ملخص
يعزز استمرار تشديد إجراءات الرقابة على الحدود وفرص عمل المهاجرين في القطاع الزراعي مع تزايد هجرة المغاربة من الريف إلى المدن بحثاً عن وظائف في قطاعي البناء والخدمات، التحول المغربي الجديد.
في عمق الأراضي الخصبة في المغرب تسير شاحنات صغيرة تحمل مهاجرين من منطقة أفريقيا جنوب الصحراء بمحاذاة بحر من الصوبات الزراعية البلاستيكية التي تنتج الفاكهة والخضراوات الطازجة للمتاجر الكبيرة (السوبر ماركت) في أنحاء أوروبا وغرب أفريقيا.
بعض هؤلاء العمال، الذين جاء معظمهم من منطقة غرب أفريقيا الناطقة بالفرنسية، كان عاقداً العزم على التوجه إلى أوروبا، لكنه أرجأ ذلك الآن للعمل في المغرب وسد النقص المتزايد في العمالة الزراعية المحلية، وهو ما يسلط الضوء على الدور المتغير للمملكة إزاء تدفقات الهجرة الدولية، إذ أصبحت وجهة أكثر من مجرد نقطة عبور، وتسهم في انخفاض محاولات العبور إلى أوروبا في الآونة الأخيرة.
ويعزز استمرار تشديد إجراءات الرقابة على الحدود، وفرص عمل المهاجرين في القطاع الزراعي مع تزايد هجرة المغاربة من الريف إلى المدن بحثاً عن وظائف في قطاعي البناء والخدمات، التحول المغربي الجديد.
وداعاً للتسول
تجسد سهول أشتوكة في منطقة سوس ماسة، التي تبعد 50 كيلومتراً جنوب مدينة أغادير الساحلية، هذا الوضع المتغير. ويجري إنتاج أكثر من أربعة أخماس صادرات المغرب من الفاكهة والخضراوات من صوبات زراعية على مساحة تمتد لأكثر من 24 ألف هكتار (59305 أفدنة) ، مما أسهم في زيادة صادرات البلاد الزراعية 3.6 في المئة لتصل إلى 4.5 مليار دولار خلال عام 2025.
وقال عبد الفتاح أليو (23 سنة) المهاجر من توغو، إنه جاء إلى آيت عميرة، وهي بلدة ريفية في سوس ماسة، بعدما سمع عن فرص عمل هناك. وكان قد حاول في البداية الوصول إلى جيب إسباني في شمال المغرب، لكن السلطات المغربية نقلته بالحافلة جنوباً. ويروي بعد انتهاء نوبته في مزرعة للطماطم "العمل أفضل من التسول في الشوارع".
نقص العمالة
يقول مزارعون ومسؤولون إن هذا الاتجاه، الذي يصعب تحديده كمياً لأن الإحصاءات الرسمية لا تظهر الهجرة غير الرسمية، نتج من تغير الظروف الاقتصادية والاجتماعية.
فبعد جفاف استمر لأعوام، انتقل عدد كبير من الشبان المغاربة إلى المدن، منجذبين إلى قطاعي البناء والخدمات المتناميين. وأدى ذلك إلى انخفاض عدد المغاربة العاملين في الزراعة، وهو قطاع تفيد الإحصاءات الرسمية بأنه فقد 1.7 مليون وظيفة إجمالاً منذ عام 2000 مع تراجع زراعة الاستهلاك المعيشي.
ويعمل الآن واحد فقط من كل أربعة مغاربة في الزراعة، مقارنة بنصف المغاربة قبل عقدين. أما الذين يبقون للعمل في القطاع، فغالباً ما يطلبون أجوراً أعلى أو يفضلون الحصول على أجر مقابل "العمل بالقطعة"، إذ يقول المزارعون إنهم يتقاضون مالاً مقابل كل صندوق يجري ملؤه أو صف من المحاصيل يجري حصاده.
