العام نفسه استخدمت الولايات المتحدة الفيتو ضد ترشيح (التنزاني) سليم أحمد سليم للمنصب على رغم الدعم القوي الذي حظي به من الاتحاد الأفريقي والصين.

وكذلك استخدم الاتحاد السوفياتي عام 1953 السلاح نفسه ضد ترشيح (الكندي) ليستر بيرسون، فتم اختيار داغ همرشولد في النهاية.  

وفي العام الحالي مارست بعض الدول الكبرى نوعاً من الضغط الاستباقي حتى قبل إجراء التصويت، إذ واجه ترشيح رئيسة تشيلي السابقة ميشيل باشيليه مقاومة مبكرة في واشنطن، وسحبت الحكومة التشيلية اليمينية الجديدة ترشيحها قبل بدء عملية التدقيق.

وفي حين اتخذت فرنسا والمملكة المتحدة مواقف قوية مؤيدة لانتخاب أول امرأة أمينة عامة للمنظمة الدولية، عارضت روسيا ما وصفته تحديداً بمتطلبات التفويض على أساس نوع الجنس، وطالبت بقائد يلتزم بصورة صارمة بمبدأ عدم التدخل المنصوص عليه في ميثاق الأمم المتحدة، بحيث يظل وسيطاً نزيهاً من دون أن ينظر إليه على أنه منحاز للغرب، وفي المقابل تتوقع الولايات المتحدة أن تتوافق أولويات القائد القادم للمنظمة الدولية بصورة وثيقة مع مصالحها بدلاً من شخصية تتخذ مواقف سياسية مستقلة قد تتعارض مع واشنطن، وفقاً لتقرير من مجموعة الأزمات الدولية في واشنطن.

أما الصين فتنظر إلى الأمم المتحدة كمنصة للتعددية والتنمية، وهي تدعم المرشحين الذين يدعمون مبادرتها للتنمية العالمية الذين لن يستخدموا المنصب للتدخل في ما تعتبره "قضايا سيادية داخلية".

النفوذ السياسي للمنصب

يمارس أمين عام المنظمة الدولية نفوذاً سياسياً محدوداً على الساحة الدولية كونه يفتقر إلى القوة القسرية المباشرة مثل أي رئيس عالمي، إذ يوازن دائماً بين دوره كمدير إداري (أمين عام) ودوره كجنرال أو قائد يتمتع بنفوذ كبير من خلال سلطته المتمثلة في جهود الوساطة، ووضع الأجندة الدولية، فمن خلال الإطار القانوني الذي يوفره ميثاق الأمم المتحدة تسمح المادة 99 للأمين العام بتنبيه مجلس الأمن رسمياً إلى أي أمر يرى أنه يهدد السلم والأمن الدوليين، وهذا يمنح منصبه القدرة على تقييم الأزمات العالمية بصورة مستقلة وإدراجها على جدول الأعمال الدولي.

ويمكن لمجلس الأمن والجمعية العامة وفقاً للمادة 98 أن يعهدا إلى الأمين العام بمهام سياسية محددة، مثل الإشراف على بعثات حفظ السلام أو التوسط في النزاعات المعقدة عبر المساعي الحميدة للمنظمة واستخدام استقلالها وحيادها لاتخاذ خطوات علنية أو سرية لمنع النزاعات الدولية أو حلها ضمن ما يسمى "الدبلوماسية الهادئة" التي غالباً ما تكون القناة الوحيدة المتاحة عندما تفشل المحادثات المباشرة بين الدول المتنافسة.

وبصفته شخصية عالمية بارزة، يعمل الأمين العام بمثابة الصوت الأخلاقي للعالم، إذ تحدد خطاباته وتقاريره، الأولويات العالمية مثل تغير المناخ، والحكم الرقمي، وحقوق الإنسان، كذلك تشير كثير من التقارير إلى أن الزيارات الرسمية التي يقوم بها الأمين العام يمكن أن تحسن ممارسات حقوق الإنسان في بلد ما بصورة ملموسة، من خلال تركيز اهتمام وسائل الإعلام وتمكين المجتمع المدني المحلي.

وعلى رغم هذا الدور فإن تأثير الأمين العام غالباً ما يكون محدوداً بسبب الحقائق السياسية للأمم المتحدة، ولأن الأعضاء الخمسة الدائمين في مجلس الأمن يستطيع أي منهم استخدام حق النقض ضد اختيار الأمين العام أو إعادة انتخابه، مما يجب معه على صاحب المنصب أن يوازن بعناية بين استقلاله ومصالح هذه الدول القوية، وفي فترات التنافس الشديد مثل التوترات الحالية بين الولايات المتحدة والصين وروسيا، كثيراً ما يجد الأمين العام صعوبة في هندسة الغالبية لحل الصراعات، لأن مجلس الأمن قد يظل مشلولاً بسبب استخدام حق النقض.

