ملخص
"الأعشاش الفارغة" في المغرب، حين تفرغ البيت من الأبناء ولا يبقى سوى صدى الذكريات.
هذه الظاهرة لا تكشف عن تراجع التضامن بين الأجيال في ذاته، بقدر ما تكشف عن تحول في صيغ ممارسته، فما يتراجع ليس مبدأ التضامن، بل صورته التاريخية القائمة على المسكن والقرب المكاني والحضور اليومي.
تعاني حفيظة، سيدة مغربية خمسينية، وزوجها الستيني، من متلازمة "العش الفارغ"، التي تعني الشعور بالوحدة والحزن بعد رحيل الأبناء عن المنزل لأسباب اجتماعية وأسرية مختلفة، فهما في كل مساء يجدان نفسيهما وجهاً لوجه يستعيدان ذكرياتهما السابقة مع أبنائهما.
فالمغرب يشهد ارتفاعاً لافتاً في ظاهرة "الأعشاش الفارغة" التي تتكون من أب وأم بلا أبناء ولا وأنيس، فقد أفادت معطيات رسمية حديثة بوجود هيمنة واضحة للعائلات المكونة من زوج وزوجة وأطفالهما الذين يعيشون في منزل واحد، في مقابل تراجع لافت لعدد الأسر الممتدة.
أعشاش فارغة وأسر نواة
أسرة حفيظة وزوجها هي واحدة من آلاف "الأعشاش الفارغة" التي تلحظ تصاعداً لافتاً في المغرب، إذ كشفت معطيات المندوبية السامية للتخطيط (مؤسسة رسمية) عن أنه خلال الفترة الممتدة بين 1995 و2025، ظهر تحولان بنيويان بارزان: أولهما الارتفاع الكبير في عدد الأسر المكونة من زوجين من دون أطفال، وثانيهما ترسيخ ظاهرة الأسر أحادية الوالد ضمن البنية الأسرية.
وتبعاً للأرقام الرسمية ذاتها، ارتفع الوزن الديمغرافي للأزواج بلا أطفال من 3.4 في المئة إلى 9.4 في المئة، وشملت هذه الزيادة المدن والقرى معاً. ويعزى ذلك أساساً إلى انتشار ما يعرف بـ"العش الفارغ"، إذ يشكل كبار السن (60 سنة وما فوق) غالبية أرباب هذه الأسر بنسبة 72.8 في المئة، وهو ما يعكس تنامي ظاهرة الشيخوخة الديمغرافية.
وفي سياق ذي صلة، تفيد المعطيات أيضاً بأن تحول العائلة نحو نمط العائلة النواة لم يعد مجرد ظاهرة آخذة في الانتشار، بل أصبح اتجاهاً بنيوياً يسهم في إعادة تشكيل أنماط التعايش السكني داخل المجتمع المغربي.
وتكشف المعطيات عن أن العائلات النواة باتت تمثل 73 في المئة من مجموع الأسر في عام 2025، في مقابل 60.8 في المئة عام 1995، وهو ما يعكس تنامياً واضحاً لتمركز البنية الأسرية حول الوالدين. وتشمل هذه التحولات مختلف مناطق البلاد، بما أفضى إلى تقارب شبه تام بين النموذج العائلي في الوسط الحضري ونظيره في الوسط القروي.
ويورد المصدر أيضاً أنه خلال الفترة بين 1995 و2025، سجل الوسط الحضري معدل نمو سنوياً متوسطاً للعائلات النواة بلغ 3.6 في المئة، في مقابل 2.4 في المئة في الوسط القروي. ففي المدن، تسهم التحولات السكنية وتغير أنماط العيش في تعزيز انتشار الأسر الصغيرة الحجم، بينما لا تزال استمرارية الأشكال العائلية الممتدة في القرى تحد نسبياً من توسع العائلة النواة.
وتفيد المعطيات الرسمية ذاتها بأنه، بالتوازي مع هذه التحولات، شهد الوزن الديمغرافي للعائلات الممتدة تراجعاً ملاحظاً، إذ انخفض من 35.2 في المئة إلى 19.8 في المئة من مجموع الأسر بين 1995 و2025، مع انخفاض أكثر وضوحاً في الوسط القروي مقارنة بالوسط الحضري.
ويعود هذا التطور، وفق مندوبية التخطيط، إلى تقلص الأنماط العائلية التي تضم الأصول (الآباء والأجداد)، في وقت أصبح فيه تعايش ثلاثة أجيال داخل المسكن نفسه محدوداً للغاية. وبالموازاة مع ذلك، تراجعت أيضاً بصورة واضحة صور الامتداد العائلي القائمة على الأقارب الأفقيين، مثل الإخوة وأبنائهم، والأعمام وأبنائهم، والأخوال وأبنائهم، إلى جانب تراجع الصور العائلية المركبة.
إعادة صياغة بنية الأسرة
يقول في هذا الصدد زهير البحيري، أستاذ السوسيولوجيا بجامعة أغادير، مدير مختبر التخصصات البينية في العلوم الاجتماعية، إن مفهوم "الأعشاش الفارغة" في المغرب يؤشر إلى إعادة التشكيل العائلي، أي إلى مشهد أعمق يعيد صياغة بنية الأسرة ووظائفها وموقعها داخل التحولات الديمغرافية والاجتماعية والقيمية الجارية.
وشدد البحيري على أنه لا ينبغي فهم ظاهرة "العش الفارغ" في المجتمع المغربي باعتبارها وضعية معزولة، بل بوصفها انعكاساً لتحولات أعمق تمس علاقات القرابة والسكن والعمل والزمن العائلي وأنماط الرعاية الأسرية.