ويمكن أن يرفع هذا الأجور إلى 500 درهم مغربي (55 دولاراً) يومياً، أي أكثر من خمسة أمثال ما يجنيه المهاجرون مثل أليو. في الوقت نفسه، تحول بعض المزارعين إلى زراعة المحاصيل التجارية التي تحتاج إلى عمالة أكثر وموجهة للتصدير مثل الفراولة وتوت العليق والتوت الأزرق. وقال عبدالعزيز المعناوي رئيس جمعية أشتوكة للمنتجين الفلاحين، "لولا العمالة من جنوب الصحراء الكبرى، لكان عدد من المزارع قد أغلق أو اضطر إلى خفض الإنتاج".
معظم العمالة القادمة من منطقة جنوب الصحراء الكبرى غير رسمية، إلا أن أكثر من 50 ألف مهاجر حصلوا على وضع قانوني في المغرب منذ عام 2013.
وقال المعناوي إنه يؤيد تسهيل الإجراءات الورقية لمساعدة المزارع على توظيف العمال المهاجرين بشكل قانوني، بخاصة أن نقص العمالة قد يتفاقم مع انخفاض معدلات الخصوبة في المغرب، وهي الآن أقل من مستوى الإحلال عند 1.9 طفل لكل امرأة.
ومن المتوقع أن يصل إنفاق المغرب على السكك الحديد والطرق والملاعب والمطارات قبل بطولة كأس العالم التي سيشارك في استضافتها عام 2030 إلى نحو 190 مليار درهم (20 مليار دولار) على مدى الأعوام الأربعة المقبلة، أو نحو 12 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي. وسيؤدي ذلك إلى جذب مزيد من العمال من القرى إلى المدن.
وقال رئيس الكونفيدرالية المغربية للفلاحة والتنمية القروية (كومادير) رشيد بنعلي، "بمجرد أن يعتاد الناس على حياة الحضر، تصعب إعادتهم للعمل في المزارع في المناطق الريفية". وأضاف أن "النقص الهيكلي في كل من العمالة الزراعية المؤهلة وغير المؤهلة في البلاد" يهدد القدرة التنافسية للقطاع. وتابع قائلاً "لم يعد للمغرب ميزة العمالة الرخيصة".
تغير التركيبة السكانية
شهد السنغالي أليون ديالو (48 سنة)، الذي يعمل في المزارع المغربية منذ عام 2008، التغييرات التي أعادت تشكيل آيت عميرة.
وزاد عدد سكان المدينة أربعة أمثال خلال العقود الثلاثة الماضية ليصل إلى 113 ألف نسمة، ويعود ذلك إلى حد كبير إلى وفود العمال المهاجرين.
وقال ديالو، متحدثاً قرب منزله في حي عشوائي في آيت عميرة، إنه مع تقدم العمال المغاربة في السن حل المهاجرون من جنوب الصحراء محلهم بصورة متزايدة.
وعند الفجر يتجمعون في أغلب الأحيان عند مكان يعرف باسم (الموقف) على الطريق الرئيس في آيت عميرة بانتظار التفاوض على أجر اليوم مع سائقي الشاحنات الذين ينقلونهم إلى الصوبات الزراعية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وتفتقر المنطقة إلى الكثير من الخدمات، وشهدت بعضاً من أعنف الاضطرابات خلال الاحتجاجات التي قادها الشبان خلال أكتوبر (تشرين الأول) عام 2025.
وكان ديالو يخطط سابقاً للتوجه إلى أوروبا، إلا أنه ينوي الآن البقاء. ولديه ابنة عمرها 11 سنة تذهب لمدرسة محلية وتتحدث الأمازيغية والعربية باللهجة المغربية.
وقد يستقر بعض المهاجرين، مثل ديالو، لفترة طويلة في المغرب لكن آخرين يقولون إنهم ما زالوا يفكرون في السفر إلى أوروبا.
وقال أليو الذي يكسب نحو 100 درهم في اليوم، إنه ينام في العراء ويوفر المال من أجل استئجار غرفة وشراء أحذية متينة وهاتف للاتصال بعائلته التي لم يرها منذ أربع سنوات. وأضاف "على كسب بعض المال لأعيش وأرتاح قليلا. سأحاول السفر إلى أوروبا بعد ذلك".