 دور تاريخي

على رغم أن الأمين العام للمنظمة الدولية لا يستطيع فرض عقوبات أو الأمر باستخدام القوة العسكرية بصورة مستقلة، ويعتمد بدلاً من ذلك على إقناع الدول الأعضاء باتخاذ الإجراءات اللازمة، فإن تأثيره السياسي الحقيقي يتوقف على أسلوب قيادته الشخصية سواء اختار أن يكون إدارياً حذراً أو دبلوماسياً فاعلاً يتحدى الدول القوية لدعم قيم الأمم المتحدة.

وبينما أدرك الأمناء العامون السابقون افتقارهم للقوة الصلبة اللازمة لقيادة الجيوش أو فرض القوانين، إلا أنهم في بعض الحالات نجحوا في تغيير مسار التاريخ من خلال الوساطة المستقلة والدبلوماسية الهادئة من أجل حل الصراعات الدولية الكبرى أو التخفيف من حدتها بصورة مباشرة.

وعلى سبيل المثال كان تدخل أمين عام المنظمة الدولية "يو ثانت" في أزمة الصواريخ الكوبية عام 1962 حين كان العالم على شفا حرب نووية بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، بمثابة الجسر الحاسم عندما انقطع الاتصال بين الرئيس الأميركي جون كينيدي والزعيم السوفياتي نيكيتا خروتشوف، حين اقترح وقفاً لشحنات الصواريخ وإجراءات الحجر الصحي، مما وفر للزعيمين مخرجاً دبلوماسياً لخفض التصعيد من دون فقدان ماء الوجه.

وتمكن خافيير بيريز دي كوييار بعد ثمانية أعوام من وصول الحرب العراقية الإيرانية إلى طريق مسدود، من بناء الثقة مع كلا الجانبين من خلال القنوات الخلفية، ونجح في تأمين وقف إطلاق النار بناءً على القرار 598، وأشرف شخصياً على المفاوضات في طهران وبغداد التي أنهت القتال أخيراً في أغسطس (آب) 1988.

وخلال أزمة السويس عام 1965 حينما غزت بريطانيا وفرنسا وإسرائيل الأراضي المصرية، وهدد الغزو بتصعيد هائل، عمل أمين عام المنظمة الدولية آنذاك، داغ همرشولد، مع الكندي ليستر بيرسون على ابتكار مفهوم "الخوذ الزرقاء" التي كانت أول قوة حفظ سلام مسلحة تابعة للأمم المتحدة، فقد أقنعت دبلوماسيته المكوكية الشخصية مصر بقبول القوات الدولية وانسحاب القوى الغازية، مما أدى بصورة فعالة إلى اختراع عمليات حفظ السلام الحديثة لحل المأزق الجيوسياسي.

وعام 2006 ووسط النزاع الحدودي بين نيجيريا والكاميرون الذي استمر لعقود من الزمن حول شبه جزيرة باكاسي الغنية بالنفط والذي هدد مراراً بإشعال حرب واسعة النطاق، استخدم أمين عام الأمم المتحدة كوفي عنان مساعيه الحميدة للتوسط شخصياً بين الرئيسين، وأدى إصراره إلى "اتفاقية جرينتري"، وهي مثال نادر على نزاع إقليمي يتم حله بالكامل من خلال الوسائل الدبلوماسية السلمية بدلاً من القتال.

كذلك نجح الأمين العام الحالي أنطونيو غوتيريش في إطلاق مبادرة "حبوب البحر الأسود" التي توسط من خلالها بين روسيا وأوكرانيا وتركيا في أعقاب شن الحرب على أوكرانيا عام 2022، لتحرير صادرات أكثر من 32 مليون طن من الغذاء، بعدما ارتفعت أسعار المواد الغذائية العالمية وحوصرت ملايين الأطنان من الحبوب في الموانئ المحاصرة، وهي خطوة تشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أنها أنقذت ما يقارب 100 مليون شخص من الوقوع في براثن الفقر المدقع.

وإخفاقات أيضاً

لكن مع الإنجازات التي حققها الأمناء العامون التسعة السابقون للأمم المتحدة التي تميزت بإرث حدده العصر الذي خدموا فيه، من أوائل الحرب الباردة إلى الأزمات العالمية الحديثة، ترافقت أيضاً مجموعة من الإخفاقات، فقد فشل النرويجي تريغفي لي (1946-1952) في تسهيل المفاوضات خلال حصار برلين ولم يتمكن من وضع نهاية سريعة للحرب الكورية، وأدى دعمه تدخل الأمم المتحدة في كوريا إلى نفور الاتحاد السوفياتي في نهاية المطاف، مما أدى إلى استقالته.

