ملخص
مريض الثلاسيميا في غزة يواجه الموت مرتين، مرة من فقر الدم، وأخرى من تراكم الحديد القاتل في قلبه. مع توقف الأدوية، يتحول الشحوب إلى سواد، وتتحول وحدات الدم إلى حل مسموم يؤجل الموت ولا يمنعه.
في قلب الزحام داخل مركز إيواء متهالك بشمال غزة، يمكن الحكم على أيمن بسهولة بأنه مريض ثلاسيميا (أنيميا البحر المتوسط) بمجرد النظر إليه، فهو صاحب جسد هزيل ووجه يمتزج فيه الشحوب بلون برونزي داكن غير معتاد، لا يسير على قدميه بل يجر جسده جراً.
وجهه شاحب كقطعة قماش مغسولة، لكن مع غياب الدواء الطارد للحديد، يتحول الشحوب إلى لون يميل للاسوداد، عظام وجهه تبدو بارزة بصورة غير طبيعية، يقول أيمن "في غزة، يواجه مريض الثلاسيميا وضعاً صحياً حرجاً للغاية، إذ تسببت الحرب في انهيار جزء كبير من بروتوكولات الرعاية اليومية التي نعتمد عليها للبقاء على قيد الحياة".
يلهث كمتسابق لكنه جالس
إذا اقتربت من أيمن ستسمع صوت أنفاسه المتلاحقة وكأنه في سباق ماراثون، على رغم أنه جالس، قلبه يدق بسرعة جنونية ليحاول ضخ ما تبقى من هيموغلوبين قليل للأعضاء الحيوية. يضيف الرجل "يواجه مرضى الثلاسيميا أزمات متعددة، منها نقص الأدوية الطاردة للحديد، ومعضلة نقل الدم وخروج المراكز المتخصصة عن الخدمة".
يعاني أيمن ثقلاً في الأطراف، وآلاماً في الظهر والعظام وشعور دائم بالدوار، كما أن أي مجهود بسيط حتى لو كان الكلام ينهكه تماماً، لكن لم يكن حاله هكذا قبل الحرب التي أثرت في عمل المعابر فبات تدفق الدواء يخضع لقيود صارمة، ومن ثم توقف المريض عن تناول العقاقير الطبية الطاردة للحديد.
منذ عامين لم يتناول أيمن أدوية تطرد الحديد الذي يسكن جسده وكرد فعل فوري ومرئي للأزمة يشعر المريض بالوهن، فغياب هذه الأدوية يعد موتاً تراكمياً وبطيئاً يفتك بالأعضاء الحيوية للذين يعانون الثلاسيميا.
عجز 100 في المئة
الدواء بالنسبة إلى أيمن مسألة حياة أو موت، يقول الطبيب فؤاد نجم "المريض في غزة يعيش بجسد يصدأ من الداخل، فمريض الثلاسيميا الذي يتلقى نقل دم دوري يتراكم في جسده فائض كبير من الحديد، والجسم البشري لا يملك وسيلة طبيعية للتخلص من هذا الفائض، من دون الدواء يترسب الحديد في عضلة القلب مما يؤدي إلى هبوط القلب المفاجئ، وفي الكبد مسبباً التليف، وفي الغدد الصماء مسبباً السكري وفشل النمو".
بحسب بيانات وزارة الصحة وصلت نسبة العجز في هذه الأدوية التخصصية إلى 100 في المئة، وفي حال توفرت كميات بسيطة مهربة أو من مخزونات قديمة، فإن سعر العلبة الواحدة قد يصل إلى أرقام خيالية لا تستطيع العائلات النازحة تأمينها، خصوصاً أن المريض يحتاج إلى جرعة يومية مدى الحياة.
في ظل غياب الدواء يعيش الأطباء في حيرة ويواجهون مفارقة أخلاقية، إذا أعطوا المريض دماً لينقذوه من أنيميا فقر الدم، فهم يزيدون من ترسب الحديد القاتل في قلبه لعدم وجود دواء طارد، وإذا توقفوا عن نقل الدم سيموت المريض بهبوط حاد في الهيموغلوبين، يضيف الطبيب نجم "نحن نعلم أننا بتقديم الدم بلا طاردات الحديد، نؤجل موت المريض من اليوم إلى العام القادم، نحن نشتري لهم وقتاً بائساً".
مثلث الأزمة
بسبب انقطاع الدواء لأشهر طويلة بدأت تظهر على مرضى الثلاسيميا أمثال أيمن علامات التسمم بالحديد، تغير لون الجلد والإعياء القلبي وتأخر النمو الحاد، لكن ليس هذا أبشع ما يواجهونه، إذ معضلة نقل الدم هي التحدي الوجودي اليومي الذي يعيشونه.