وأكمل السوسيولوجي ذاته بأن هذه الظاهرة لا تكشف عن تراجع التضامن بين الأجيال في ذاته، بقدر ما تكشف عن تحول في صيغ ممارسته، فما يتراجع ليس مبدأ التضامن، بل شكله التاريخي القائم على المسكن والقرب المكاني والحضور اليومي.
واسترسل البحيري "حين يشير التقرير إلى أن أقل من نصف أرباب الأسر يقيمون في المنطقة ذاتها التي يقيم فيها آباؤهم، وأن أنماط التبادل تميل من الحضور المنتظم والخدمات العينية إلى التواصل عن بعد والدعم المالي، فإن هذا يفيد بالانتقال من تضامن متمركز حول السكن إلى تضامن أكثر تباعداً ومرونة".
وأبرز الأستاذ الجامعي أن حصر تفسير هذه الظاهرة داخل المجال العائلي وحده يظل قاصراً، لأن "الأعشاش الفارغة" تنتج أيضاً من تقاطع التحول الأسري مع بنية الشغل وأوضاع السكن والحركية المجالية والتكوين وتحول الأدوار الجندرية وحدود الحماية الاجتماعية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ولفت إلى أن هذه الظاهرة ليست مجرد نتيجة للشيخوخة، أو لتحول القيم الأسرية فقط، بل هي أيضاً أثر لإعادة توزيع أوسع للقيود والموارد بين الأسرة والسوق والدولة، فكلما تعقدت شروط الاستقلال الاقتصادي وازدادت كلفة السكن وتنوعت المسارات وتراجعت قدرة الأسرة على احتواء وظائف الرعاية داخل البيت، أصبح "العش الفارغ" تعبيراً عن اختلال أعمق في التوازن بين الحاجات المتزايدة والقدرة على التكفل بها.
ونبه البحيري إلى أن "الأعشاش الفارغة" في المغرب لا تمثل وضعية معزولة ولا أثراً ديمغرافياً جانبياً، بل تكشف عن إعادة تركيب للعلاقة بين الأسرة والتضامن والرعاية والسياسات العمومية، فالأسرة لا تختفي لكنها تعيد تعريف وظائفها وحدودها تحت ضغط الشيخوخة وتحولات الشغل والسكن وتعقد أدوار النوع الاجتماعي وهشاشة شروط الاستقلال الاقتصادي.
وخلص الباحث إلى أن هذه الظاهرة لا تدل على تفكك الأسرة المغربية، بل على انتقالها من نموذج يقوم فيه التماسك أساساً على المساكنة والاحتضان اليومي المباشر، إلى نموذج أكثر تباعداً ومرونة، تتوزع فيه أشكال الدعم بين العائلة والسوق والدولة داخل شروط اجتماعية جديدة.
انعكاسات اجتماعية وأسرية
من جهته، يرى فوزي بوخريص، أستاذ علم الاجتماع في جامعة القنيطرة، أن تنامي ظاهرة "الأعشاش الفارغة"، المرتبطة بشيخوخة السكان ومغادرة الأبناء للبيت الأسري، له انعكاسات اجتماعية وأسرية على تركيبة المجتمع المغربي وأفراده.
ويشرح قائلاً "بعد الأزواج، يعد الأبناء البالغون أكثر الأشخاص احتمالاً لتقديم الرعاية اليومية للمسنين داخل الأسرة، لكن الأمر تغير بفعل استقلال هؤلاء الأبناء وميلهم إلى العيش في سكن منفصل عن الآباء، ونتيجة أيضاً للولوج الواسع للنساء إلى سوق العمل، ذلك أن الجزء الأكبر من رعاية المسنين ـ والأطفال والمرضى ـ داخل الأسرة يقع على عاتق النساء".
وهكذا، يتابع السوسيولوجي نفسه، في ظل القلق المتزايد في شأن تراجع قيم التضامن والواجب العائلي، يبرز التساؤل حول ما إذا كانت العائلات لا تزال قادرة على رعاية العدد المتزايد من كبار السن، مشيراً إلى أن رعاية المسنين تمثل عملاً متعدد الأبعاد معقداً ومرهقاً، ويتطلب انخراطاً كبيراً من حيث الوقت والجهد والموارد المالية والتحمل أو العبء العقلي.
واستطرد الأستاذ الجامعي بأن رعاية المسنين تشمل مستويات عدة من الأنشطة، فهناك المساعدة المباشرة التي ينبغي تقديمها لهؤلاء الأشخاص، مثل المساعدة الجسدية، لكن هناك أيضاً الدعم المعنوي والنفسي والمراقبة الكثيفة والحماية والمواكبة اليومية.
ووفق المتحدث، قد يؤدي الاعتماد الكلي على الأسرة لحماية ورعاية المسنين إلى إرهاقها، مما يفضي في الغالب إلى البحث عن بدائل، من خلال إرساء مراكز الاستقبال والرعاية الخاصة بالمسنين. لهذا يرى ما يقرب من نصف المسنين، في دراسة المندوبية السامية للتخطيط، ضرورة إحداث مؤسسات للإيواء، وتبرز هذه الحاجة بصورة أكبر داخل الأنماط العائلية التي يكون فيها الدعم محدوداً، بخاصة لدى المسنين الذين يعيشون بمفردهم.
وخلص بوخريص إلى أن ظاهرة "الأعشاش الفارغة"، المرتبطة بشيخوخة السكان ومغادرة الأبناء للبيت الأسري، تبرز الحاجة إلى سياسة عمومية في مجال المرافقة الاجتماعية للمسنين، تكون أكثر حساسية لتنوع وضعيات الأسر ولمسارات الشيخوخة، مثلما تكشف عن الحاجة إلى خلق توازن بين أدوار الدولة والأسرة وتنظيمات المجتمع المدني والقطاع الخاص في تحمل هذه المسؤولية الإنسانية النبيلة.