أما السويدي داغ همرشولد (1953-1961) فقد واجه رد فعل عنيفاً من الاتحاد السوفياتي، الذي دعا إلى استقالته وتوفي في حادثة تحطم طائرة عام 1961 قبل أن يتمكن من حل أزمة الكونغو، وتعرض البورمي يو ثانت (1961-1971) لانتقادات بسبب سحب قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة من سيناء عام 1967، مما أسهم في اندلاع الحرب بين مصر وإسرائيل، ولم يتمكن كذلك من إشراك الأمم المتحدة بصورة فعالة في تسوية حرب فيتنام.

وبالمثل تعرض النمسوي كورت فالدهايم (1972-1981) لانتقادات شديدة بسبب النهج غير الفعال في التعامل مع القوى العظمى والفشل في الضغط على فيتنام لإنهاء احتلالها لكمبوديا، بينما لم يتمكن خافيير بيريز دي كوييار (من البيرو) (1982-1991) من منع الغزو العراقي للكويت عام 1990 أو حرب الخليج اللاحقة من خلال الدبلوماسية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وطبعت ولاية المصري بطرس بطرس غالي (1992-1996) الكوارث الإنسانية الكبرى، بما في ذلك الإبادة الجماعية في رواندا عام 1994، ومذبحة سريبرينيتسا في البوسنة، حين فشلت الأمم المتحدة في حماية المناطق الآمنة، وأدت خلافاته العلنية مع الولايات المتحدة ووزيرة خارجيتها مادلين أولبرايت إلى استخدام حق النقض ضد فوزه بولاية ثانية كسائر الأمناء العامين الآخرين. أما الغاني كوفي عنان (1997-2006) فقد طغت فضيحة الفساد في برنامج "النفط مقابل الغذاء" على قيادته، وواجه انتقادات لعدم قدرة الأمم المتحدة على منع الغزو الأميركي للعراق عام 2003.

وتعرض الكوري الجنوبي بان كي مون (2007-2016) لانتقادات بسبب استجابة الأمم المتحدة البطيئة وغير الفعالة للحرب الأهلية السورية وتفشي وباء الكوليرا عام 2010 في هايتي، الذي تم إرجاعه إلى قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة.

أما الأمين العام الحالي البرتغالي أنطونيو غوتيريش الذي تولى منصبه عام 2017، فعلى رغم إنجازاته في قيادة استجابة الأمم المتحدة العالمية لوباء "كوفيد-19" وتوسطه في مبادرة حبوب البحر الأسود خلال الصراع الأوكراني الروسي، فإنه كافح من أجل كبح عدوان القوى العظمى، وبخاصة في أوكرانيا وغزة، بسبب مجلس الأمن المشلول والانقسام العميق.

مهمة صعبة

وسط الانقسام العميق والخلافات الكثيرة وتجاوز القوى العظمى القانون الدولي، ينصب التركيز على أربعة مرشحين رسميين شاركوا في الحوارات التفاعلية للأمم المتحدة، وحددوا من خلالها رؤاهم للتوسط في الصراعات العالمية الأكثر تعقيداً اليوم، وضرورة تحويل الأمم المتحدة من دور المتفرج إلى وسيط أكثر قدرة ومرونة على استباق الأزمات وتقديم الحلول العملية والفعالة التي تحقق السلام.

وسيواجه الزعيم القادم للأمم المتحدة مهمة هائلة تتمثل في إعادة تنشيط المنظمة التي تعاني أزمة، وتضاءلت مكانتها بصورة كبيرة في الأعوام الأخيرة، بينما تضغط القوى الكبرى على الأمم المتحدة لحملها على الإصلاح، وخفض الكلف، وإثبات أهميتها.

وفي ظل التطورات الجيوسياسية المتسارعة في العالم سيتعين على الأمين العام الجديد خلال ولايته الممتدة على خمسة أعوام ويمكن تمديدها لولاية ثانية، مواجهة التحديات الكثيرة في الهيئة المكونة من 193 عضواً، وعلى رغم أنه يوجد حالياً عدد أقل بكثير من المرشحين لهذا الدور مقارنة بعام 2016، عندما تم اختيار البرتغالي غوتيريش من بين 13 متنافساً، سبعة منهم من النساء، فإن المنافسة تبدو قوية للغاية.