يشرح الطبيب نجم "هي ليست مجرد نقص في أكياس الدم، بل هي أزمة مركبة من ثلاثة أبعاد تجعل من كل عملية نقل دم رحلة محفوفة بالأخطار، في ظل تدفق الإصابات والعمليات الجراحية الطارئة يجد الأطباء أنفسهم أمام معضلة أخلاقية، الأولوية للجرحى بحيث يتم توجيه معظم وحدات الدم المتوفرة في بنوك الدم للمصابين في الغارات والعمليات الجراحية العاجلة لإنقاذ الأرواح وتأجيل المزمن، إذ ينظر لمريض الثلاسيميا كحالة مستقرة نسبياً مقارنة بجريح ينزف، فيتم تأجيل موعده، هذا التأجيل الذي قد يمتد لأسابيع يؤدي إلى هبوط الهيموغلوبين لمستويات خطرة تسبب فشلاً في وظائف القلب".
أما الضلع الثاني من مثلث الأزمة هو غياب الفلاتر الوريدية، يضيف الطبيب نجم "هذه نقطة فنية يغفل عنها كثيرون، لكنها حاسمة لحياة المريض، إذ يحتاج مريض الثلاسيميا إلى نقل دم مفلتر من كريات الدم البيضاء والشوائب لمنع حدوث صدمات تحسسية حادة، لكن بسبب الحصار فقدت هذه الفلاتر تماماً والآن يضطر الأطباء إلى نقل الدم خاماً للمريض، مما يسبب له أعراضاً قاسية وقد تصل إلى تهديد حياته فوراً".
ضلع الأزمة الأخير هو الدم بلا طاردات حديد، يستدرك الطبيب نجم "نقل الدم المستمر يرفع نسبة الحديد في الجسم بصورة تراكمية، إن المعادلة المفقودة هي نقل دم + دواء طارد للحديد = حياة مستقرة، والمعادلة الحالية نقل دم بلا دواء طارد = تراكم الحديد في القلب والكبد".
الطب العاجز
الطبيب بيان السقا، استشاري ورئيس قسم أمراض الدم والأورام، الذي يعالج أيمن ومعظم مرضى الثلاسيميا في غزة يعيش أسوأ كابوس في حياته، يقول "عندما يأتي مريض ثلاسيميا بهيموغلوبين 4، أي حالة وفاة سريرية تقريباً، ونضطر إلى تأجيله، لأن هناك جريحاً ينزف من قصف، نحن لا نعالج نحن نختار من لديه فرصة أكبر للنجاة، وهذا يقتلنا مهنياً وإنسانياً، كما نقل الدم بلا دواء طارد للحديد هو حل مسموم، نحن نرفع نسبة الدم ليعيش المريض أسبوعاً إضافياً، لكننا نعلم أننا نراكم الصدأ الحديد على قلبه، من دون الدواء نحن نحول أجساد الأطفال إلى مخازن سموم ستحصد أرواحهم بسكتة قلبية مفاجئة في أية لحظة".
ويضيف "نضطر أحياناً إلى نقل دم غير مفلتر لإنقاذ المريض من الهبوط الحاد، مما يسبب له انتكاسات تحسسية وارتفاعاً في الحرارة وآلاماً في العظام، المريض يرتجف أمامنا ونحن لا نملك أبسط المستهلكات الطبية لحمايته من أعراض نقل الدم الجانبية، والأبشع أننا نعمل في بيئة غير مهيأة لذلك بعد خروج المراكز المتخصصة عن الخدمة".
بسبب الحرب تضررت المراكز التي كانت تقدم الرعاية لهؤلاء المرضى بصورة كبيرة، ومن أبرزها مستشفى الرنتيسي للأطفال الذي يضم القسم الأكبر لمرضى الثلاسيميا، ويعد خروجه عن الخدمة النقطة الفاصلة في انهيار حياة مرضى الثلاسيميا، إذ كان يمثل النخاع الشوكي لرعايتهم الطبية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
يقول المدير العام لوزارة الصحة منير البرش "عندما خرجت المراكز الطبية عن الخدمة ضاعت المرجعية الطبية والسجلات، إذ كان لكل مريض ملف طبي دقيق يوضح تاريخ نقل الدم وأنواع الأجسام المضادة في دمه ومعدلات ترسب الحديد، لكن بعد الانهيار تشتت المرضى كنازحين، فيضطر الطبيب إلى التعامل مع المريض كحالة مجهولة".