 

المرشحون أربعة

في حين أن المرشحين الرسميين المعلن عنهم حتى الآن أربعة وحسب، إلا أنه من الممكن أن ينضم آخرون إلى السباق في الأشهر المقبلة، لكن لن يكون من بينهم مرشح من بين مواطني الدول الأعضاء الخمسة الدائمين في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، وهي بريطانيا والصين وفرنسا وروسيا والولايات المتحدة، إذ إن هناك قاعدة أخرى غير مكتوبة تتلخص في أن الأمين العام لا يأتي أبداً من الدول الأعضاء الخمسة الدائمي العضوية لتجنب الإفراط في تركيز السلطة، على رغم أن دعم هذه الدول يشكل أهمية بالغة في عملية اختيار مطولة وغامضة.

وبحسب كبير الباحثين في مجموعة الأزمات الدولية دانييل فورتي، فإن الحاجة إلى أمين عام مستعد للدفاع عن رؤية واضحة واستباقية للأمم المتحدة في شأن صنع السلام وإدارة الأزمات لا يمكن أن تكون أكثر إلحاحاً مما هي عليه الآن، وإذا أضاع المرشحون والدول الأعضاء هذه الفرصة الأخيرة، فقد لا يتبقى كثير للأمم المتحدة للدفاع عنه.

رافاييل غروسي

يتصدر مدير عام الوكالة الدولية للطاقة الذرية رافاييل غروسي (65 سنة) وهو دبلوماسي محترف من الأرجنتين، قائمة المرشحين للمنصب، فقد ظل في منصبه الحالي بصورة مفرطة النشاط على مدى الأعوام الستة الماضية، إذ قاد مفاوضات تهدف إلى إنقاذ أجزاء من الاتفاق النووي التاريخي بين طهران والقوى الكبرى، بعد قرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب بسحب الولايات المتحدة منه عام 2018.

عزز غروسي، وهو أب لثمانية أطفال، يتحدث الإنجليزية والإسبانية والفرنسية والإيطالية، مكانته ومكانة الوكالة الدولية للطاقة الذرية من خلال دبلوماسيته المكوكية في الأزمات الدولية، فقد كان من أبرز إنجازاته، نشر فريق صغير من الوكالة الدولية للطاقة الذرية في محطة زابوروجيا النووية التي تحتلها روسيا في أوكرانيا، وذلك بعد رحلات متكررة عبر خط المواجهة خلال الحرب الروسية - الأوكرانية.

سعى غروسي إلى تقديم صورة رجل العمل في هذا السباق، إذ يراه كثير من الدبلوماسيين المرشح الأوفر حظاً بعد أعوام قضاها في محاولة كسب تأييد الأعضاء الخمسة الدائمين في مجلس الأمن الدولي، الذين يعد دعمهم حاسماً لتولي هذا المنصب الرفيع، ويطمح في تنفيذ التعددية المبدئية والعملية التي تحقق نتائج ملموسة، ويدعو غروسي الأمم المتحدة إلى الظهور في المناطق المتضررة من النزاع، والابتعاد عن الحلقات البيروقراطية إلى الدبلوماسية النشطة القائمة على الحقائق.

ميشيل باشيليه

تأتي ميشيل باشيليه (74 سنة)، رئيسة تشيلي السابقة لولايتين، والمفوضة السامية السابقة للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، التي شغلت أيضاً منصب المديرة التنفيذية لهيئة الأمم المتحدة للمرأة، وهي وكالة معنية بتعزيز حقوق المرأة، في المرتبة الثانية في قائمة المتنافسين من ناحية تنوع وزخم المناصب التي شغلتها والتي تجعل منها ذات خبرة واسعة في أعمال الأمم المتحدة.

وتعتزم باشيليه إعادة بناء الثقة الدولية من خلال الحوار مع أولئك الذين يفكرون بصورة مختلفة، وهي في ذلك تعتمد على تجربتها الشخصية في البيئات السياسية المستقطبة، بما يساعد الدول على إيجاد تقارب في المصالح، وحددت في رؤيتها أنها مناصرة قوية لمشاركة المرأة في حل النزاعات رسمياً، معتبرة أن الوساطة الشاملة للجنسين تؤدي إلى سلام أكثر استدامة.

ومع ذلك، تواجه باشيليه تحديات مهمة، فقد كانت من أشد منتقدي إسرائيل في مجال حقوق الإنسان، ومع انتهاء ولايتها عام 2022، اتهمت الحكومة الإسرائيلية بمحاولة عرقلة الوصول إلى خدمات حقوق الإنسان عندما رفضت منح موظفيها تأشيرات دخول، كما واجهت باشيليه انتقادات من المحافظين الأميركيين بسبب موقفها المؤيد لحق المرأة في الإجهاض، وفي أبريل (نيسان) الجاري، بدا أن مبعوث واشنطن للأمم المتحدة، مايك والتز، عرقل ترشيحها بتصريحه أنه يشارك أحد أعضاء مجلس الشيوخ الأميركي مخاوفه في شأن مدى ملاءمتها.

واتهم السيناتور الجمهوري بيت ريكيتس، المرشحة باشيليه بالتساهل في تقريرها الصادر عام 2022 بصفتها مفوضة الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، وذلك لعدم تصنيفها ممارسات الصين ضد مسلمي الإيغور على أنها إبادة جماعية، كذلك فإنها روجت للإجهاض كحق أساس من حقوق الإنسان، بينما لم تعلن بكين موقفها من ترشيحها.

في مارس (آذار) الماضي سحبت تشيلي دعمها لباشيليه بعد تحول يميني في قيادة البلاد، لكنها أكدت أنها ستواصل حملتها بدعم من البرازيل والمكسيك.

ريبيكا غرينسبان

تصف نائبة رئيس كوستاريكا السابقة ورئيسة مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية "ريبيكا غرينسبان" (70 سنة) نفسها، بأنها ناشطة متعددة الأطراف ذات توجه إصلاحي، كافحت "الحواجز الجندرية"، ولديها إيمان راسخ بالأمم المتحدة والتزامها بالسلام والتنمية وحقوق الإنسان.

تنحدر غرينسبان من عائلة يهودية هاجرت إلى كوستاريكا من بولندا في أعقاب الهولوكوست، وتربط رؤيتها للعالم ارتباطاً وثيقاً بنشأة الأمم المتحدة ودورها في التعاون الدولي ومنع النزاعات، وتقول إنها اضطرت إلى الموازنة بين حياتها الأسرية والخدمة العامة في مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية، إلا أن كونها أول امرأة تتولى هذا المنصب أسهم في صقل شخصيتها القيادية.

وتصف غرينسبان، المتخصصة الاقتصادية، نفسها بأنها "قائدة ناضجة" ستقود الأمم المتحدة نحو مزيد من المرونة من خلال التعاون مع مختلف الجهات الفاعلة مع الحفاظ على قيمها الأساسية، وتستهدف غرينسبان إنشاء بنية تحتية للسلام لضمان قدرة الأمم المتحدة على الاستجابة بالسرعة التي تتكشف بها الأزمات، وتدعو إلى التواصل الهادئ والمشاركة المبكرة قبل تصلب المواقف.

وترى غرينسبان أن الأمم المتحدة يجب أن تكون على الطاولة عندما يغادر الآخرون، وتعتزم استخدام التحليل بمساعدة الذكاء الاصطناعي لتحديد أخطار الصراع قبل أن تتصاعد.

ماكي سال

يؤكد ماكي سال (64 سنة)، الذي شغل منصب رئيس السنغال لمدة 12 عاماً حتى عام 2024، على أن خبرته كرئيس دولة تعد ميزة أساسية لمنصب الأمين العام بخاصة أنه أنجز وهو ابن بائع فول سوداني من منطقة فقيرة في هذا البلد الواقع في غرب أفريقيا، مشاريع بنية تحتية ضخمة خلال فترة ولايته، كذلك فإنه دافع عن التنمية في أفريقيا.

يشدد سال على ضرورة دعم الدول النامية المثقلة بالديون، ودعا إلى إصلاح شامل لمجلس الأمن، استجابة لمطالب الدول النامية بالحصول على مقاعد دائمة في أقوى هيئات الأمم المتحدة.

رشحت بوروندي سال، المعروف بهدوئه وإتقانه اللغة الفرنسية أكثر من الإنجليزية، إذ يحظى ترشيحه بدعم متفاوت في أفريقيا، حيث امتنعت نيجيريا عن دعمه، وفي حال اختياره، سيكون ثالث أمين عام أفريقي بعد المصري بطرس بطرس غالي والغاني كوفي عنان.

يقدم سال نفسه كصوت للجنوب العالمي، ويدعو إلى إصلاح أكثر عدالة للبنية المالية الدولية كأداة لمنع الاضطرابات والصراعات الاجتماعية. ويركز سال على مبدأ الوقاية قبل التدخل، والاستفادة من الشراكات الإقليمية (مثل الاتحاد الأفريقي) لتعزيز الحوكمة العالمية.

اقرأ المزيد

المزيد من تحقيقات ومطولات