ويضيف "خروج هذه المراكز يعني أن مريض الثلاسيميا فقد بيته الطبي، وتحول من مريض تتم إدارته طبياً إلى لاجئ صحي يبحث عن فرصة للحياة في منظومة منهارة".
كوارث خلف الأرقام
المعاناة التي يعيشها أيمن يصارع فيها، بحسب بيانات جمعية أصدقاء مرضى الثلاسيميا، جميع المصابين بالمرض وعددهم يبلغ 300 مريض، النسبة الأكبر من الأطفال والشباب، إذ يحتاج هؤلاء إلى رعاية فائقة لضمان النمو الطبيعي.
أثناء الحرب سجلت زيادة مقلقة في عدد الوفيات بين المرضى، إذ مات ما يقارب 46 مريضاً، 12 قتلوا نتيجة القصف والاستهداف المباشر، و34 توفوا نتيجة الموت الصامت، وهو نقص الأدوية التخصصية وغياب وحدات الدم المفلترة وسوء التغذية الحاد.
هذه الأرقام تعني فقدان نحو 15 في المئة من مجتمع مرضى الثلاسيميا في غزة خلال عامين فقط، وهي نسبة كارثية في علم الوبائيات والرعاية الصحية.
أيمن وجميع المرضى المتبقين الأحياء يعيشون في سباق مع الموت، يقول استشاري أمراض الدم بيان السقا "عندما ينخفض الهيموغلوبين لدى المريض إلى مستويات ثلاثة أو أربعة والمعدل الطبيعي فوق 12، يبدأ القلب بالعمل بأقصى طاقته لتعويض نقص الأكسجين، هذا يضع القلب في حالة إجهاد قاتل، الصراع هنا هو هل ستصل وحدة الدم قبل أن تتوقف عضلة القلب عن النبض".
ويضيف "بسبب تضخم الطحال أو استئصاله لدى كثير منهم، تكون مناعتهم شبه منعدمة، في بيئة غزة تلوث مياه وانعدام صرف صحي واكتظاظ يجعل أي فيروس بسيط أو نزلة معوية هي بالنسبة إلى مريض الثلاسيميا حكم إعدام، إذا لم يتوفر مضاد حيوي وريدي فوري".
يوضح السقا أن "المريض الذي استأصل طحاله لا يملك جهاز مناعة، في خيمة النزوح أية جرثومة من مياه ملوثة هي حكم بالإعدام، نحن لا نخشى عليهم من الثلاسيميا بقدر ما نخشى عليهم من التهاب رئوي أو معوي بسيط لا نستطيع علاجه لضعف أجسادهم.
بيئة مرهقة
يسكن أيمن في خيمة، يعيش في بيئة رطبة شتاء وخانقة صيفاً بعد أن استأصل الطحال، بات جهازه المناعي مكشوفاً مجرد ذبابة واحدة أو شربة ماء ملوثة تعني تهديداً بالتهاب رئوي أو معوي قد يقتله في ساعات، إنه ينام على "فرشة" رقيقة على الأرض، وسط ضجيج مئات النازحين، بينما يحتاج جسده إلى راحة تامة وهدوء لتقليل استهلاك الأكسجين، يعتمد في أكله على المعلبات، وهي أسوأ غذاء لمريض يحتاج إلى خضراوات طازجة وبروتين معين لدعم نموه وتجنب هشاشة العظام.
يقول رئيس جمعية أصدقاء مرضى الثلاسيميا في فلسطين بشار الكرمي "إغلاق المعابر ومنع وصول الأدوية التخصصية هو حكم بالإعدام على فئة لا تملك ترف الانتظار، نقل الدم وحده لا يكفي، فتزويد المريض بالدم من دون الأدوية الطاردة للحديد هو بمثابة إعطائه حياة موقتة في مقابل تدمير قلبه وكبده على المدى القريب".
ويضيف "فقدان مراكز الرعاية التخصصي أدى إلى فقدان السيطرة على سجلات المرضى ومتابعة حالاتهم، مما جعل المريض تائهاً في المنظومة الصحية المنهكة، من دون وجود كادر متخصص يفهم تعقيدات حالته، نحن لا نطالب برفاهية طبية، بل بمقومات بقاء أساسية سلبت من مرضى الثلاسيميا، مما جعلهم الضحايا المنسيين في طوابير الانتظار".
من إسرائيل يقول رئيس الإدارة المدنية في وحدة تنسيق أنشطة الحكومة الإسرائيلية في المناطق هشام إبراهيم "لا نضع قيوداً على دخول الأدوية والمعدات الطبية، ونسمح بخروج حالات استثنائية بالتنسيق مع دول الجوار أو عبر منظمات دولية".